تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

المذهب الثالث- أن المراد بتنافر الكلمات أن تذكر لفظة

أو ألفاظا يكون غيرها مما في معناها أولى بالذكر، فتجيء الكلمة غير لائقة بمكانها، وهو ما أصطلح عليه ابن الأثير في «المثل السائر». وهو على ضربين:

الضرب الأوّل: ما يوجد منه في اللفظة الواحدة فيمكن تبديله بغيره مما هو في معناه سواء كان ذلك الكلام نظما أو نثرا؛ وهو على أنواع شتّى:

منها فك الإدغام في غير موضع فكّه، كقول ابن أمّ صاحب:

مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقيأني أجود لأقوام وإن ضننوا

ففك الإدغام في ضننوا، وكان الأحسن أن يقال: وإن ضنوا أي بخلوا.

وعلى حدّ ذلك ورد قول المتنبي:

فلا يبرم الأمر الذي هو حاللولا يحلل الأمر الذي هو يبرم

فلو أدغم لجاءت اللفظة في مكانها غير قلقة ولا نافرة، وكذلك كل ما جاء على هذا النهج فلا يحسن أن يقال: بلّ الثوب فهو بالل، ولا سلّ السيف فهو سالل، ولا همّ بالأمر فهو هامم، ولا خط الكتاب فهو خاطط، ولا حنّ إلى كذا فهو حانن، وهذا لو عرض على من لا ذوق له أدركه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي

الطيب؟ لكن لا بدّ لكل جواد من كبوة.

ومنها زيادة حرف في غير موضعه كقول دعبل:

شفيعك فاشكر في الحوائج إنّهيصونك عن مكروهها وهو يخلق
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن امرأ أسدى إلي بشافع»

فالفاء في قوله فاشكر زائدة في غير محلها، نافرة عن مكانها.

قال الوزير ضياء الدين بن الأثير: أنشدني بعض الأدباء هذا البيت فقلت له:

عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح لأن سبكه قلق نافر، والفاء في قوله فاشكر كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش، فقال: لهذه الفاء في كتاب الله تعالى أشباه كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ

فقلت له: بين هذه الفاء وتلك فرق ظاهر يدرك بالعلم أوّلا وبالذوق ثانيا، أما العلم فإن الفاء في قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ

فهي الفاء العاطفة إذ وردت بعد قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ

وهي مثل قولك: امش فأسرع، وقل فأبلغ، وليست الفاء التي في قول دعبل: شفيعك فاشكر من هذا القبيل، بل هي زائدة ولا موضع لها، وإنما نسبتها أن يقال: ربك أو ثيابك فطهر من غير تقدّم معطوف عليه، وحاشا فصاحة القرآن من ذلك. فأذعن بالتسليم ورجع إلى الحق.

قال: ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطّن لها إلا الراسخ في علم الفصاحة.

ومنها وصل همزة القطع في الشعر وإن كان ذلك جائزا فيه بخلاف النثر كقول أبي تمّام:

قراني اللها والودّ حتّى كأنّماأفاد الغني من نائلي وفوائدي
فأصبح يلقاني الزّمان من اجلهبإعظام مولود ورأفة والد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد»

فقوله من اجله بوصل همزة القطع من الكلام النافر؛ وعلى حدّه ورد قول أبي الطّيّب:

يوسّطه المفاوز كلّ يومطلاب الطّالبين لا الانتظار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

فقوله لا الانتظار بوصل همزة الانتظار كلام نافر.

ومنها قطع همزة الوصل في الشعر أيضا وإن كان جائزا فيه كقول جميل:

ألا لا أرى إثنين أجمل شيمةعلى حدثان الدّهر منّي ومن جمل

وقوله أيضا:

إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّهبنشر وتكثير الوشاة قمين

فقطع ألف الوصل في لفظ الاثنين في البيت الأوّل والثاني.

ومنها أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدّم ذكره كقول البحتريّ:

حلفت لها بالله يوم التّفرّقوبالوجد من قلبي بها المتعلّق
للشاعر البحتري، من قصيدة «حلفت لها بالله يوم التفرق»

تقديره من قلبي المتعلق بها، فلما فصل بين الموصوف الذي هو قلبي والصفة التي هي المتعلق بالضمير الذي هو بها قبح ذلك، ولو قال: من قلب بها متعلق لزال ذلك القبح وذهبت تلك الهجنة. ونحو ذلك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.