تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الصّنف الخامس (٢)

وأما النّيل فقد استوى على الأرض فثبتت فيها قدمه، وامتدّ نصل تيّاره كالسّيف الصّقيل فقتل الإقليم وهذا الاحمرار إنّما هو دمه:

حمرتها من دماء ما قتلتوالدّم في النّصل شاهد عجب!
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «لا تنكروا حمرة الأظافر من»

فلم يترك وعدا بل وعيدا إلا وفّاه، ولا وهدا بل جبلا إلا أخفاه؛ أقبل كالأسد الهصور إذا احتدّ واضطّرم، وجاء من سنّ الجنادل فتحدّر وعلا حتى بلغ أقصى الهرم، وعامل البلاد بالحيلاء وكيف لا؟ وهو سلطان جائر أيّد بالنّصر، قائلا: إن كنت بليت بالاحتراق في أرضكم فأنا أفيض بأن أرمي من بروق تيّاري بشرر كالقصر.

هذا وطالما قابلنا قبلها بوجه جميل، وسمعنا عنه كلّ خبر خير ثابت ويزيد كما قال «جميل»، وكلّ بديع من آثار جود يصبغ الثّرى فيخضرّ بخلاف المشهور عن صبغة اللّيل، وطالما خصصناه بدعاء فكانت الراحة به كمقياسه ذات بسطة، وكمنازل الخصب بقدومه المبارك ذات غبطة، ومنحناه بولاء وثناء هذا يدور من الإخلاص بفلك وهذا يعذب من البحار بنقطة؛ كم ورد إلى البلاد ضيفا ومعه القرى، وكم أتى مرسلا بمعجز آيات الخصب إلى أهل القرى؛ فهو جواد قد خلع الرّسن، ساهر في مصالح الخلق وقد ملأ الأمن أجفانهم بالوسن، جامع لأهل مصر من سقياه ومرعاه ووجهه بين الماء والخضرة والوجه الحسن؛ كم بات سير مقياسه يشمل بظلّه الغائبين والحاضرين، وكم رفع على الوفاء راية صفراء فاقع لونها تسرّ النّاظرين، وبلغ وبلّغ بخرير التّيّار سلامه، وبات الناس بوفائه من حذار الغلاء تحت السّتر والسّلامة، وخلّق صدر العمود وكيف لا يخلّق بشير العباد والبلاد، ودعا مصر لأخذ زخرفها فسواء قيل: ذات العمود أو ذات العماد، وبسط يده ببركة الماء فقيل: سلام لك من أصحاب اليمين، وخضّب بنانه وأقسم بحصول الخير فقيل لمخضوب البنان يمين، وأشار إلى وصول المدّ المتتابع، وقبض يده المخلّقة على الماء فوفت وما خابت فروج الأصابع، ونادى رائد

الوفاء ولكن كم حياة في الأرض لمن ينادي، وتمّت أصابع الزيادة ونمت حتّى قال الناس: ما ذي أصابع ذي أيادي.

هذا وقد قرنت زرابيّ الدّور المثوثة بالنّمارق، وقال المقياس:

تغطّت منها الدّرج فنال الرّجاء وظهرت الدّقائق؛ فهو جمّ المنافع، عذب المنابع، يشار في الحقيقة والمجاز إليه بالأصابع.

فأعاده الله إلى ذلك النّفع المعهود، وأرانا منه الأمان من الطّوفان إلى أن نرد الحوض المورود، وكفى أهل مصر هذه المصيبة التي إذا أصابتهم قالوا: إنّا لله وإنا إليه راجعون، ولا ابتلاهم بمثل ما ابتلى به قوما جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم فإنّما يستغشي ثيابه منهم الفقراء في المطر ويجعل أصابعه في آذانه منهم المؤذّنون؛ اللهمّ إنك وليّ النّعمة، وأولى برحمة خلقك من فيض هذه الرّحمة».

وما قاله صاحبنا الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة الذي كان أغرب من زرقاء اليمامة، وأعجب إذا ركب بغلته وزرزوره من أبي دلامة، الأديب الذي كان حجّة العرب، والناثر الذي كان بنسبته إلى الطّيور محرّك المناطق وإلى الشّعر صنّاجة الأدب، والنّاظم الذي كان إذا أنشد مقاطيعه في التّشبيب فاق على المواصيل ذوات الطّرب، والصّديق الذي كانت منه عوائد الوفاء مألوفة، وشيخ الصّوفيّة الذي لا عجب إذا كانت له المقامات الموصوفة، أسكنه الله فسيح الجنان، وخصّ ذلك الوجه الجميل بالعارض الهتّان، من مقامته الزّعفرانيّة عن أبي الرّياش:

«فاعتنقته لدى السّلام، وقلت: ما وراءك يا عصام؛ فقد بلغنا أن النّيل

تزايد دفعه، وأدّى إلى الضّرر نفعه، فقال: خذ العفو، ولا تكدّر بذكر النّيل الصّفو؛ فقد امتزج بالمعصرات ثجّاجه، وأعيى طبيب الغيطان علاجه:

وشرّق حتّى ليس للشّرق مشرقوغرّب حتّى ليس للغرب مغرب!

قلت: فما فعل النّغير، بجزيرة الطّير، قال: لم يبق بها هاتف يبشّر بالصّباح، ولا ساع يسعى برجل ولا طائر يطير بجناح، إلا اتخذ نفقا في الأرض أو سلّما في السّماء، أو أوى إلى جبل يعصمه من الماء، فأذاق بها الحمام الحمام في المروج، وترك أرضها كسماء ما لها من فروج، وتلا على الحمام: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ

. وكم في سماء مائها من نسر واقع، وبومة تصفّر على ديارها البلاقع:

ومنهل فيه الغراب ميتسقيت منه القوم واستقيت!

قلت: فمصر؟ قال: زحف عليها بعسكره الجرّار، ونفط مائه الطّيّار.

قلت: فالجيزة؟ قال: طغى الماء حتّى علا على قناطرها وتجسّر، ووقع بها القصب من قامته حين علا عليه الماء وتكسّر، فأصبح بعد اخضرار بزّته شاحب الإهاب، ناصل الخضاب، غارقا في قعر بحر يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، وقطع طريق زاويتها على من بها من المنقطعين والفقراء، وترك الطّالح كالصّالح يمشي على الماء، فتنادوا مصبحين، ألّا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين، وأدركهم الغرق فأيسوا من الخلاص، وغشيهم من اليمّ ما غشيهم ولات حين مناص، وخرّ عليهم السّقف من فوقهم فهدّت قواهم، واستغاثوا من كثرة الماء بالذين آمنوا وعملوا الصّالحات وقليل ما هم.

قلت: فالرّوضة؟ قال: أحاط بها إحاطة الكمام بزهره، والكأس بحباب خمره:

فكأنّها فيه بساط أخضروكأنّه فيها طراز مذهب!

فلم يكن لها بدفع أصابعه يدان، وكم أنشد مرجها حين مرج البحرين يلتقيان:

أعينيّ كفّا عن فؤادي فإنّهمن البغي سعي اثنين في قتل واحد
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «طربت لإلمام الخيال المعاود»

قلت: فدار النّحاس ؟ قال: أنحس حالها، وأفسد ما عليها وما لها، فدخل من حمّامها الطّهر، وقطع الطريق بالجامع الظّهر؛ فألحق مجاز بابه بالحقيقة، ورقي منه على درجتين في دقيقة؛ كم اغترف ما جاوره من الغرف غرفا، وأطلق من مائه الأحمر النّار بموردة الخلفا.

قلت: فالخليج الحاكميّ ؟ قال: خرج عسكر موجه بعد الكسر على حميّة، ومرق من قسيّ قناطره مروق السّهم من الرّميّة.

قلت: فالمنشاة ؟ قال: أصبحت للبحر مقرّة، بعد أن كانت للعيون قرّة، وقيل لمنشئها: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها قال: يحييها الذي أنشأها

أوّل مرّة؛ قد مال على ما فيها من شون الغلال كلّ الميل، وتركها تتلو بفمها الذي شفتاه مصراعا بابها: يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ

قلت: فجزيرة أروى ؟ قال: قد أفسد جلّ ثمارها، وأتى على مغانيها فلم يدع شيئا من رديّها وخيارها؛ أخلق ديباجة روضها الأنف، وترك قلقاسها في الجروف على شفا جرف:

بعيني رأيت الماء يوما وقد جرىعلى رأسه من شاهق فتكسّرا!

طالما تضرّع بأصابعه إلى ربّه، ولطم برؤوسه الحيطان مما جرى من الماء على قلبه، وتمثّل بقول الأوّل:

وإن سألوك عن قلبي وما قاسىفقل: قاسى، وقل: قاسى وقل: قاسى،

لم يفده تحصّنه من ورقه بالدّرق والسّتائر، ولا حنّ عليه حين تضرّع بأصابعه فصحّ أن الماء سلطان جائر.

قلت: فحكر ابن الأثير ؟ قال: لم يبق منه غير الثّلث والثلث كثير؛ قد أخمل من دوره خمائلها، وجعل عاليها سافلها؛ فكم دار أعدم صاحبها قراره، ونادى في عرصاتها المتداعية: إيّاك أعني فاسمعي يا جارة؛ فأصبحت بعد نفعها قليلة الجدا، مستولية عليها يد الرّدى، شبيهة بدار الدّنيا لأنها دار متى أضحكت في يومها أبكت غدا.

قلت: فبولاق؟ قال: إملاق، قد التفّت بها من الزّلق السّاق بالسّاق،

فأتى من النّوتية على الصّغير والكبير، ومن المراكب وممرّها على النّقير والقطمير.

هذا بعد أن ترك جامع الخطيريّ على خطر، وحيطانه يانعة الثّمر؛ قد دنا قطافها، وحان تلافها؛ فكأنّي به وقد منع رفده، وتلا على محرابه سورة السّجدة.

قلت: فجزيرة الفيل ؟ قال: اقتلع أشجارها بشروشها، وترك سواقيها خاوية على عروشها.

قلت: فالتاج والسبعة وجوه ؟ قال: هجم على حرمها، وعمّ الوجوه من فرقها إلى قدمها؛ فبلّ ثرى الموتى في التّخوم، وعنت الوجوه للحيّ القيّوم؛ قلت: فما الحيلة؟، قال: ترك الحيلة:

دعها سماويّة تجري على قدرلا تفسدنها برأي منك راضي

طال الكتاب، وخرجنا عن فصل الخطاب:

ولربّما ساق المحدّث بعض ماليس النّديّ إليه بالمحتاج!

وكأنّي بقائل يقول: أليس من الكبر أن يستخدم هذا في رسالته ملوك الكلام، ومن الحمق أن يجلي عرائس أفكاره بما للناس من حلي النّثار

والنّظام، فأقول: مسلّم أنّ كلّ ما أوردته درر وجواهر، وعقود كزهر الرّبيع عيون وجوهها النواضر نواظر، ولكنّها هاهنا أمثل، وجمع شملها على هذي العروس أجمل:

وفي عنق الحسناء يستحسن العقد!

وعلى الجملة فيرجع المملوك إلى التّواضع وهو الأليق بالأدب، فيقول: لا عيب على الفقيرة إذا تجمّلت بحليّ الغنيّة، ولا عار على الجوهريّ إذا نظم سلكا كانت درره على الطّرق مرميّة؛ ونرجع إلى ما ولّده الفكر من عجب البحر، وما ظهر من دفع الملوك لأمثالها عن جريها إلى غاياتها بصور القمر، فأقول: إنما قالت الأدباء ذلك لما جرى من جور النّيل على الأرض، ولما عمّ الناس من الإرجاف بطول أذاه وهرجه فكأنّما هم في يوم العرض؛ وكلّ ذلك وما وصل إلى هذا الارتفاع، وربّما كان أنقص من هذه الزيادة بقريب الذّراع.

وعلى هذا القياس إنّما دفع ضرره، وجمّل في البلاد أثره، وحسّن في السّماء خبره وفي الأرض مخبره، السّريّ الذي اهتمامه بالمعروف معروف، وسيف الدّين الذي سهر في مصالح الرّعايا لمّا تنام ملء أجفانها السّيوف، أتابك العساكر، والملك الذي هو بالإسلام وله منصور وناصر؛ حصّن سائر الكوى بالجسور، وركز على أفواه البحر والخليج الأمراء كما يركز المجاهدون على الثّغور، وقابل البحر من سطواته بما ليس له به قبل، وردّ دفعه بكلّ دفع من الرّأي والتّدبير يغني عن البيض والأسل، وحاربه بجيش عزم إلى أن ولّى هاربا مع التراع والقناطر، وجاهده بجند ركزهم على جوانبه لمّا تحقّق أن البحر سلطان جائر، وحصره بالتّضييق عليه كما تحصر البرك والتراع، وغلّ يده عن التّصرّف فسقاه الموت كما سقى الناس أنواع النّزاع؛ فما هو إلا أن تضاءل بنيران سطواته واحترق، وذلّ خاضعا وكفى به تضرّعا بالأصابع وتوسّلا بالملق، وأطاع لمّا لم تنجه مجاهرته من تيّاره بالسيوف ولا تحصّنه من داراته بالدّرق.

على أنه تطاول ليضاهي بأصابعه جود أياديه فقصّر، وتحسّر فركب خيل خيلائه ليحاكي بأسه فوقع من جسور عجبه وتقطّر، وسمت نفسه كبرا لأن يبلغ قدره فقيل: يا بحر هذا خليفة الله في أرضه والله أكبر؛ نعم:

رأى البحر الخضمّ نداه طاميفيض على الورى منه بحار
فصار البحر ملتطما وأضحىعلى الحالين ليس له قرار!

فلو زدت في أيّام غيره من الملوك المترفين، وفيمن يؤثر ملاذّ نفسه على مصالح المسلمين، كنت أيّها الملك بلغت قصدك، وفعلت في أبناء مصرك جهدك، وكنت من الملوك الّذين إذا دخلوا قرية انتعلوا فيها الأهلّة، وأفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة؛ لكن هبّ قبولك إدبارا، ولاقت ريحك إعصارا؛ فليس لك به قبل، «والسّيل أدرى بالجبل»؛ فما لك سبيل إلى بلاده، ولا طاقة بإياب الخير على عناده؛ فإنه خادم الحرمين، والمدعوّ له حتّى في مواقف الحرب بين العلمين؛ حامي السّواحل والثّغور، والمخدوم بأيادي السّحائب وأصابع البحور، وإن كنت يا أبا خالد أبا جعفر فلست بمنصور؛ والرّأي أن تقف مستغفرا، وتقول معتذرا؛ لم أفرط بالزيادة في أيامه، ولم أفض على طرف الميدان إلا لأفوز بتقبيل آثار جوادّ خيله ومواطيء أقدامه، ونتّبع نواهيه ونمتثل أوامره، وندعو له كالرّعايا بطول البقاء في الدّنيا وحسن الثواب في الآخرة.

ونحن نسأل الله كما بلّغ بك المنافع، أن يرينا كوكب نؤئك عن قريب راجع؛ وكما أغنى بزيادتك عن الاستسقاء، لا يحوجنا في نقصك إلى الاستضحاء، إنه سميع مجيب الدّعاء، بمنّه وكرمه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.