من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الجملة الثامنة في مقدار عسكر هذه المملكة، وترتيبها، ومقادير الأرزاق الجارية عليهم، وزيّهم في اللبس
أما مقدار عسكرها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الشيخ علاء الدين ابن النّعمان أن عساكرها كثيرة تفوت الحصر، لا يعلم لها مقدار إلا أنه خرج مرة عليه وعلى القان الكبير اسنبغا سلطان ما وراء النهر خارج، فجرّد إليه من كل
عشرة واحدا فبلغ عدّة المجرّدين مائتين وخمسين ألفا ممن دخل تحت الإحصاء سوى من انضم إليهم، وألزم كلّ فارس منهم بغلامين وثلاثين رأسا من الغنم وخمسة أرؤس من الخيل وقدرين نحاس وعجلة.
وأما ترتيب مملكتهم فحكى عن الشيخ نجم الدين بن الشحام الموصليّ أن ترتيب هذه المملكة في أمر جيوشها وسلطانها كما في ترتيب مملكة العراق والعجم في عدّة الأمراء والأحكام والخدم ولكن ليس لأمير الألوس والوزير بها تصرف أمير الألوس والوزير بتلك المملكة، ولا لسلطان هذه المملكة نظير ما لذلك السلطان من الدخل والمجابي وعدد المدن والقرى، ولا مشى أهل هذه المملكة على قواعد الخلفاء مثل أولئك؛ ولخواتين هؤلاء مشاركة في الحكم معهم وإصدار الأمور عنهم مثل أولئك وأكثر، إلا ما كانت عليه بغداد بنت جوبان امرأة أبي سعيد بهادر بن خدا بندا، فإنه لم ير من يحكم حكمها. قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله: وقد وقفت على كثير من الكتب الصادرة عن ملوك هذه البلاد من عهد بركة وما بعده وفيها «واتفقت آراء الخواتين والأمراء على كذا» أو ما يجري هذا المجرى.
وحكي عن الصدر زين الدين عمر بن مسافر عن أزبك خان سلطان هذه المملكة في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون أنه لا التفات له من أمور مملكته، إلا إلى جمليّات الأمور دون تفصيل الأحوال، يقنع بما حمل إليه ولا يبحث عن وجوه القبض والصرف؛ وأن لكل امرأة من خواتينه جانبا من الحمل، وأنه يركب كل يوم إلى امرأة منهنّ، يقيم ذلك اليوم عندها، يأكل من بيتها ويشرب، وتلبسه بدلة قماش كاملة، ويخلع التي كانت عليه من اللبس على من يتفق ممن حوله. ثم قال: وقماشه ليس بفائق الجنس ولا غالي الثمن، مع قربه من الرعايا القاصدين له، إلا أن يده ليست مبسوطة بالعطاء، ولو أراد هذا لما وفى به دخل بلاده، فإن غالب رعاياه أصحاب عمل في الصحراء أقواتهم من مواشيهم. ونقل عن نظام
الدين بن الحكيم الطياريّ أن لسلطان هذه المملكة على جميعهم خراجا يستأديه منهم، وأنهم ربما طولبوا بالخراج في سنة ممحلة لوقوع الموتان بدوابهم، أو سقوط الثلج ونحوه، فباعوا أولادهم لأداء ما عليهم من الخراج.
وأما مقادير أرزاق جندهم، فقد حكى عن شجاع الدين عبد الرحمن أن كل من كان بيد آبائه شيء من الإقطاع فهو بيد أبنائه. ثم قال: والأمراء لهم بلاد، منهم من تغلّ بلاده في السنة مائتي ألف دينار رابح وما دون ذلك إلى مائة ألف دينار رابح.
أما الجند فليس لأحد منهم إلا نقود تؤخذ، كلهم فيها على السواء، لكل واحد منهم في السنة مائتا دينار رابح.
وأما زيّهم في اللبس، فحكى عن شجاع الدين الترجمان أيضا أنه كان زيهم زيّ عسكر مصر والشام في الدولة الإسلامية وما يناسب ذلك، ثم غلب على زيهم زيّ التتر إلا أنهم بعمائم صغار مدوّرة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع