تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

المقصد الأوّل في وجه احتياج الكاتب إلى ذلك (٣)

اعلم أن الكاتب يحتاج إلى النظر في كتب الأمثال الواردة عن العرب نثرا ونظما والنظر في الكتب المصنفة في ذلك: كأمثال الميداني، والمفضّل ابن سلمة الضبّيّ، وحمزة الأصبهانيّ، وغيرهم. وكذلك أمثال المولّدين الواردة في أشعارهم: كالأمثال الواردة في شعر جرير، والفرزدق ونحوهما، إلى غير ذلك من الأمثال الواردة نثرا ونظما، والنظر في أمثال المحدثين الواردة في أشعارهم: كأبي العتاهية، وأبي تمّام، والمتنبي؛ فحكم ما ورد من الأمثال في شعر المولدين والمحدثين حكم أمثال العرب الشعرية؛ أمّا في شعر المولدين

فلجريهم على أسلوب العرب، وركوب جادّتهم؛ وأما المحدثين فللطافة مأخذهم، واستطراف ما يأتون به مما يجري مجرى النثر والنظم: من الأمثال الموضوعة على ألسنة الحيوان عن العرب وغيرهم؛ فيستشهد به في موضعه، ويورده في مكانه عارفا بأصل ذلك وما بني عليه، وذلك أن المثل له مقدّمات وأسباب قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم؛ وهذه الألفاظ الواردة في المثل دالة عليها، معبرة عن المراد بها، بأخصر لفظ وأوجزه، ولولا تلك المقدّمات المعلومة، والأسباب المعروفة، لما فهم من هذه الألفاظ القلائل تلك الوقائع المطوّلات؛ وأما الأمثال الواردة نثرا، فإنها كلمات مختصرة، تورد للدلالة على أمور كلية مبسوطة، كما تقدّمت الإشارة إليه، وليس في كلامهم أوجز منها. ولما كانت الأمثال كالرموز والإشارة التي يلوّح بها على المعاني تلويحا، صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارا. وحيث كانت بهذه المكانة لا ينبغي الإخلال بمعرفتها، قال صاحب العقد «والأمثال هي وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلي المعاني، والتي تخيّرتها العرب، وقدّمتها العجم، ونطق بها في كل زمان على كل لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء كسيرها، ولا عمّ عمومها، حتّى قالوا:

أسير من مثل، قال الشاعر:

ما أنت إلّا مثل سائريعرفه الجاهل والخابر

وقد ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه فقال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ

، وقال تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً

الآية، وقال وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

الآية،

وقال وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً

الآية، وقال وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ

إلى غير ذلك من آي القرآن.

وضرب رسول الله ﵌ الأمثال فقال «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبي الصّراط أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى رأس الصّراط داع يقول ادخلوا الصّراط ولا تعرّجوا: فالصّراط الإسلام، والسّتور حدود الله، والأبواب محارم الله، والداعي القرآن» إلى غير ذلك من الأمثال التي ضربها ﵌. ومحل الكلام على أمثال القرآن وأمثال الرسول ﵌، ما تقدّم من الكلام على القرآن الكريم والأخبار.

ثم هي على ضربين: قريب الفهم بظهور معناه، وكثرة دورانه بين الناس، وبعيد الفهم لخفائه، وقلة دورانه بين الناس. فالقريب من الفهم الكثير الدوران على الألسنة مثل قولهم: «عند الصّباح يحمد القوم السّرى»، وهو مثل يضرب للترغيب في السير في الليل، والحث عليه؛ وأوّل من أرسله مثلا خالد بن الوليد ﵁، قاله في صبح ليلة قطع فيها مفازة كانت في طريقه من العراق إلى الشام؛ وقولهم «ساء سمعا فأساء إجابة».

وأوّل من قال ذلك سهيل بن عمرو وكان تزوّج صفيّة بنت أبي جهل فولدت له ابنه أنسا، فرآه الأخنس بن شريق الثقفيّ معه فقال من هذا؟ فقال سهيل ابني- فقال الأخنس حيّاك الله يا بنيّ! أين أمّك؟ فقال: لا والله ما أمي ثمّ، انطلقت إلى بيت أمّ حنظلة تطحن دقيقا- فقال أبوه ساء سمعا فأساء إجابة- فلما رجعا

قال أبوه فضحني ابنك اليوم قال كذا وكذا- فقالت إنما ابني صبيّ وأنت لا تحبه- فقال «أشبه امرؤ بعض بزّه» فأرسلها مثلا. والبعيد من الفهم، مثل قولهم «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر». وهو مثل يضرب لمن ينكر الأمر الظاهر عنادا. والأصل في ذلك كما ذكره المفضّل بن سلمة الضبيّ أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس، فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه بينهم حكما، فقال واحد منهم: إن قومي يبغون عليّ، فقال الحكم: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر، فجرت مثلا. ومن المعلوم أن قول القائل إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر، إذا أخذ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به، والأسباب التي قيل من أجلها، لا يعطي من المعنى ما قد أعطاه المثل، بل ما كان يفهم من هذا القول معنى يفيد لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا، فكان يصير معنى المثل- إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر- وهو كلام مختل المعنى ليس بمستقيم.

وقد أكثر الناس في تصنيف كتب الأمثال، فمن ذلك الأمثال لأبي عبيد، وهو مرتب على ترتيب الوقائع التي تقع فيها الأمثال. ومن ذلك أمثال الميداني، وهي مرتبة على حروف المعجم وفي آخرها جملة من أيام حروب العرب، إلى غير ذلك من كتب الأمثال المصنفة في هذا الباب: كأمثال الضبي، والقمي، وغيرها.

وأما الأمثال الواردة نظما، فهي كلمات استحسنت في الشعر، وطابقت وقائع عامّة جارية بين الناس، فتداولها الناس، وأجروها مجرى الأمثال النثرية. وقد روي أن النبي ﵌، كان يتمثل بقول طرفة:

ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد

وهو نصف بيت مجموعه:

ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

ويروى أنه ﵌ كان يخرجه عن الوزن، ويحيله عن طريق الشعر، فكان يقول: «ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار» فرارا من قول الشعر المنزّه عنه مقامه العليّ، وشرفه الرفيع، لكن ثبت في الصحيح أنه ﵌ قال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

والمحرّم عليه ﵌، إنما هو نظم الشعر دون إنشاده وسماعه. وقد بسطت القول على ذلك في كتابي المسمّى ب «الغيوث الهوامع في شرح جامع المختصرات ومختصر الجوامع» في الفقه فراجعه هناك؛ ويروى أن عمر ﵁ تمثل بقول النابغة:

ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث أيّ الرّجال المهذّب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

ثم قال: لمن هذا؟ فقيل له للنابغة، فقال: ذاك أشعر شعرائكم؛ والمثل السائر فيه في قوله: أيّ الرّجال المهذّب؛ وأمثال ذلك مما تمثل به الصحابة رضوان الله عليهم كثير، ولذلك وقع في أمثال المحدثين الواردة في أشعارهم ما يستظرف ويستحلى كقول القاضي الأرّجاني:

تأمّل منه تحت الصّدغ خالالتعلم كم خبايا في الزّوايا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «سهام نواظر تصمي الرمايا»

يشير بذلك إلى المثل الجاري على ألسنة الناس في قولهم «في الزّوايا خبايا» وهو من الأمثلة المستفيضة على ألسنة العامّة الشائعة بينهم، وقول ابن عبد ربه:

قالوا شبابك قد ولّى فقلت لهمهل من جديد على كرّ الجديدين؟
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «قالوا شبابك قد ولى فقلت لهم»
صل من هويت وإن أبدى معاتبةفأطيب العيش وصل بين إلفين!
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «قالوا شبابك قد ولى فقلت لهم»
واقطع حبائل خدن لا تلائمهفربّما ضاقت الدّنيا بإثنين

وقول الآخر:

وعاد من أهواه بعد القلىشقيق روح بين جسمين
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «وعاد من أهواه بعد القلى»
وأصبح الدّاخل ما بينناكساقط بين فراشين
قد ألبس البغضاء من ذا وذالا يصلح الغمد لسيفين
ما بال من ليست له حاجةيكون أنفا بين عينين؟
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «وعاد من أهواه بعد القلى»

قال الأصمعي: ولم أجد في شعر شاعر بيتا أوّله مثل وآخره مثل، إلا ثلاثة أبيات: بيت الحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

وبيتا امريء القيس:

وأفلتهنّ علباء جريضاولو أدركنه صفر الوطاب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا يا لهف هند إثر قوم»
وقاهم جدّهم ببني أبيهموبالأشقين ما كان العقاب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا يا لهف هند إثر قوم»

قال صاحب العقد: «ومثل هذا كثير في القديم والحديث، ولا أدري كيف أغفل القديم منه الأصمعيّ، ومنه:

ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا

البيت المتقدّم؟ وهو من أشرف الأبيات وأعظمها بابا».

وأما الأمثال الموضوعة على ألسنة الحيوانات، فكما روي أنّ عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، حين رأى خلاف أصحابه وتخاذلهم، تمثل بقولهم «إنّما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» يعني إنما خذلت يوم خذل عثمان؛ وحكاية هذا المثل أنهم قالوا: اصطحب أسد، وثور أحمر، وثور أبيض، وثور أسود في أجمة؛ فقال الأسد للأحمر والأسود: هذا الأبيض يفضحنا بلونه، ويطمع فينا من يقصدنا! فلو تركتماني آكله، أمنّا فضيحة لونه؛ فأذنا له في ذلك فأكله؛ ثم قال للأحمر: هذا الأسود يخالف لوني ولونك ولو بقيت أنا وأنت، ظنّك من يراك أسدا مثلي فدعني آكله، فسكت عنه فأكله؛ ثم قال للثور الأحمر: لم يبق إلا أنا وأنت، وأريد أن آكلك! فقال: إن كنت فاعلا ولا بدّ، فدعني أصعد تلك الهضبة، وأصيح ثلاثة أصوات، فقال: افعل ما تريد، فصعد وصاح ثلاثة أصوات: «ألا إنّما أكلت يوم أكل الثور الأبيض» فجرت مثلا.

ويحكى أن عبد الملك بن مروان حج وقدم المدينة، فقال على المنبر:

يا أهل المدينة إنكم قتل عثمان بين أظهركم فنحن لا نحبكم! وأرسلنا مسلمة ابن عقبة فقتلكم في وقعة الحرّة، فأنتم لا تحبّوننا، فمثلنا ومثلكم كما قال النابغة:

كما لقيت ذات الصّفا من حليفهاوكانت تريه المال غبّا وظاهره
فلمّا رأى أن قد تثمّر مالهوأثّل موجودا وسدّ مفاقره
أكبّ على فأس يحدّ غرابهامذكّرة من المعاول باتره
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ألا أبلغا ذبيان عني رسالة»
فلمّا وقاها الله ضربة فأسهولله عين لا تغمّض ناظره
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ألا أبلغا ذبيان عني رسالة»
فقال تعالي نجعل الله بينناعلى مالنا أو تنجزى لي آخره
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ألا أبلغا ذبيان عني رسالة»
فقالت يمين الله أفعل إنّنيرأيتك سخريّا يمينك فاجره
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ألا أبلغا ذبيان عني رسالة»
أبى لي قبر لا يزال مقابليوضربة فأس فوق رأسي فاقره
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ألا أبلغا ذبيان عني رسالة»

وهذه الحكاية مشهورة في الموضوعات على ألسن الحيوان، وهي أن أخوين هبطا بغنمهما واديا يرعيان فيه، فخرجت حية من تحت الصّفا وفي فمها دينار فألقته إليهما وأقامت كذلك أياما، فقال أحدهما لا بدّ من قتل هذه الحية وأخذ هذا الكنز! فنهاه أخوه فلم يقبل، فخرجت فضربها بفأس في يده، فشجّها وشدّت عليه فقتلته، فدفنه أخوه مقابلها؛ فلما خرجت قال لها هل لك أن نتعاهد على المودّة وعدم الأذية، وتعطيني ذلك الدينار كل يوم؟ فقالت: لا! - قال ولم؟ - قالت لأنك كلما نظرت إلى قبر أخيك لا تصفو لي، وكلما ذكرت الشجّة التي في رأسي لا أصفو لك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.