من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطّرف الأوّل في فضل الحجاز وخواصّه وعجائبه
أما فضله ففي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: «غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز».
قلت: وفي ذلك دليل صريح لفضل الحجاز نفسه، وذلك أن هواء كل بلد يؤثّر في أهله بحسب ما يقتضيه الهواء، ولذلك تجد لأهل كل بلد صفات وأحوالا تخصهم، وقد أخبر ﷺ عن أهل الحجاز بالرقّة كما أخبر عن أهل المشرق بالغلظة والجفاء؛ وناهيك بفضل الحجاز وشرفه أن به مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وبه مكة والمدينة اللتين هما أشرف بلاد الله تعالى وأجلّ بقاع الأرض، ولكل منهما فضل يخصه يأتي الكلام عليه عند ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما خواصه فيختص من جهة الشرع بأمرين:
أحدهما- أنه لا يستوطنه مشرك من ذمّي ولا معاهد، وإن دخله لم يمكّن من الإقامة في موضع منه أكثر من ثلاثة أيام ثم يصرف إلى غيره، فإن أقام بموضع أكثر من ثلاثة أيام، عزّر إن لم يكن له عذر. قال أصحابنا الشافعية: ولو عقد الإمام عقدا لكافر على الإقامة بالحجاز على مسمّى بطل العقد ووجب المسمّى.
الثاني- أنه لا تدفن فيه موتاهم وإن دفن أحد منهم فيه نقل إلى غيره.
وأما عجائبه فمنها مقام إبراهيم ﵇، وهو الحجر الذي كان يقوم عليه لبناء البيت فأثّرت فيه قدماه وصار أثرهما فيه ظاهرا كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ
وهو باق على ذلك أمام البيت من جهة الباب إلى الآن.
(ومنها) ما ذكره في «الروض المعطار» من أنّ أثر قدم إسماعيل ﵇ بمسجد بمنى في حجر فيه أثر عقبه حين رفس إبليس برجله عند اعتراضه له في ذهابه مع أبيه للذّبح.
(ومنها) حصى الجمار، وهو أنه في كل سنة يرمي الحجّاج عند الجمرات الثلاث في أيام منى ما تتحصّل منه التلال العظيمة على طول المدى، ومع ذلك لم يكن موجودا بمنى منها إلا الشيء القليل على تطاول السنين، يقال إن مهما تقبّل منها رفع والباقي منها ما لم يتقبل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع