من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الإقليم الثاني الدّشت
بفتح الدال المهملة وسكون الشين المعجمة وتاء مثناة فوق في الآخر- وهي صحارى في جهة الشّمال، وتضاف إلى القبجاق بفتح القاف وسكون الباء الموحدة وفتح الجيم وألف بعدها ثم قاف- وهم جنس من التّرك يسكنون هذه الصحارى، أهل حلّ وترحال، على عادة البدو.
وقاعدة المملكة بها (صراي). قال في «تقويم البلدان»: بفتح الصاد والراء المهملتين وألف وياء مثناة تحتية. ووقع في «مسالك الأبصار» بالسين المهملة بدل الصاد- وموقعها في الإقليم السابع من الأقاليم السبعة. قال في «تقويم البلدان»: وهي مدينة عظيمة في مستو من الأرض على شطّ نهر [الأثل] من الجانب الشماليّ [الشرقيّ] غربيّ بحر الخزر وشماليه على مسيرة نحو يومين، وبحر الخزر شرقيها بجنوبيها، ونهر الأثل عندها يجري من الشّمال والغرب إلى الشرق والجنوب حتّى يصب في بحر الخزر. وهي فرضة عظيمة للتجار ورقيق التّرك. وذكر في «مسالك الأبصار» عن عبد الرحمن الخوارزميّ الترجمان: أنها بناء بركة بن طوجي بن جنكز خان، وأنها في أرض سبخة بغير سور، ودار الملك بها قصر عظيم على عليائه هلال من ذهب زنته قنطاران بالمصريّ، ويحيط بالقصر سور وأبراج فيها الأمراء، وبهذا القصر يكون مشتاهم؛ والسراي مدينة كبيرة ذات أسواق وحمامات ووجوه برّ، مقصودة بالإجلاب، وفي وسطها بركة ماؤها من نهر الحل ماؤها للاستعمال. أما شربهم فمن النهر يسقى لهم في جرار فخّار، وتصفّ على العجلات وتجرّ إلى المدينة وتباع بها. قال: وبعدها عن خوارزم نحو شهر ونصف. قال في «تقويم البلدان»: وقد بنى بها السلطان أزبك مدرسة للعلم. قال في «مسالك الأبصار»: وهم في جهد من قشف العيش لأنهم ليسوا أهل حاضرة، وشدّة البرد تهلك مواشيهم. قال: وهم لشدّة ما بهم من سوء الحال إذا وجد أحدهم لحما صلقه ولم ينضجه وشرب مرقه، وترك اللحم ليأكله مرة أخرى، ثم يجمع العظام ويعاود صلقها مرة أخرى ويشرب مرقها، وقس على هذا بقية عيشهم. ونقل عن جمال الدين عبد الله الحصني التاجر: أنّ لبس كثير منهم الجلود: مذكّاة كانت أو ميتة، مدبوغة أو غير مدبوغة، من حيوان طاهر أو غيره، ولا يعرفون في المآكل ما يعاف مما لا يعاف، ولا التحريم من التحليل؛ وأنهم يبيعون أولادهم في بعض
السنين لضيق العيش. قال: ومع ذلك فليس لهم تمسّك بدين ولا رزانه في عقل؛ ثم عقب ذلك بأن قال: ومع ذلك فهم من خيار التّرك أجناسا لوفائهم وشجاعتهم وتجنبهم الغدر، مع تمام قاماتهم وحسن صورهم وظرافة شمائلهم. ثم قال:
ومنهم معظم جيش الديار المصرية من ملوكها وأمرائها وجندها؛ إذ لما رغب الملك الصالح (نجم الدين أيوب) في مشترى المماليك منهم، ثم صار من مماليكه من انتهى إلى الملك والسلطنة، فمالت الجنسية إلى الجنسية، ووقعت الرغبة في الاستكثار منهم حتّى أصبحت مصر بهم آهلة المعالم، محميّة الجوانب؛ منهم أقمار مواكبها، وصدور مجالسها، وزعماء جيوشها، وعظماء أرضها. وحمد الإسلام مواقفهم في حماية الدّين، حتّى إنهم جاهدوا في الله أهليهم. قال: وكفى بالنصرة الأولى يوم عين جالوت في كسر الملك المظفر قطز صاحب مصر إذ ذاك في سنة ثمان وخمسين وستمائة عساكر هولاكو ملك التّتر بعد أن عجز عنهم عساكر الأقطار، واستأصلوا شأفة السلطان (جلال الدين محمد بن خوارزم شاه) وقتلوا عساكره؛ مع أن الجيش المصريّ بالنسبة إلى العساكر الجلالية كالنقطة من الدائرة، والنّغبة من البحر، والله يؤيد بنصره من يشاء.
أما في زماننا هذا فإنه منذ قام السلطان الملك الظاهر برقوق من جنس الجركس، رغب في المماليك من جنسه وأكثر من المماليك الجراكسة حتّى صار منهم أكثر الأمراء والجند، وقلّت المماليك الترك من الديار المصرية حتّى لم يبق منهم إلا القليل من بقاياهم وأولادهم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع