من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصّنف الخامس
(الصنف السادس (من الرسائل ما تكتب به الحوادث والماجريات)) ويختلف الحال فيها باختلاف الوقائع: فإذا وقعت للأديب ماجرية وأراد الكتابة بها إلى بعض إخوانه، حكى له تلك الماجرية في كتابه مع تنميق الكلام في ذلك، إما ابتداء وإما جوابا، عند مصادفة ورود كتابه إذ ذاك إليه.
وهذه نسخة رسالة أنشأها الإمام قاضي قضاة المسلمين محيي الدّين، أبو الفضل يحيى، ابن قاضي القضاة الإمام محيي الدّين أبي المعالي محمد، بن عليّ، بن محمد، بن الحسين، بن عليّ، بن عبد العزيز، بن عليّ، بن الحسين، ابن محمد، بن عبد الرحمن، بن القاسم، بن الوليد، بن القاسم، بن عبد الرحمن، بن أبان، بن عثمان، بن عفّان ﵁، لمّا ورد إلى القاهرة المحروسة في التّاسع من جمادى الأولى من سنة تسع وعشرين وستمائة وتعرف «برسالة النّمس»؛ وهي:
وردت رقعة سيّدنا أسعده الله بتوفيقه، وأوضح في اكتساب الخيرات
سبل طريقه، فوقفت عليها وقوف السّارّ بورودها، المستسعد بوفودها، المبتهل إلى الله في إبقاء مهجته التي يتشرّف الوجود بوجودها:
وليس بتزويق اللّسان وصوغهولكنّه قد مازج اللّحم والدّما!
وفضضتها عن مثل النّور تفتحه الصّبا، وبرود الرّياض تساهمت في اكتساء وشيها الأهضاب والرّبا؛ يكبو جواد البليغ في مضمار وصفها، وينبو عضب لسانه عن مجاراتها في رصفها؛ يخجل محيّا النهار بياض طرسها، ويودّ الليل لو نفضت عليه صبغة نقسها، وتحسد الكواكب رائق معانيها، وتتمنّى لو أعيرت فضل إشراقها وتلاليها، في كلّ فقرة روضة وكلّ معنى كأس مدام، وكلّ ألف ساق وكلّ سين طرّة غلام، وكلّ واو عطفة صدغ وكلّ نون تقويس حاجب، وكلّ لام مشقة عذار وكلّ صاد خطّة شارب؛ تصيب من سامعها أقصى ما يراد بالنّفث في العقد، وتستولي بلفظها على لبّه استيلاء الجواد على الأمد.
فلما اجتليت منها المعاني المسهبة في اللّفظ الموجز، وأجلت طرفي منها ما بين نزهة المطمئنّ وعقلة المستوفز، وأسلمت قيادي إلى سحرها المحلّل وإن جنى قتل العاشق المتحرّز- علمت أن سيّدنا أجرى في حلبة السّباق فحاز قصب سبقها، وذلّلت له البلاغة فتوغّل في شعابها وطرقها، وحكّمت يده في أعنّة الفضائل فسلّمت القوس إلى باريها، ودرجات العلى إلى مستحقّيها؛ فمن وائل؟ ومن سحبان؟ ومن عبد الحميد؟ وابن صوحان، وأيّ خبر يقابل العيان؟ ومن يقاوم ما هو كائن بما كان؟؛ فسألت خاطري الجامد أن يعارض بوابله طلّها، وأن يقابل بجثمانه ظلّها، وأن يجاريها في حلبة المساجلة وإن دعي بالسّكيت، ولقد أسمعت لو ناديت حيّا وكيف بنطق من ميت؛ وأنّى يطمع في مجاراة البحر ولات حين لعلّ أوليت؛ فوجدته أصلد من
الصّخرة مسّا، وألفيت «باقلا» لديه «قسّا»؛ فما كلّ من طرق قرى، ولا من إذا خلق فرى؛ وهذا المعهود من خاطري إذا كان جامّا فكيف وقد نضب ماؤه وكدّرت الحوادث بحر علمه والغير، فمن دون أن تستخرج منه الدّرر أن يلين لضرس الماضغ الحجر؛ فبذل جهده لما شعّبت الهموم سبله، وتقنّع بالخلق من لا جديد له.
هذا مع واقعة وقعت له فأصبح متشتّتا، وثنى عنانه عن كلّ شيء إليها متلفّتا، وذلك أنّه في بارحته استولى عليه القلق بسلطانه، واستلبت يد الأرق كراه من بين أجفانه، كأنّه ساورته ضئيلة سمّها ناقع، أو مدّت إليه خطاطيف حجن لها أيدي الخطوب نوازع:
إذا اللّيل ألبسني ثوبهتقلّب فيه فتى موجع
فتارة فكرته متوجّهة نحو قلّة حظّه، وآونة لا يقع إلّا على ما يقذفه طارف لحظه؛ وإنّ يد الخمول قد استولت عليه، وأزمّة المطالب صرفت عنه وحقّها أن تصرف إليه، والسعادة شاردة عنه وما أجدرها أن تطيف ببابه وتستقرّ بين يديه:
لئن كان أدلى حابل فتعذّرتعليه وكانت رادة فتخطّت
لما تركته رغبة عن حبالهولكنّها كانت لآخر خطّت!!
ولقد جهد في سلّم الدّهر وهو يحاربه، «وكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه» ؟ فما شام بارقة أمل إلا أخفقت ورجع بخفّي حنين، وقرّت أعين
أعاديه كلّما سخنت منه العين، فلقد أصبح «أفرغ من حجّام ساباط» وإن كان «أشغل من ذات النّحيين».
وكلما تأمّل جدّه العاثر النّاكص، ونظر رزقه النّاضب النّاقص، وقابله الدّهر بالوجه العابس الكالح، ومنّى نفسه عقبى يوم صالح، ربع عليها فمن لي بالسّانح بعد البارح ؟ وناجى نفسه بإعمال الركائب، والاضطراب في المشارق والمغارب، وأن يرى بالجود طلعة نائر وبالعرمس غرّة آئب، ويصل التّهجير بالسّرى، ويبتّ من قيد الأوطان موثقات العرى؛ وإن كسدت فضيلة من فضائله، أو رثّت وسيلة من وسائله، اكتسب بأخرى من أخواتها، ونفث في عقدها ومتّ بها وقال: أنا ابن بجدتها؛ فإلام وعلام وحتّى متى، أجاور من أنا فيهم أضيع من قمر الشّتا؟ وحالي أظهر من أن يقام عليه دليل، و «إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل»:
وما أنا كالعير المقيم بأهلهعلى القيد في بحبوحة الدّار يرتع
ثم استهول تقحّم الإغوار والإنجاد، واستفتح لقادح زناد الحظّ
الإكداء والإصلاد، وأقول: أخطأ مستعجل أو كاد، فأثوب مثاب من حلب الدّهر أشطره، وأخذ إذا ارتفع عن الدّنيّة من حظّه أيسره، وبنى كما بنى سلفه وقرّر ما قرّره، فأقول: ارفض الدّنيّة ولا تلو عليها، فتكون «أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها» «فالحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها»:
ولسنا بأوّل من فاتهعلى رفقه بعض ما يطلب
وقد يدرك الأمر غير الأريبوقد يصرع الحوّل القلّب!
وتارة يخطر أن لو شكوت حالي إلى أصدقائي من ذوي الجاه، وسألتهم بإلحاقي بهم في الابتغاء من فضل الله، وأحضّهم على انتهاز فرصة الإحسان قبل الفوت، وأضرب لهم: «أعن أخاك ولو بالصّوت» فليس على مثلي ممن يخيفه الدّهر في ذلك من جناح، «وهل ينهض البازيّ بغير جناح»؛ ثم أرى أنهم لو فضل عنهم شيء لجادوا، بل لو زويت الأرض لهم لازدادوا، ولو ملّكوا ظلّ الله لأصبحت لديهم ضاحيا، وما حالي بخاف عليهم وكفى برغائها مناديا، وقبلي بغى عليّ ففاته وأدرك الجدّ السّعيد معاويا؛ وإلى كم أعلّل تعليل الفطيم بالخضاب:
سئمت العيش حين رأيت دهرييكلّفني التّذلّل للرّجال!
وأخرى يسلّي نفسه عن مصابها ومصائبها، ويمنّيها كرّ الأيام بتعاقبها، ويقصّ عليها تقلّب اللّيالي بالأمم الماضية في قوالبها، وأنها ما قدّمت لأحد سعادة إلا عقّبتها بتغيير، وما سقت صفو الأماني بشرا إلا شابت كأسه بتكدير،
وأنّ سبيل كلّ أحد منها سبيل ذي الأعواد، وقصاراي ولو اتخذت الأرض مسكنا وأهلها خولا سبيل ربّ القصر من سنداد، ولو عمّرت عمر نوح كنت كأنّي وآدم وقت الوفاة على ميعاد؛ فإن شئت فارفع عصا التّسيار أوضع؛ فما هو إلّا: «حارب بجدّ أودع».
فبينا أنا أعوم في هذه الخواطر متفكّرا، وأقرع سنّ النّدم على تقضّي عمري في غير مآربي متحسّرا، وأتسلّى بمصارع الأوّلين أخرى معتبرا:
ولو أنجزتني الأيام مواعيد عرقوب، لأفضت بي إلى أحلى من ميراث العمّة الرّقوب، ولقد تقاعس أملي حتى قنعت بحالي «وشرّ ما ألجأك إلى مخّة عرقوب» ثم يخاطبني حجاي بأن تثبّت واصبر، فالليل طويل وأنت مقمر، فستبلغ بك الأسباب، وينتهي بك إلى المقدور الكتاب؛ فلا تعجل «فجري المذكيات غلاب».
فاستروحت إلى فتح باب كان مرتجا، وارتدت باستجلاء محيّا السماء من بعض همّي فرجا، وانتشقت من نسيم السّحر ما وجدت به من ضيق فكري مخرجا، ففتحته عن شبّاك كتخطيط الأوفاق، أو كرقعة شطرنج وضعت بين الرّفاق؛ ألبس من صبغة اللّيل شعارا، واتّخذ لاستجلاء وجه الغزالة نهارا؛ جلد على القيام والكدّ، صبور على الحالين في الحرّ والبرد؛ يحوّل
جثمان المرء عما واراه، ويبيخ إنسان الطّرف رعي حماه؛ يديل من ظلمة اللّيل ضوء النهار، وينمّ بما استودعته من الأسرار؛ يشرف إلى غيضة قد التفّت أشجارها، وتهدّلت ثمارها، ورقصت أغصانها إذ غنّت أطيارها، واطّردت بصافي الزّلال أفهارها، ونمّت بعرف العنبر الشّحريّ أزهارها؛ وقد قامت عرائس النّارنج على أرجلها، تختال في حليها وحللها؛ قد ألبست من أوراقها خلعا خضرا، وحلّيت من ثمارها تبرا، ونظّم قداحها في جيادها لؤلؤا رطبا، ورنّحها نسيم السّحر فمالت عجبا؛ وقد مدّت في أرضها من البنفسج مفارش سندس فروزت بالجداول، كبساط أخضر سلّت أيدي القيون عليه صقيلات المعاول، وقد حدّقت عيون الرّقباء من النّرجس قائمة على ساق، ولعبت بها يد النّسيم فتمايلت كعناق المحبّين عند الفراق؛ فاجتلينت محيّا وسيما تتبلّج أسرّته، ومنظرا جسيما تروق بهجته؛ قد مدّ السّماط بساطا أزرقا، بزهر الكواكب مشرقا، وطرّزه بالشّفق طرازا مذهبا، وأبدى تحته للأصباح مفرقا أشيبا:
ورث قميص اللّيل حتّى كأنّهسليب بأنفاس الصّبا متوشّح
ورقّع منه الذّيل صبح كأنّهوقد لاح شخص أشقر اللّون أجلح
ولاحت بقيّات النّجوم كأنّهاعلى كبد الخضراء نور يفتّح!
وجنح البدر للغروب فتداعت الكواكب تتبعه كوكبا فكوكبا، فكأنه ملك اتّخذ المجرّة عليه مضربا، وتوّج بالثّريا إكليلا، وخنست الكواكب بين يديه توقيرا له وتبجيلا، واصطفّت حوله خدما وجنودا، ونشرت من أشعّتها ألوية وبنودا، وأخذت مقاماتها في مراكزها كجيوش عبّئت للقاء مناجزها، ومسابقها أخذ فرصة النّصر ومناهزها:
ولاح سهيل من بعيد كأنّهشهاب ينحّيه عن الريح قابس!
وانبرى نسيم السّحر عليلا، وجرّ على أعطاف الأزهار ذيلا بليلا، وروى أحاديث الرّياض بلسان نشره، مذيعا لأسرار خزاماه وزهره، وغرّدت خطباء الطّير على منابر الأغصان، واستنبطت من قلوب المحبّين دفائن الأشجان، وحثّ داعي الفلاح، طائفة التّقى والصّلاح، على أن تؤدّي فرضها ونفلها، وترتقي بخضوعها بين يدي مولاها درجات السّعادة التي كانت أحقّ بها وأهلها، وهتف بشير النّجح بمن أحيا ليلته لما تمزّق قميص اللّيل وانفرى: «عند الصّباح يحمد القوم السّرى».
فبينا أنا أتفكّر في أنّ جملة ما عاينته سيصبح زائلا، وعن تلك الصّبغة العجيبة حائلا، وأتدبّر: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
إذ أهدت إليّ الأيام إحدى طرفها وغرائبها، وكبرى أوابدها وعجائبها، فطرق سمعي من الشّبّاك نبأة، وتلتها وجبة تتبعها وثبة، فاستعذت من كيد الشّيطان المريد، وقلت: أسعد أم سعيد؛ وإذا بنمس قد فارق وجاره إلى وجاري، واختارني على الصّحراء جارا فارتضيته لجواري، فولج مستأنسا، ومرح بين يديّ آنسا، وأراني أحد كتفيه في الاسترسال ليّنا والآخر بالتّمنّع شامسا، فمدّ له الحرص على جوره حبائل مكره وشباكه، ويد الغبش تحول دون قنصه وإمساكه، وبقايا الظّلام تقضي بتمنّعه، وتصدّ عن جعله من الوثاق في موضعه، وأنا ملازمه ملازمة المعسر لربّ الدّين، حتى يتبيّن الصّبح لذي عينين.
فلما خشيت على صلاتي الفوت عدلت إلى تأدية فرضها، وتوجيهها بين يدي موجبها وعرضها؛ فلما انفتلت من مصلّاي، وانصرفت عن مناجاة مولاي، برقت لي بارقة، خيّل إليّ أنها صاعقة، فقلت: أذرّ قرن الغزالة؟ وإلا فلات حين
ذبالة؛ فقيل: إنّ الغلام نظر إليه شزرا، وهزّ له المهنّد فشقّ له من الظّلماء فجرا، وأبدى له وجها مكفهرّا، ورام أن يمطيه من المنيّة مركبا وعرا، كأنّه قد لاقى أسدا هزبرا، وأترع له كأس الحمام بالوافي، ورماه بثالثة الأثافي، فعطفت عليه باللّائمة منكرا لجهله، وهتفت به زاجرا عن قبح فعله، ثم عذرته: «ومن لك بأخيك كلّه»؛ وقلت له: ماذا تراك تصنع لو لاقيت أسدا أغلبا؟، لقد خلت أنّك ترتدّ- وإن كنت وليدا- أشيبا؛ أمن هذا بادرت إلى السّيف مخترطا؟، «إنّك لأجبن من المنزوف ضرطا» لقد أظهرت من الفشل ما جاوز قدر الحدّ، ووضعت المزاح في محلّ الجدّ وقابلت الأسهل بالأشدّ؛ فسحقا لك وبعدا، لقد قدح مرجّيك بعدها زنادا صلدا، واستنبع الماء جلمدا جلدا.
فصوّب طرفه فيّ وهتف مناديا، وأظهر وفاء أزرى بالسّموءل بن عاديا: أنج هربا ولا إخالك ناجيا؛ إنّي رميت من الخطوب بأصعبها، ولا ينبّئك بالحروب كمجرّبها، والغاصّ باللّقمة أخبر بها؛ فلقد أوطأني ما لا أستقيل منه العثرة، وما لاقيت في حرب كهذه المرّة، والعوان لا تعلّم الخمرة لقد صرّح لي بالشّرّ ولم يجمجم، وكشر عن أنيابه غير متبسّم، و «حسبك من شرّ سماعه» و «است البائن أعلم»، تالله إنّه لأجرأ من خاصي الأسد، ولئن سبرته لتعلمنّ ما بين الذّئب والتّقد؛ ولقد رضيت نفسي من الغنيمة أن تؤوب بذمائها، لما تشبّث بخنصري فخضبها بدمائها،
فقلت: «أجفل عن جنابك الخير وأجلى» «أضرطا وأنت الأعلى» ؟، ثم تضاحكت إليه لمّا شاهدت استعباره، وأويت له إذ رأيت استكثاره الخطب واستكباره، وقلت: من ضاف الأسد قراه أظفاره، ومن حرك الدّهر أراه اقتداره؛ وعدلت إلى الذّلول الشّامس، المستأسد المستأنس، ومددت يدي إليه فانقاد لها طائعا، وخضع لإجابة دعوتي سامعا.
فلمّا حازه في القبضة الإسار، وبطل الإقلال من ذلك اللّفظ والإكثار- وقد كان أعزّ من الأبلق العقوق، وأبعد من بيض الأنوق- استجليت صورته متأمّلا، إذ لم يبق له سوى قبضتي موئلا، فرأيت هامة فحمة، وجثّة ضخمة، وشدقا أهرتا رحبا، ذا مرّة على اختلاف الحوادث صعبا، وأنيابا محدّدة عصلا كالنّصال، وطرفا مخالسا غير غرّ بالمكر والختال، كأنّه شهاب يتوقّد، أو شعلة نار لم تخمد، وسامعتين تتوجّسان ما دار في الأوهام، وتدركان ما يناجي به المرء نفسه ولو في الأحلام؛ قد نيطت بعنق صغرت هامته بالنسبة إليه، إن استدبرته قلت: هو مشرف عليها أو استقبلته قلت: هي مشرفة عليه، يشتمل على نحر خصيب، وصدر رحيب، فيه نزعتا بياض كهلالين قرنا في نسق، أو نجمي ذؤابة ظهرا في غسق، تسرّ نفس الناظر إليها، ويعقد خنصر الاختيار في حسن الشّيات عليها، اتّصل ذلك بمنكب عتيد، وساعد شديد، وبرثن شثن ومخلب حديد:
ذوات أشاف ركّبت في أكفّهانوافذ في صمّ الصّخور نواشب
معقّفة التّرهيف عوج كأنّهاتعقرب أصداغ الحسان الكواعب
قد جاور جؤجؤا نهدا، وقابل كاهلا ممتدّا؛ يكاد خصره ينعقد
اضطمارا، وهمّته تتسعّر نارا؛ برجلين تسبق في الحضر يديه، وتقدّ بأظفارها أذنيه، وذنب كالرّداء المسبل يجرّه اختيالا ومرحا، ويتيه عجبا وفرحا، إن انساب قلت: انساب أفعوان، أو صال قلت: أسد خفّان، أو وثب سبق الوهم في انحطاطه، أو طلب أدرك البرق من نشاطه، أو طلب فات الطّرف في انخراطه؛ أنعم مسّا من أرنب، وأزهى من ثعلب، قد كساه الظّلام خلعته، وقبّل الصّباح طلعته؛ حاز من القندس صقاله وبهجته، ومن الفنك لينه ونعمته؛ ألبس رداء الشّباب، ونزّه عن تزوير الخضاب؛ إن اختلس فما تأبّط شرّا، أو خاتل أزرى بالشّنفرى مكرا؛ أحدّ نفسا من عمرو بن معدي، لا يصلد قادح زناد بطشه ولا يكدي؛ أنزق من أبي عبّاد، وأصول من عنترة بن شدّاد؛ أفتك من الحارث بن ظالم، وأنهر فصدا للدّم من حاتم، لا يلين ولا يشكو إلى ذي تصميت، «كأنّه كوكب في إثر عفريت»؛ يكاد عند المخاتلة في انسيابه، يفوت الخاطر أو يخرج من إهابه، إن قارن طيرا أباحه منسرا كمنسر الأسد، أغلب فيه شغا كأنّه عقد ثمانين في العدد، فينشده: ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي، فلا يحسّ له بعين ولا أثر سجيس اللّيالي؛ فكأنّ قلوبها رطبا ويابسا لدى وكره العنّاب والحشف البالي؛ اعتاد قنص السانح والبارح، فما فات ورد المنيّة منه غاد ولا رائح؛ طويل القرا مدمج
الأعظم، له مخاتلة سرحان وهجمة ضيغم؛ أحنّ من نقبة، «وأظلم من حيّة»، أطيش من فراشة، وأسبق إلى الغايات من عكّاشة؛ أخطف من عقاب، وأشجع من ساكن غاب، أسرق من جرذ وأنوم من فهد، وألين من عهن وأخشن من قدّ؛ بأسه قضاء على الطّير منزل، وبطشه ملك بآجالها مرسل.
فلمّا تأملت خلقه، وسبرت بتجربة الفراسة خلقه، عجّلت له جريرا مستحصد المرّة لوثاقه، وأحكمت شدّه في محلّ خناقه، وقلت له: إنّي مجرّبك سحابة هذا النهار، «ومن سلك الجدد أمن من العثار»، فعل ذي خبرة بمكره، وعلى ثقة من غدره؛ فإنّ اللّئيم ذو صولة بعد الخضوع، وفضح التّطبّع شيمة المطبوع؛ وكيف الثّقة به وإن استقرّ ولم ينبس؟ وأنّى الطّمأنينة إليه وهو الأزرق المتلمّس؟.
ثم انصرفت إلى البلد لبعض شاني، والاجتماع بأخلّائي وأخداني، واستغرقت أديم النهار فيما توجّهت له، وقطعت عمر يوم ما كان أطوله! فلما قضيت نهمتي، من نجعتي، وحانت مع وجوب الشّمس رجعتي، ألفيته عمد إلى الوثاق فقرضه، ووفّاه بالكيل الوافي ما اقترضه، وصال على شيخة نستسعد بدعائها، ونفزع إن دهمنا همّ قبل نداء أولي البطش إلى ندائها؛ ذات خلق عظيم، ومنطق رخيم، وقلب رحيم، ووجه ذي نضرة ونعيم؛ إن قامت أحيت اللّيل بالسّهر، أو قرأت رأيتنا حولها زمرا بعد زمر؛ إن حادثتها نطقت بالسّحر محلّلا، أو تاركتها رأت الصّمت على كثير من النّطق مفضّلا؛ تسرّ نفسك في حالة الصّخب، وتريك وجه الرّضا في صورة الغضب؛ فمدّ إليها يد العدوان، وأطاع بأذاها أمر الشّيطان، ولم يرقب فيها
إلّا ولا ذمّة، وحملها فحمّلنا من أذاها غمّة، ومزّق قشيب أثوابها، وحكّم مخالبه الحديدة في إهابها، فعظم مصاب من حوت داري بمصابها.
فلما وصلت رأيتها باكية ذات قلب مريض، وجناح مهيض، فسلّيتها بأنّ المصائب تلقّاها الأبرار، وترفّقت بها إلى أن رقأت تلك الأدمع الغزار، وأوردت: «إنّ جرح العجماء جبار»؛ وقلت: إيها لك وآها، لقد ارتكبت خطّة ما أليقها بعذرك وأولاها!!، «فلقد أنصف القارة من راماها» ثم آليت أليّة برّة، لأوطئنّه من الوثاق جمرة، ولأقتصّنّ بهذه المرّة تلك المرّة؛ وأتيته بسلسلة تنبو أنيابه عن عجمها، ولا تثبت شياطين مكره برجمها؛ قد أبدع قينها الصّنعة بإحكامها، وأتى بالعجب في نظامها، فلله هو ممن تحكّم فيما يقطع الجلمد، فجعله من اللّطافة يحلّ ويعقد؛ فاستودعت عنقه منها أمينا لا يخفر وثيق ذمّته، ولا تتطرّق الأوهام إلى تهمته، مستحكم القوّة في الشّد، فتغيّظ تغيّظ الأسير على القدّ، ونظر إليّ بطرف حديد، وتذلّل بعد بأس شديد، وبصبص بذنبه فقلت: «أمكرا وأنت في الحديد». فلمّا أيس من الخلاص، تلوت: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
فلما تمّ ما ذكرته، وأبدأته وأعدته، وردت رقعة سيّدنا على عقابيل هذه الوقعة التي وقعت، وصدّت عن الجواب ومنعت، واقتضى بي الحال كتب هذه الخرافة وإن تشبّثت بأذيال الجدّ، فأخرجتها مخرج الهزؤ وإن دلّت على حوز قصبات المجد، ليعلم أن في الزّوايا خبايا، وإذا صحّ أنّ الأصول عليها تنبت الشّجر «فأنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا».
هذا: وإن أبقى قراع الخطوب في حدّي فلولا، «فالفحل يحمي شوله معقولا»؛ ولقد تجمّعت الخطوب عليّ من كلّ وجهة وأوب، وطرقت الرّزايا جنابي من كلّ صوب، وجريت مع الخطوب كفرسي الرّهان، وما هممت بمقصد إلا سقط بي العشاء على سرحان؛ وبكل حبل يختنق الشّقيّ، ولعمرك ما يدري امرؤ كيف يتّقي؛ والجلد يرى عواقب الأمور فيحمد عند النّجاح عقبى السّير وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ
تجوز المصيبات الفتى وهو عاجزويلعب صرف الدّهر بالحازم الجلد
فسطّرت هذه الأحرف إلى سيّدنا ليوافق خبري عند أصحابه خبره، و «من يشتري سيفي وهذا أثره» واعلم أنها سيضرب بها في بابها المثل، وقد «أوردها سعد وسعد مشتمل».
وهذه رسالة في الشّكر على نزول الغيث، من إنشاء أبي عبد الله
محمد بن أبي الخصال الغافقي الأندلسيّ، نقلتها من خطّ الشيخ شمس الدّين محمد بن محمد بن محمد بن سيّد الناس اليعمريّ المصريّ وهي:
الحمد لله الذي لا يكشف السّوء سواه، ولا يدعو المضطرّ إلا إيّاه.
ننزل فقرنا بغناه، ونعوذ من سخطه برضاه، ونستغفره من ذنوبنا: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إلها علا فاقتدر، وأورد عباده وأصدر، وبسط الرّزق وقدر، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي بشّر وأنذر، ورغّب وحذّر، وغلّب البشرى على الإقناط، ودلّ على الصّراط، وأشار إلى السّاعة بالأشراط، ولم يأل أمّته في الذّبّ والاحتياط، صلّى الله عليه وعلى الوزراء الخلفا، والبررة الأتقيا، والأشدّاء الرّحما، والأصحاب الزّعما، صلاة تملأ ما بين الأرض والسّما، وتوافيهم في كلّ الأوقات والآنا، وتضع الثّناء موضع الثّنا.
ولما لقحت حرب الجدب عن حيال، وأشفق ربّ الصّريحة والعيال، وتنادى الجيران للتّفرّق والزّيال، وتناوحت في الهبوب ريحها الجنوب والشّمال، وتراوحت على القلوب راحتا اليمين والشّمال، وأحضرت
أنفس الأغنياء الشّح، وودّوا أن لا تنشأ مزنة ولا تسحّ، وتوهّم خازن البرّ، أنّ صاعه يعدل صاع الدّرّ، وخفّت الأزواد، وماجت الأرض والتقت الرّواد، وانتزعت العازب القصيّ، فألقت العصيّ، وصدرت بحسراتها، وقد أسلمت حزراتها، وأصبحت كلّ قنّة فدعاء، وهضبة درعاء، (صفاه وها ونقبا وها)؛ والصّبح في كل أفق قطر أو قطع، والأرض كلّها سيف ونطع، والشّعر يشمر ذيله للنّفاق، ويضمّر خيله للسّباق؛ وجاء الجدّ وراح الهزل، وقلنا: هذه الشّدّة هذا الأزل؛ وللمرجفين في المدينة عجاجة ظنّوها لا تلبد، وقسيّ نحو الغيوب تعطف وتلبّد؛ فما يسقط السّائل منهم إلا على ناب يحرق، وشهاب يبرق؛ حتّى إذا عقدوا الأيمان، وأخذوا بزعمهم الأمان، وقالوا: لا يطمع في الغيث، وزحل في اللّيث، فإذا فارق الأسد، لكدّ ما أفسد:
تخرّصا وأحاديثا ملفّقةليست بنبع إذا عدّت ولا غرب!
أنشأ الله العنان، وقال له: كن فكان؛ فبينما النّجوم دراريّها الأعلام، وأغفالها التي لا تحمد عندهم ولا تلام؛ قد اختلط مرعاها بالهمل، ولم تدر السدّة بالحمل؛ ولا علم الجدي بالرّئبال، ولا أحسّ الثّور بالرّامي ذي الشّمال؛ إذ غشيتها ظلل الغمام، وحجبتها أستار كأجنحة الحمام، وأخذت عليها في الطّروق، مصادر الغروب والشّروق؛ فما منها إلا مقنّع بنصيف، أو مزمّل في نجاد خصيف؛ لم تترك له عين تطرف، ولا ثقبة يطلع منها أو يشرف؛ فباتت بين دور متداركة السّقوط، ودرر متناثرة السّموط، وديم منحلّة الخيوط، وجيوش منصورة الأعلام، ثابتة الأقدام، وكتائب
صادقة الهجوم، صائبة الرّجوم، تطلب المحل ما بين التّخوم والنّجوم، وما زالت ترميه بأحجاره، وتحترشه في أجحاره، وتغزوه في عقر داره، حتّى عفّت على آثاره، وأخذت للحزن والسّهل بثاره.
فيا أيّها المؤمن بالكواكب، انظر إلى الدّيم السّواكب، واسبح في لجج سيولها، وارتح في ممرّ ذيولها، وسبّح باسم ربّك العظيم الذي قذف بالحقّ على الباطل، وأعاد الحلي إلى العاطل؛ فبرود الظواهر مخضرّة، وثغور الأزاهر مفترّة، ومسرّات النّفوس منتشرة، والدّنيا ضاحكة مستبشرة، وأرواح الأدواح حاملة، وأعطاف الأغصان مائلة، وأوراق الأوراق تفصّل، وأجنحة الظّلال تراش وتوصل، وخطباء الطّير تروي وتخبر، وشيوخ المحارب تهلّل وتكبّر، وإن من شيء إلا يخضع لجبروته، ويشهد لملكوته، وتلوح الحكمة ما بين منطقه وسكوته.
فأما الخطاطيف فقد سبق هاديها، ونطق شاديها، وتراجع شكرا لله ناديها؛ فعشّ يرمّ، ولبنة إلى أخرى تزمّ، وشعث يلمّ، وبدأة توفّى وتتم؛ وكأنّها حنّت نحو المشاهد، وسابقت اللّقالق إلى المعاهد، فظلّت اللّقالق بعدها نزّاعا، وسقطت على آطامها أوزاعا، وأجدّت إقطاعا، وأجابت من الخصب أمرا مطاعا، وحازت من الحدائق والبساتين إقطاعا؛ وسيغرّد في روضته المكّاء، ويضحكه هذا الوابل البكّاء، وترومه فلا تلحظه ذكاء؛ تحته من الأفنان النّاعمة قلاص، وأحصنته من الخضراء التّبّعيّة دلاص؛ فالويل لأهل الأقوال المنكرات، والنّيل لأهل الثّناء والخيرات، والمرعى والسّعدان، وأرض بكواكب النّور تزدان، وبقاع تدين الغيث كما تدان؛ أذكرها فذكرت، وسكرت من أخلاقه فشكرت، وعرّفها ما أنكرت؛ كأنّما
أعداؤها من أم خارجة نسب أو ملح، قالت لها: خطب فقال: نكح، فمثلت الأزهار بسبيله، ونبتت في مسيله، وثبتت كاللّحظة في شطّي خميله.
فمن نرجس ترنو الرّواني بأحداقه، وتستعير الشّمس بهجة إشراقه، ويودّ المسك نفحة انتشاقه، يحسد السّندس خضرة ساقه، ويتمنّاه الحمام بدلا من أطواقه؛ كحلّة ندى تترقرق، أو غصن بان لا يزال يورق.
ومن عرار تغنّى مطالعه على عرار، وكلفت به السّواري والغوادي كلف عمرو بعرار؛ فجاء كسوالف الغيد ترفّ، وكوميض الثّغور يعبق ويشفّ.
ومن أقحوان جرى على الثّنايا الغرّ، وسبك من ناصع الدّرّ؛ يقبّله النّسيم فيعبق، ويصبح الجوّ بما [ ...] ويغبق، ويستقبله ناظرا الشمس فيشرق.
ومن بنفسج كأطواق الورق، أو كاليواقيت الزّرق، تشرّف بأبدع الخلق، وتألّف من الغسق والخلق؛ تلحظه من بين أوراقه نواظر دعج بالأجفان وقيت، وبدموع الكحل سقيت؛ نسيمه ألين من الحرير، ونفسه أعطر من العبير؛ يفاخر به كانون البرد، مفاخرة نيسان بالورد.
وكلّ ربوة قد أخذت زخرفها وازّيّنت، وبيّنت من آيات الله ما بيّنت، كما تتوّج في إيوانه كسرى، واستقبلته وفوده تترى، وانقلبت عن حسن ناديه النّواظر حسرى، وكلّ تلعة مذانب نصولها تسلّ ومضارب فصولها لا تثنى؛ وأراقم تنساب، ولجين يدأب ويذاب؛ على حافاتها نجوم من النّور مشتبكة، وجيوب عن لبّات الغواني منتهكة؛ فلو افتتحت الظّهور والبطون،
ونطقت السّهول والحزون، لقالت: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ
فشكرا لربّنا شكرا، وسحقا للذين بدّلوا نعمة الله كفرا؛ اللهمّ باريء النّسم، وداريء القسم، وناشر الرّحمة والنّعم، ومنزل الدّيم، وباعث الرّمم، ومحيي الأمم؛ فإنّا نؤمن بقدرك: خيره وشرّه، ونطوي غيثك على غرّه، ولا نتعرّض لنشره حتّى تأذن بنشره، ونعتقد ربوبيّتك كلّ الاعتقاد، ونبرأ إليك من أهل المروق والإلحاد، ونستزيدك من مصالح العباد ومنافع البلاد؛ رزقنا لديك، ونواصينا بيديك، وتوكّلنا عليك، وتوجّهنا إليك؛ ولا نشرك بك في غيبك أحدا، ولا يجد عبد من دونك ملتحدا؛ تباركت وتعاليت، وأمتّ الحيّ وأحييت الميت؛ لا هادي لمن أضللت ولا مضلّ لمن هديت، فاكفنا فيمن كفيت، وتولّنا فيمن تولّيت، إنّك تقضي ولا يقضى عليك، وتقرأ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
الآية.
وهذه نسخة رسالة، كتب بها الصاحب فخر الدّين عبد الرّحمن بن مكانس، تغمّده الله برحمته، إلى الشّيخ بدر الدين البشتكي عندما زاد النّيل الزيادة المفرطة، سنة أربع وثمانين وسبعمائة؛ وهي:
ربّنا اجعلنا في هذا الطّوفان من الآمنين، وسلام على نوح في العالمين.
ما تأخير مولانا بحر العلم وشيخه عن رؤية هذا الما؟، وما قعاده عن زرقة هذا النّيل الذي جعل الناس فيه بالتّوبة كالملائكة لمّا غدا هو أيضا كالسّما؟، وكيف لم ير هذا الطّوفان الذي استحال للزّيادة فما أشبه زيادته بالظّما؛ فهي كزيادة الأصابع الدّالّة في الكفّ على نقصه، وأولى أن ننشد بيت المثل بنصّه:
طفح السّرور عليّ حتّى إنّهمن عظم ما قد سرّني أبكاني!
فإنه قارب أن يمتزج بنهر المجرّة بل وصل وامتزج؛ وأرانا من عجائبه ما حقّق أنه المعنيّ [بقول القائل]: «حدّث عن البحر ولا حرج»؛ وتجاوز في عشر الثّلاثين الحدّ، وأرانا بالمعاينة في كلّ ساحل منه ما سمعناه عن الجزر والمدّ، وأساء في دفعه فلم يدفع بالتي هي أحسن، وأقعد الماشي عن التّسبّب والحركة حتّى شكا إلى الله في الحالين جور الزمن، وسقى الناس من ماء حياته المعهودة كما شربوا من الموت أصعب كاس، وسئل ابن أبي الرّدّاد عن قياس الزيادة فقال: زاد بلا قياس؛ امتلأ اليباب، وهال العباب، وضاع العدّ واختلط الحساب؛ كال فطفّف، وزار فما خفّف؛ غسل الجسور، وأعاد الإملاق بعزمه إلى البحور، وبرع فكان أولى بقول الحلّي من ابن منصور:
بمكارم تذر السّباسب أبحراوعزائم تذر البحار سباسبا!
جمع في صعوده إلى الجبال بين الحادي والملّاح، ودخل النّاس إلى أسواق مصر وخصوصا سوق الرّقيق على كلّ جارية ذات ألواح، وغدا التّيّار ينساب في كلّ يمّ كالأيم، وأصحبت هضاب الموج في سماء البحر وكأنّما هي قطع الغيم، واستحالت الأفلاك فكلّ برج مائيّ، وتغيّرت الألوان فكلّ ما في الأرض سمائيّ، وحكى ماؤه حكاكة الصّندل لمّا مسّه شيطان الرّيح فتخبّط، وزاد فاستحال نفعه فتحقّق ما ينسب إلى الصّندل من الاستحالة إذا أفرط؛ فلقد حكت أمواجه ودوائره الأعكان والسّرر، وغدا كلّ حيّ ميّتا من زيادته لا كما قال المعرّي: حيّا من بني مطر؛ وتحالى إلى أن أقرف اللّيمون الأخضر، واحمرّت عينه على الناس فأذاقهم الموت الأحمر؛ ولقد صعب سلوكه وكيف لا؟ وهو البحر المديد، وأصبح كلّ جدول منه جعفرا ويزيد:
فلست أرى إلا إفاضة شاخصإليه بعين أو مشيرا بأصبع!
فلكم قال الهرم للسّارين يا سارية الجبل، وأنشد وقد شمّر ساقه للخوض: أنا الغريق فما خوفي من البلل؟ وكم قال أبو الهول: لا هول إلا هول هذا البحر، وقال المسافرون: ما رأينا مثل هذا النّيل من هنا إلى ماوراء النّهر، وقال المؤرّخون: لم ننقل كهذه الزيادة من عهد النّهروان وإلى هذا الدّهر.
وكيف يسوغ لمولانا في هذه الأيام غير ارتشاف فم الخمور؟ ولم لا يغيّر مذهبه ويطيّب على هذه الخلج بالسّلسل والدّور؟؛ وكيف وكيف؟!!،
ولم لا يتّخذ مولانا حمو النّيل وبرده رحلة الشّتاء والصّيف؟؛ وهو في المبادرة إلى علوّ المعالي وغلوّ المعاني، وانتهاز الفرص في بلاغ الآمال وبلوغ الأماني:
عجب من عجائب البرّ والبحرونوع فرد وشكل غريب!
نعم:
من قاسكم بسواكمقاس البحار إلى الثّماد!
أعلى الأنام في العلوم قدرا، وإمام النّحاة من عهد سيبويه وهلمّ جرّا، وشيخ العروضيين على الحقيقة برّا وبحرا:
وشيخ سيحون والنّيلوالفرات ودجله
وشيخ جيحون أيضاوشيخ نهر الأبلّه!
أي والله:
أقولها لو بلغت ما عسى:الطّبل لا يضرب تحت الكسا!
لا مخبأ لعطر بعد عروس، أنت أعوم في بحور الشّعر من ابن قادوس، وأصلح إذا حدّثت من صالح بن عبد القدّوس، وأشهى إذا هزلت من ابن حجّاج إلى النّفوس:
ولو أنّ بحر النّيل جاراك مازحاوحقّك ما استحلى له الناس زائدا!
نعود إلى ما كنّا فيه من وصف النيل، وذكر حاله الذي أصبح كما قال ابن عبد الظّاهر: كوجه جميل: فلو رآه مولانا وقد هجم على مصر فجاس خلال الدّيار، ودخل إلى المعشوق فتركه كالعاشق المهجور لم ير منه غير
الآثار، لبكى بعيني «عروة»، وأوى من الرّصد وقد تفجّرت من صلده عيون النّزّ إلى ربوة، أورنا لروض «الجزيرة» وقد خلع حلاه، وتخلخلت عرائس أشجاره على الحالين بالمياه، والنّخيل وقد قتلت ملّاكها- حين فتك- بالأسف، وجفّ أحمر ثمرها وأصفره قأرانا العنّاب والحشف، و «الجيزة» وقد قلت لها: تبّا لجارك النّيل إذ أفسدك صورة ومعنى، وسكن مغانيك فسقى ديارك بغير استثنا، وقراها الغربيّة وقد قلت لها حين أوت إلى أعالي الأرض هربا من المياه، واعتصمت بالجبل الغربيّ: لا عاصم اليوم من أمر الله- وكلّ سفينة وقد علت على وجه الماء، وارتقت لارتقاء البحر إلى أن اختلطت بالسّماء؛ وقد قالت لها أترابها عند الفراق: إلّا ترجعي، وقلنا لها نحن على سبيل التّفاؤل: يا سماء أقلعي؛ والنّيل تبدو عليه القلوع خافية فكأنّها الخيام بذي طلوح، وجار على الناس بطغيانه فكأنّما هو أخو فرعون مصر أو ابن طوفان نوح.
فلقد طار النّسر مبلول الجناح، ودنا نهر المجرّة من السّكارى بالشّخاتيت إلى أن كاد يدفعه من قام بالرّاح، ونرجس البساتين وقد ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، وفارق أحبابه من الرّياحين ولم يبق له غير القلانس صديق وغير الماء حميم، والورد وقد قيل له: مالك من آس، وغصن البان وقد قيل له: طوبى لمن عانقك ولا باس، والأسماك وقد ألجمهم العرق، والقلقاس وقد شكا شكوى ابن قلاقس وابنه من الغرق،
والقصب بالجيزة وقد شرب ماء النّزّ فهو بئس الشّراب، والقصب ببولاق لم ينجه من مشاهدة الغرق إلا كونه غاب، والفارسيّ بالبساتين وقد ترجّل ووقع فأرانا كيف تكسير الأقصاب؛ وقيل للآس: عالج جيرانك بالغيطان فالنّاس بالنّاس، وبادر إلى جبر ما كسر فالحاجة تدعو المكسور في الحالين إلى الآس.
هذا وأنا مقيم بالروضة إذ زهت على سائر الرّياض، وسلّم جوهر حصبائها من أكثر هذه الأعراض؛ وإن اعتلّت بالاستسقاء فهو عين الصّحّة كما ينسب السّقم إلى العيون المراض، أو كما قال المملوك قديما من قصيدة في بعض الأغراض:
وقائل: في لحاظ الغيد باقيةمن السّقام وما ضمّت خصورهم
وفي النّسيم فقلت: الأمر مشتبهعليك فالزم فأنت الحاذق الفهم
قلت الصّحيح ولكنّي بموجبهأقول: تلك دواة برؤها السّقم!
قد أحاط بها النّيل إحاطة المراشف باللّما، فأشرقت ضياء بين زرقته فكأنّها البدر في كبد السّما:
بصحن خدّ لم يغض ماؤهولم تخضه أعين النّاس!
متعطّش مع هذا الطّوفان لريّاك، متشوّف وإن كنت مغازل النّجوم الأرضية والسّمائيّة يا بدر لرؤياك؛ لكنّي يسليني أني ما نظرت إلى النّيل إلا
رأيتك من سائر الجهات، ولا لمحت بيوت البحر بل البحور إلا رأيتك عمارة الأبيات:
ولا هممت بشرب الماء من عطشإلا رأيت خيالا منك في الماء!
ولكن للعيان لطيف معنىله طلب المشاهدة الكليم!
فهلمّ إلى التّمتّع برؤية هذا النّيل الذي لم تر مثله العيون، والنّظر إلى سائر المخلوقات لعمومه وكلّ في فلك يسبحون؛ فليس يطيب للتّلميذ رؤية هذا البحر بغير رؤية شيخه، ولا يلذّ له التّملّي بمشاهدة هذا الفلك ما لم يشرق وجهه وذهنه ببدره ومرّيخه؛ فما هذا الإهمال؟، وليت شعري يا أديب تشاغلك بأيّ الأعمال؟، أبالكتابة؟ فلتكن في هذا النّيل الذي هو كالطّلحيّة بغير مثال، أو بالنّثر والنّظم؟ ففي هذا البحر الذي منه تؤخذ الدّرر وفيه تضرب الأمثال؛ ولقد ولّد فيه الفكر للمملوك، كيف تصادم الأكفاء وقهر الملوك للملوك؛ فإنه لم يسمع في مملكة الإسلام، ولا ورّخ في عام من الأعوام، بمثل هذه الزيادة الزائدة، والجري على خرق العادة التي لا جعل الله بها صلة ولا منها عائدة؛ وغاية ما وصل إليه في الماضي من عشرين:
فضيّق بسعته المسالك، وأوجب المهالك، وتطرّق تطرّق أهل الجرائم والفساد فقطع الطّريق على السّالك، وأحوج مرّات إلى الاستضحاء لا أحوج الله لذلك.
ودليل ما شمل به من الفساد، وما عامل به البلاد وأهل البلاد، ما قاله أدباء كلّ عصر، عندما أبيح للمسافر في مدّ عرضه القصر.
فمن ذلك ما قاله مولانا القاضي الفاضل، وما هو ﵀ إلا بحر طفح درّه، فلله درّه، من رسالة:
«ورود مثاله يتضمّن نبأ سطوره العظيمة أمر طوفان النّيل التي كأنّها جداوله، وأنّه جاد لمؤمّله بنفسه التي ليس في يده غيرها فليتّق الله سائله ...
».
ومنها: «ولم يزل يجري لمستقرّ له، ويضمّه شيئا فشيئا إلى أن أدرك آخره أوّله؛ حتى إذا تكامل سموّ أمواجه حالا على حال، وتنوّر أقاصي الأرض من بنية المقياس فأدناها النّظر العال، فلم يترك بقعة كانت من قبل فارغة إلا وكلّها عند نظره ماق، وليت هواه المعتلّ كان عدلا فحمّل كلّ غدير ما أطاق؛ وطالما جرى بالصّفا ولكن كدّر صفاه بهذا المسعى، والمرجوّ من الله أن يتلو ما أفسده هذا الماء ما يصلحه خروج المرعى».
وما قاله القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر، سقى الله تلك الألفاظ النّيليّة صوب الماطر:
«.. وينهي إليه أمر النّيل الذي سرّ في أوائله الأنفس بأنفس بشرى، ويقصّ عليه نبأه العظيم الذي ما يرينا من آية إلا هي أكبر من الأخرى، ويصف له ما ساقه إلى الأرض من كلّ طليعة إذا تنفّس اللّيل تفرّق صبحها وتفرّى؛ فهو وإن كان خصّ الله البلاد المصرية بوفوره ووفائه، وأغنى به قطرها عن القطر فلم يحتج إلى مدّ كافه وفائه، ونزّهه عن منّة الغمام الذي هو إن جاد فلا بدّ من شهقة رعده ودفعة بكائه، فقد وطيء بلادها بعسكره العجّاج، وزاحم ساحتها بأفواج الأمواج، فعمل فيها بذراعه، ودار عليها بخناقه وتخلّلها بنزاعه، وحملها على سواري الصّواري تحت قلوعه وما هي إلا عمد قلاعه، وزار زرابيّ الدّور المبثوثة، وجاس خلال الحنايا كأنّ له فيها خبايا موروثة، ومرق كالسّهم من قناطره المنكوسة، وعلا زبد حركته ولولاه ظهرت في باطنه من الأقمار والنّجوم أشعّتها المعكوسة، وحمل على بركة الفيل حمل الأسود على الأبطال، وجعل «المجنونة» من تيّاره
المنحدر في السّلاسل والأغلال؛ والمرجوّ من الله أن يزيل أذاه، ويعيد علينا منه ما عهدناه؛ فأنّ له الإياب الأكبر، وفيه العجائب والعبر؛ فها وجود الوفاء، عند عدم الصفاء، وبلوغ الهرم، إذا احتدم واضطّرم؛ وأمن كلّ فريق، إذا قطع الطّريق، وفرح قطّان الأوطان، إذا كسر وهو كما يقال:
سلطان؛ إلى غير ذلك من خصائصه، وبراءته مع الزيادة من نقائصه؛ طالما فتح أبواب الرّحمة بتعليقه، وفاز كلّ أحد عند رؤية مائه المعصفر بتحليقه».
وما قاله المولى زين الدّين عمر الصّفديّ- تغمّده الله بعفوه- وجمع له بين حلاوة الكوثر وصفوه:
«وأما النّيل فقد أخذ الدّار والسّكّان، وقال ابن الخامل كما قال ابن النّبيه: الأمان الأمان، وبكى الناس عندما رأوه مقبلا عليهم بالطّوفان، وانسابت أراقم غدرانه في الإقليم فابتلعت غدران أراقمه، ومحاسيله المتدفّق معالمه المجهولة فاستعمل الأقلام في إثبات معالمه، وأحاط بالقرى كالمحاصر فضرب بينها وبين السماء بسور، وأخذ الطريق على السّالكين فلا مركب إلا المراكب ولا عاصم إلا البحور».
وما قاله السديد «ابن كاتب المرج»، نصرة الأقباط، وأحد عمد
الشّعر المشهورة بالفسطاط؛ فما أطيب مدائحه النّبويّة التي جعلها سورا بينه وبين النار، وما أعجب رثاءه: جعل الله قبره بالرحمة كالرّوض غبّ القطار!!!:
يا نيل يا ملك الأنهار قد شربتمنك البرايا شرابا طيّبا وعذا
وقد دخلت القرى تبغي منافعهافعمّها بعد فرط النّفع منك أذى
فقال: يذكر عنّي أنّني ملكوتعتدي ناسيا: إنّ الملوك إذا !
وما قاله شيخنا الشّيخ جمال الدين بن نباتة الذي أطاعته من الآداب جوانح نظمها ونثرها، وسخّرت له بحور الشّعر فقالت له الآداب:
اختر من درّها؛ فسبحان من يسّر له ممتنع الكلام وهوّنه، وجعله من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه؛ فما أشفّ دقيق فكره الجليل، وما أكثر ما يضحك زهر تقاطيعه على زهر مقطّعات النّيل؛ فما كان إلا مخصوصا في الأدب ببحور الهبات، وكلامه في العذوبة والبلاغة يزري بالفرات وابن الفرات؛ وإن قيل أيّ أصدق كلمة قالها شاعر بعد لبيد، يقال قول ابن نباتة:
فلا عجب للفظي حين يحلوفهذا الفطر من ذاك النّبات!
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع