من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الحال الأوّل- أن يكون للرجل ولد أو أولاد
. قال النوويّ: فإن كان له ولد
يكنّى به، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى، فيجوز تكنية الرجل بأبي فلانة كما يجوز بأبي فلان. فقد تكنّى جماعة من أفاضل السّلف من الصحابة والتابعين ﵃ بأبي فلانة، فمن الصحابة أبو ليلى: والد عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو فاطمة الليثيّ، وأبو مريم الأزديّ، وأبو رقيّة تميم الداريّ، وأبو زرعة المقداد بن معدى كرب. ومن التابعين أبو عائشة مسروق بن الأجدع وخلائق لا يحصون. وإن كان له أولاد يكنّى بأكبرهم: فقد كان النبيّ ﷺ يكنّى بأبي القاسم، وكان القاسم أكبر بنيه.
وفي سنن أبي داود والنّسائيّ عن شريح الحارثيّ أنه وفد على رسول الله ﷺ مع قومه فسمعهم يكنّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله هو الحكم وإليه الحكم! فلم تكنّى أبا الحكم؟ - فقال: إنّ قومي اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين- فقال رسول الله ﷺ: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ - قال: شريح، ومسلم، وعبد الله- قال: فمن أكبرهم؟ - قال- شريح- قال: فأنت أبو شريح».
فلو تكنّى بغير أولاده فلا بأس به قاله النوويّ. ثم قال: وهذا الباب واسع لا يحصى من يتّصف به.
وقد اختلف في جواز التكنّي بأبي القاسم: فنص الشافعيّ ﵁ على أنّه لا يجوز التكنّي بذلك مطلقا، لما ورد أنه ﷺ قال «تسمّوا باسمى ولا تكتنوا بكنيتي». وذهب ذاهبون إلى تخصيص ذلك بحياته ﷺ احتجاجا بأن المنع فيه كان لعلّة: وهي أن اليهود كانوا ينادون يا أبا القاسم! فإذا التفت النبيّ ﷺ قالوا:
لم نعنك، قصدا لإيذائه ﷺ وقد زالت هذه العلّة بوفاته ﷺ، واختاره النوويّ من أصحابنا الشافعية. وذهب آخرون إلى تخصيص المنع بما إذا جمع لواحد بين الاسم والكنية، بأن يتسمّى محمدا ويتكنّى بأبي القاسم، بخلاف ما إذا لم يكن اسمه محمدا فإنه يجوز، وهو وجه قويّ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع