من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المرتبة الرابعة- أن يعبّر عن الكتاب الوارد بالمكاتبة
، وذلك مع الابتداء بالدعاء بلفظ: ضاعف الله نعمة الجناب العالي، وأدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، وصدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي، أو المجلس السامي، أو هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، أو يعلم مجلس، فيقال: وتوضّح لعلمه، أو موضّحة لعلمه أو تتضمّن إعلامه، أو تعلمه، أو يعلم على حسب المراتب المتقدّمة، ورود مكاتبته، فوقفنا عليها، وأحطنا علما بما تضمّنته من كيت وكيت، ويجاوب عنه، ثم يقول: فيتقدّم الجناب أو المجلس أو مجلس الأمير ونحو ذلك مما يقتضيه الحال، بإعلامنا بأخباره وضروراته وحوائجه.
واعلم أنّ لكاتب السرّ أجوبة لنوّاب السّلطنة وغيرهم ممن ترد عليه مكاتباتهم بطلب الملاحظة عند عرض مكاتباتهم على الحضرة السّلطانية، وتحسين السّفارة في ذلك، ويقع الخطاب في جواب كلّ منهم على حسب رتبته.
ففي جواب نائب السلطان بالشام المحروس يكتب ما صورته: وينهي بعد رفع أدعيته الصالحة تقبّلها الله تعالى من المملوك ومن كلّ داع مخلص، بدوام أيام مولانا ملك الأمراء، أعزّ الله تعالى أنصاره، وخلود سعادته عليه، أنّ المثال الكريم ورد على المملوك على يد فلان، فنهض له المملوك، وأجمل في تلقّيه السّلوك، وفضّه عن صدقات عميمة، وتفضّلات جسيمة، وفرح بما دلّ عليه من سلامة مولانا ملك الأمراء- أعزّ الله أنصاره- وعافيته، وصحّة مزاجه المحروس، وتضاعف سرور المملوك بذلك، وتزايد ابتهاجه به، وسأل الله تعالى أن يديم حياة مولانا ملك الأمراء، أعز الله أنصاره، ويبقيه، وانتهى إلى ما تضمنته الإشارة في معنى تجهيز المشار إليه إلى خدمة الأبواب الشريفة بما على يده من المكاتبة الكريمة، وما رسم به من القيام في خدمتها وعرضها بين يدي المواقف الشريفة شرّفها الله تعالى وعظّمها، وقابل المملوك الإشارة الكريمة بالامتثال بالسّمع والطاعة، وبادر إلى ما رسم به؛ وقد عرض المملوك المكاتبة الكريمة على المسامع
الشريفة، وكتب الجواب الشريف عن ذلك بما ستحيط به العلوم الكريمة، وعاد بذلك إلى خدمة مولانا ملك الأمراء أعزّ الله أنصاره. والمملوك مملوك مولانا ملك الأمراء عزّ نصره، ومحبّه القديم، والمعترف بإحسانه وصدقاته، ويسأل تشريفه بالمهمّات والخدم، أنهى ذلك، إن شاء الله تعالى.
وفي جواب بقيّة النّوّاب بالممالك الشامية، كنوّاب السلطنة بحماة وطرابلس وصفد والكرك، ومقدّم العسكر بغزّة، يكتب: وينهي بعد رفع دعائه، وإخلاصه في محبّته وولائه، واعترافه بإحسان مولانا وآلائه، أنّ المثال العالي- أعلاه الله تعالى- ورد على المملوك على يد فلان، فقبّله المملوك، وأحسن في تلقّيه السّلوك وفرح بما دلّ عليه من عافية مولانا وسلامته، وصحّة مزاجه المحروس، وحمد الله تعالى على ذلك، وانتهى إلى ما أشار إليه، من تجهيز المطالعة الكريمة إلى الأبواب الشريفة، شرّفها الله تعالى وعظّمها، وفهم المملوك ذلك، وامتثل ما أشار إليه بالسّمع والطاعة، ووقف في خدمتها عند العرض على المسامع الشريفة، وأحاطت العلوم الشريفة بمضمونها، وكتب الجواب الشريف عن ذلك بما سيحيط به علم مولانا، وقد عاد فلان بالجواب الشريف وبهذه الخدمة، وحمّله المملوك من السّلام والشوق والدعاء والولاء وتقبيل الأرض ما يبديه لمسامع مولانا.
والمملوك يسأل إحسانه الإصغاء إلى ذلك، والتشريف بمراسيمه وخدمه، ليبادر إلى قبولها. والله تعالى يؤيّده ويحرسه بمنّه وكرمه.
وعلى قياس ذلك في غير هذه من المكاتبات بحسب ما تقتضيه رتبة كلّ واحد من أصحابها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع