تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الحال الأول: أن يكون البيت الشعر مما يتسع المجال لناثره في نثره

فيورده بضروب من العبارات. قال ابن الأثير: «وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدّة من الأجوبة». فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:

لا تعذل المشتاق في أشواقهحتّى تكون حشاك في أحشائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

فهذا البيت يتصرّف في نثره في وجوه من المعاني. وقد نثر ابن الأثير هذا البيت فقال: «لا تعذل المحبّ فيما يهواه، حتّى تطوي القلب على ما طواه». ونثره على وجه آخر فقال: «إذا اختلفت العينان في النظر، فالعدل ضرب من الهذر». وكذلك قول المتنبي أيضا:

إن القتيل مضرّجا بدموعهمثل القتيل مضرّجا بدمائه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «القلب أعلم يا عذول بدائه»

نثره ابن الأثير فقال: «القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون؛ غير أن ذلك لا يجرد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده». فزاد على المعنى الذي تضمنه البيت عدم القود بالعمد. ونثره على وجه آخر فقال: «دم المحب ودم القتيل، متفقان في التشبيه والتمثيل؛ ولا تجد بينهما بونا، سوى أنهما يختلفان لونا». قال وهذا أحسن من الأول.

وعلى هذا النهج يجري قول ابن الرومي في وصف الحديث:

وحديثها السّحر الحلال لو انّهلم يجن قتل المسلم المتحرّز
للشاعر البحتري، من قصيدة «وحديثها السحر الحلال لو أنه»

نثره الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي في وصف السيوف فقال:

وكفى السيوف فخرا أنها للجنة ظلال، وإلى النصر مآل؛ وإذا كان من بيان الحديث سحر، فإنّ بيان حديثها عمن كلّمته هو السحر الحلال. ثم نقله إلى وصف الأسنة فقال: حسب ألسنة الاسنّة شرفا أنّ كشف خبايا القلوب يذمّ إلا منها، وأن بثّ أسرار الضمائر تكره روايته إلا عنها، فمكرّر حديثها في ذلك لا يفضي إلى ملال، وإذا لم يكن حسن حديثها الذي يسحر الألباب مما يحلّ، فليس في الحديث سحر حلال. ثم نقله إلى وصف البلاغة فقال: البلاغة تسحر الألباب حتّى تحيل العرض جوهرا وتحيل الهواء المدرك بالسمع لانسجامه وعذوبته في الذوق نهرا؛ لكنه سحر لم يجن قتل المسلم المتحرز، فيتأوّل في حلّه، وإذا كان في الحديث ما هو عقلة للمستوفز، فهذا أنشوطة نشاط البليغ وحلّ عقال عقله. ونقله إلى وصف الكتابة، فقال: خطّه شرك العقول، وفتنة تشغل المطمئن بملاحة المرئيّ المكتوب، عن فصاحة المسموع المقول؛ ولو لم يكن البيان سحرا، لما تجسّدت منه في طرسه هذه الدّرّر، ولو لم يكن بعض السحر حلالا، لما انجلى ظلام النفس عما يهتدى به من هذه الأوضاح والغرر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.