تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر الفتنة الواقعة بثغر الإسكندرية

وفى يوم الخميس خامس شهر رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة،/ وقع بثغر الإسكندرية المحروس فتنة عظيمة بين أهل الثغر ومتولّيه ركن الدين بيبرس الكركى.

وسبب هذه الفتنة أن جماعة من عوام الثغر اجتمعوا فى هذا اليوم ليتفرجوا على عادتهم، فوقفوا على حلقة قاصّ ظاهر الثغر بين بابى الأخضر والبحر، وكان فى الحلقة فرنجى من أتباع رسل صاحب إسطنبول، فشرع القاصّ إذا ذكر فى قصصه النبى ﷺ رفع المسلمون أصواتهم بالصلاة على عادة المسلمين فى ذلك، فقال بعضهم: أخرجوا هذا الفرنجى من بيننا، فإننا نحن نصلى على النبى ﷺ وهو لا يصلى عليه، فأرادوا إخراجه من الحلقة، فامتنع من الخروج، فدفع منها، فأعانه بعض رجّالة الولاية بالثغر، وقال: هذا من أتباع الرسل الذين وصلوا إلى السلطان، فضرب بعض العوام ذلك الراجل، فاستنفر بجماعة من رفقته رجالة الولاية، فكاثرهم العوام وضربوهم، وثارت الفتنة، فركب المتولى ليرد الناس، فرجمه أهل الثغر، فغلّق أبواب البلد بين العوام وبين مساكنهم، وتحصن منهم، وأحضر إليه ريّس الخلافة قاربا فيه نشّاب، فرمى العوام بالنّشاب، فقتل منهم جماعة.

وحضر القاضى بالثغر عماد الدين الكندى، وأشار على المتولى بالكفّ، فلم يوافقه، واستمر هو وأصحابه على رشق العوام بالنشاب، فقيل: إن القاضى قال للعوام: قد حل لكم قتالهم، فعند ذلك عظمت الفتنة، وحوصر/ المتولى، وتوجه جماعة من العوام إلى دار ريّس الخلافة، فانتهبوا جميع ما فيها، وقتلوا جماعة من العوام، وتوجه بعضهم وكسروا السجن، فأخرجوا ما فيه من المعتقلين، وكان عبيد أهل الثغر قبل ذلك قد خرجوا للعب فى عيد اللّنجات على عادتهم، فضرب المتولى منهم جماعة واعتقلهم، فخرجوا الآن،/ وقصد العوام إخراج الأمراء المعتقلين بالثغر، فامتنعوا من ذلك.

فعند ذلك بادر المتولى بمطالعة السلطان بهذه الحادثة، فوصلت مطالعته فى بكرة يوم الأحد ثامن شهر رجب، فندب السلطان الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبر الدولة وأستاذ الدار العالية، وصحبته من الأمراء: الأمير سيف

الدين ألدمر أمير جاندار، والأمير سيف الدين طوغان شادّ الدواوين، وغيرهما، فتوجّهوا إلى الثغر فى بقية نهار الأحد لكشف هذه الحادثة، ومقاتلة من تعدّى، ورسم بإهانة القاضى عماد الدين الكندى الحاكم بالثغر، والإخراق به، وعزله عن القضاء، وفوّض [قضاؤه] إلى القاضى علم الدين بن الأخنائى الشافعى فى العشر الأوسط من شهر رجب، وهو أول شافعى ولى قضاء الثغر.

ولما وصل الأمير علاء الدين مغلطاى والأمراء إلى الثغر أحضر القاضى عماد الدين الحاكم، وأهانه، وصادره هو وشمس الدين المؤذن البلبيسى نائبه وجماعة من أهل الثغر والتجار، فأخذ من جهتهم نحو خمسين ألف دينار. منها من التجار الكارميّة نحو عشرين ألف دينار وبقية ذلك/ من أهل الثغر، ووسّط جماعة من العوام، ومسك جماعة من العبيد بالثغر وغير العبيد، وأحضر منهم نحو تسعين رجلا، فقيدوا واستعملوا فى العمارة، وحصل لأهل الثغر ضرر عظيم.

وكان ممن وسّط رجل صاحب قاعة فزارة يعرف بابن رواحة كان قد حضر إلى الأمير علاء الدين، والتزم بحفظ ميناء الثغر، وأنه مقيم من رجاله من يحفظها بغير جامكية، ويوفر جامكية الرماة بالبحر، وكان هذا الرجل عنده أربعمائة عدّة يلبسها الرجال المقاتلة إذا دهم الثغر عدو، فأخرجوا من البلد

فتوجهوا إلى منية مرشد إلى الشيخ محمد المرشدى، وطولع فى أمره، وأنهى المتولى إلى السلطان أن هذا الرجل رأس فتنة، فطلب وأحضر إلى الثغر ووسّط، وأخليت قاعات الرماة بالثغر.

وعاد الأمير علاء الدين والأمراء إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء خامس عشرين الشهر، والثغر وأهله على أسوأ الأحوال.

ورسم السلطان بنقل جماعة من الأمراء المعتقلين، أحضر منهم فى يوم الأحد الثانى والعشرين من الشهر عشرة نفر جهّز منهم إلى الكرك الأمير سيف الدين بكتمر الأبى بكرى، وسيف الدين تمر الساقى واعتقل ببرج السباع بقلعة الجبل الأمير علم الدين سنجر الجاولى، والأمير سيف الدين بهادر المغربى، واعتقل بالجبّ ستة وهم: سيف الدين طغلق، وأمير غانم بن أطلس خان/ وسيف الدين قطلوبك المعلائى المعروف بالأوشاقى، وعز الدين أيدمر اليونسى، وسيف الدين كجكن، وفخر الدين أياز - نائب قلعة الروم كان- ثم أفرج عن فخر الدين أياز المذكور فى يوم الخميس السادس والعشرين من الشهر لكبر سنه وعجزه، وخلع عليه على عادة مقدمى الحلقة المنصورة، وسكن بالقاهرة عند أولاده.

وتأخر بثغر الإسكندرية من الأمراء المعتقلين به صلاح الدين طرخان بن بيسرى، وسيف الدين بلاط الجوكندار، وسيف الدين برلغى، وحسام

الدين لا جين العمرى، وسيف الدين ايتزا، وركن الدين بيبرس العلمى، وسيف الدين طشتمر أخو بنحاص أحسن الله خلاصهم.

وفيها فى يوم الأحد التاسع والعشرين من شهر رجب- وهو سلخه- جلس الأمير علاء الدين مغلطاى بقاعة الوزارة التى استجدت له بقلعة الجبل المقابلة لديوان الإنشاء، وجلس نظار الدولة والمستوفون وكتّاب الدّرج بين يديه خارج الشّبّاك على مصطبة بنيت برسم جلوسهم، ووقف شادّ الدواوين سيف الدين طوغان وحجّاب الوزارة من أسفل المصطبة التى جلس عليها من ذكرنا أمام الشباك، [ولم يعبر إليه أحد بداخل القاعة التى/ هو بها- وبها الشباك- سوى مماليكه وحاشيته].

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.