تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الصنف الثالث (من الرسائل المفاخرات؛ وهي على أنواع) (٢)

إن تكلّم في الفقه فكأنما بلسان «الشّافعيّ» تكلّم، و «الرّبيع» عنه يروي و «المزنيّ» منه يتعلّم، أو خاض في أصول الفقه، قال «الغزاليّ»: هذا هو الإمام باتفاق، وقطع السّيف «الآمديّ» بأنه المقدّم في هذا الفنّ على الإطلاق، أو جرى في التّفسير، قال «الواحديّ»: هذا هو العالم الأوحد، وأعطاه «ابن عطيّة» صفقة يده بأن مثله في التّفسير لا يوجد، واعترف له «صاحب الكشّاف» بالكشف عن الغوامض، وقال الإمام «فخر الدّين»: «هذه مفاتيح الغيب وأسرار التّنزيل» فارتفع الخلاف واندفع المعارض، أو أخذ في القراءات والرّسم أزرى بأبي «عمرو الدّاني»، وعدا شأو «الشّاطبيّ» في «الرّائية» وتقدّمه في «حرز الأماني»، أو تحدّث في الحديث شهد له «السّفيانان» بعلوّ الرتبة في الرّواية، واعترف له «ابن معين» بالتّبريز والتّقدّم في الدّراية، وهتف «الخطيب البغداديّ» بذكره على المنابر، وقال «ابن الصّلاح»: لمثل هذه الفوائد تتعيّن الرّحلة وفي تحصيلها تنفد المحابر، أو أبدى في أصول الدّين نظرا تعلّق منه «أبو الحسن الأشعريّ» بأوفى زمام، وسدّ باب الكلام على المعتزلة حتّى يقول «عمرو بن عبيد» و «واصل بن عطاء» ليتنا لم نفتح بابا في الكلام، أو دقّق النظر في المنطق بهر «الأبهريّ» في مناظرته، وكتب «الكاتبيّ» على نفسه وثيقة بالعجز عن مقاومته، أو ألمّ بالجدل رمى «الأرمويّ» نفسه بين يديه، وجعل «العميديّ» عمدته في آداب البحث عليه، أو بسط في اللغة لسانه اعترف له «ابن سيده» بالسّيادة، وأقرّ بالعجز لديه «الجوهريّ» وجلس «ابن فارس» بين يديه مجلس الاستفادة، أو نحا إلى النّحو والتّصريف أربى فيه على «سيبويه»، وصرف «الكسائيّ» له عزمه فسار من البعد إليه، أو وضع أنموذجا في علوم البلاغة وقف عنده «الجرجانيّ»، ولم يتعدّ حدّه «ابن أبي الاصبع» ولم يجاوز وضعه «الرّمانيّ»، أو روى أشعار العرب أزرى ب «الأصمعيّ» في حفظه، وفاق

«أبا عبيدة» في كثرة روايته وغزير لفظه، أو تعرّض للعروض والقوافي استحقّها على «الخليل»، وقال «الأخفش»: عنه أخذت «المتدارك» واعترف «الجوهريّ» بأنه ليس له في هذا الفن مثيل، أو أصّل في الطّبّ أصلا قال «ابن سينا»: هذا هو القانون المعتبر في الأصول، وأقسم «الرازيّ» بمحيي الموتى إن «بقراط» لو سمعه لما صنّف «الفصول»، أو جنح إلى غيره من العلوم الطبيعية فكأنما طبع عليه، أو جذب له ذلك العلم بزمام فانقاد إليه، أو سلك في علوم الهندسة طريقا لقال «أو قليدس»: هذا هو الخطّ المستقيم، وأعرض «ابن الهيثم» عن حلّ الشكوك وولّى وهو كظيم، وحمد «المؤتمن بن هود» عدم إكمال كتابه «الاستكمال» وقال: عرفت قدر نفسي: وفوق كلّ ذي علم عليم، أو عرّج على علوم الهيئة لا عترف «أبو الرّيحان البيرونيّ» أنه الأعجوبة النادرة، وقال «ابن أفلح»: هذا العالم قطب هذه الدائرة، أو صرف إلى علم الحساب نظره لقال «السّموأل بن يحيى»: لقد أحيا هذا الفنّ الدّارس، ونادى «ابن مجلي الموصليّ»: قد انجلت عن هذا العلم غياهبه حتى لم يبق فيه عمه لعامه ولا غمّة على ممارس.

وقد وجدت مكان القول ذا سعةفإن وجدت لسانا قائلا فقل!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وكيف لا تلقي إليه العلوم مقاليدها، وتصل به الفضائل أسانيدها، وهو ابن شيخ الإسلام وإمامه، وواحد الدّهر وعلّامه، وجامع العلوم المنفرد، ومن حقّق وجوده في أواخر الأعصار أنّ الزّمان لا يخلو من مجتهد، ومن لم يزل موضوع الأوضاع المعتبرة عليه محمولا، ومن كان على رأس المائة الثّامنة مضاهيا لعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى؛ فالخناصر عليه وعلى ولده تعقد، ولا غرو إن قام منشدهما فأنشد:

إن المائة الأولى على رأسها أتىلها عمر الثّاني لذا الدّين صائنه
ووالى رجال بعد ذاك كمثلهفها عمر وافى على رأس ثامنه
يظاهره نجل سعيد غدت بهمعاقل علم في ذرا الحقّ آمنه
إذا شيخ إسلام أضاء سراجهرأيت جلالا من سنا الفضل قارنه!
فلا يعدم الإسلام جمع علاهماولن يبرحا للدّين دأبا ميامنه!

فقال «علم الأخلاق»: أصبت سواء الثّغرة وجئت بالرّأي الأكمل، وعرفت من أين تؤكل الكتف فطبّقت المفصل بالمفصل؛ إلا أنّ من محاسن الأخلاق، ومعالم الإرفاق، أن تعودوا بفضلكم، وترجعوا بمعروفكم وبرّكم، إلى من جرى بكم في التّفاخر مجرى الإنصاف، وبسط لسان كلمه بما اشتمل عليه كلّ منكم من جميل الأوصاف؛ ثم كان من شأنه أن وصل بالاتّفاق والالتئام حبلكم، وجمع بالمحلّ الكريم بعد التباعد شملكم، وذكركم بحسن المصافاة أصل الوداد القديم، وتلا بلسان الألفة فيكم: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ

، بأن ينتصب كلّ منكم له شفيعا إلى هذا السّيّد الجليل، ويكون له وسيلة إلى هذا الإمام الحفيل، أن يصرف إليه وجه العناية، وينظر إليه بعين الإقبال والرّعاية، ليعزّ في الناس جانبه، ويطلع في أفق السّعد بعد الأفول غاربه، ويبلغ من منتهى أمله ما له جهد، ويسعد بالنّظر السعيد جدّه فقد قيل: «من وقع عليه نظر السّعيد سعد».

على أنه- أمتع الله الإسلام ببقائه وبقاء والده، وجمع بينهما في دار الكرامة كما جمع لهما بين طارف المجد وتالده- قد فتح له من التّرقّي أوّل باب، ولا شكّ أنّ نظرة منه إليه بعد ذلك ترقّيه إلى السّحاب.

فأزرق الفجر يبدو قبل أبيضهوأوّل الغيث قطر ثم ينسكب!

فقال «علم التاريخ»: اهبطوا مصرا فإنّ لكم ما سألتم، وقرّوا عينا فإلى القصد الجليل وصلتم، وعلى غاية الأمل- ولله الحمد- حصلتم؛ فقد بلوت الأوائل والأواخر، وخبرت حال المتقدّم والمعاصر، فلم أر فيمن مضى

وغبر، وشاع ذكره واشتهر، من ذوي المراتب العليّة، والمناصب السّنيّة، من يساوي هذا السّيّد الجليل فضلا! أو يدانيه في المعروف قولا وفعلا؛ قد لبس شرفا لا تطمع الأيام في خلعه، ولا يتطلّع الزمان إلى نزعه، وانتهى إليه المجد فوقف، وعرف الكرم مكانه فانحاز إليه وعطف، وحلّت الرّآسة بفنائه فاستغنت به عن السّوى، وأناخت السّيادة بأفنائه فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى، فقصرت عنه خطا من يجاريه، وضاق عنه باع من يناويه، واجتمعت الألسن على تقريضه فمدح بكلّ لسان، وتوافقت القلوب على حبّه فكان له بكلّ قلب مكان:

ولم يخل من إحسانه لفظ مخبرولم يخل من تقريظه بطن دفتر!

فهو الحريّ بأن يكتب بأقلام الذّهب جميل مناقبه، وأن يرقم على صفحات الأيام حميد مطالبه؛ فلا يذهب على ممرّ الزمان ذكرها، ولا يزول على توالي الدّهور فخرها.

ولما تمّ للعلوم هذا الاجتماع الذي قارن السّعد جلاله، وتفجّرت ينابيع الفضل خلاله، أقبلوا بوجوههم على الشّعر معاتبين، وبما يلزمه من تقريض هذا الحبر ومدحه مطالبين، وقالوا: قد أتى النّثر من مدحه بقدر طاقته، وإن لم يوف بجليل قدره ورفيع مكانته، فلا بدّ من أن تختم هذه الرسالة بأبيات بالمقام لائقة، ولما نحن فيه من القضيّة الواقعة مطابقة، قائمة من مدحه بالواجب، سالكة من ذلك أحسن المسالك وأجمل المذاهب، لتكمل هذه الرسالة نظما ونثرا، وتفتنّ في صناعة الأدب خطابة وشعرا، فقال: سمعا وطاعة، واستكانة وضراعة؛ ثم لم يلبث أن قام عجلا، وأنشد مرتجلا:

بشراكم معاشر العلوم أنجمعتم بصدر حبر كامل!
فنونه لم تجتمع لعالموفضله لم يكتمل لفاضل!
يشفي الصّدور إن غدا مناظراوبحثه فزينة المحافل!
كم عمّرت دروسه من دارسوزيّنت بحليها من عاطل!
وو أوضحت أقواله من مشكللمّا أتى بأوضح الدّلائل!
وكم غدت آراؤه حميدةونبّهت بجدّها من خامل
وحكمه فكم أقال عثرةوجوده ففوق قصد الآمل!
هذا: وقد فاق الورى رآسةمحفوفة بألطف الشّمائل!
من ذا يروم أن ينال شأوه؟أنّى له بأمثل الأماثل؟
مولى علا فوق السّماك رتبةقد زيّنت بأفضل الفواضل!
فما له في فضله من مشبه،وما لبحر جوده من ساحل!
حاشى لراج فضله أن ينثنيصفر اليدين أو ممنّى الآجل!

قلت ولم أرمن تعرّض للمفاخرة بين العلوم سوى القاضي الرّشيد أبي الحسين بن الزبير في مقالته المقدّم ذكرها؛ على أنّها لم تكن جارية على هذا النّمط، ولا مرتّبة على هذا التّرتيب، مع الاقتصار فيها على علوم قليلة، أشار إلى المفاضلة بينها على ما تقدّم ذكره. ولكنّ الله تعالى قد هدى بفضله إلى وجوه التّرجيح التي يرجح بها كلّ علم على خصمه، ويفلج به على غيره؛ والمنصف يعرف لذلك حقّه. والذي أعانني على ذلك جلالة قدر من صنّفت له وعلوّ رتبته، واتساع فضله، وكثرة علومه، وتعداد فنونه، إذ صفات الممدوح تهدي المادح وترشده.

ومنها المفاخرة بين السّيف والقلم؛ وقد أكثر الناس منها: فمن عال وهابط، وصاعد وساقط.

وهذه رسالة في المفاخرة بين السّيف والقلم، أنشأتها للمقرّ الزّيني أبي يزيد الدّوادار الظّاهريّ، في شهور سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وسمّيتها:

«حلية الفضل وزينة الكرم، في المفاخرة بين السّيف والقلم»؛ وهي:

الحمد لله الذي أعزّ السّيف وشرّف القلم، وأفردهما برتب العلياء فقرن لهما بين المجد والكرم، وساوى بينهما في القسمة فهذا للحكم وهذا للحكم.

أحمده على أن جمع بخير أمير بعد التّفرّق شملهما، ووصل بأعزّ مليك بعد التّقاطع حبلهما، وأرغب إليه بشكر يكاثر النجوم في عديدها، ويكون للنّعمة على ممرّ الزّمان أبا يزيدها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يأتمّ الإخلاص بمذهبها، ولا ينجو من سيفها إلا من أجاب داعيها وأقرّبها، وأن محمدا عبده ورسوله الذي خصّ بأشرف المناقب وأفضل المآثر، واستأثر بالسؤدد في الدّارين فحاز أفخر المعالي ونال أعلى المفاخر، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين قامت بنصرتهم دولة الإسلام فسمت بهم على سائر الدّول، وكرعت في دماء الكفر سيوفهم فعادت بخلوق النّصر لا بحمرة الخجل، صلاة ينقضي دون انقضائها تعاقب الأيام، وتكلّ ألسنة الأقلام عن وصفها ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام.

وبعد، فإنّه ما تقارب اثنان في الرّتبة إلا تحاسدا، ولا اجتمعا في مقام رفعة إلا ازدحما على المجد وتواردا، ورام كلّ منهما أن يكون هو الفائز بالقدح المعلّى، وأن يكون مفرقه هو المتوّج وجيده هو المحلّى، وادّعى كلّ منهما أن جواده هو السابق في حلبة السّباق، والفائز بقصب السّبق بالاتّفاق، وأن نجمه هو الطالع الذي لا يأفل، وسؤدده هو الحاكم الذي لا يعزل، وأن المسك دون عبيره، والبحر لا يجيء نقطة في غديره، والدّرّ لا يصلح له صدفا، ونفيس الجوهر لا يعادله شرفا، وأن منابر المعالي موقوفة على قدمه، ومجامر المفاخر فائحة بنشر كرمه.

ولمّا كان السّيف والقلم قد تدانيا في المجد وتقاربا، وأخذا بطرفي الشّرف وتجاذبا؛ إذ كانا قطبين تدور عليهما دوائر الكمال، وسعدين يجتمعان في دائرة الاعتدال، ونجمين يهديان إلى المعالي، ومصباحين

يستضاء بهما في حنادس اللّيالي، وقاعدتين تبنى الدّول على أركانهما، وشجرتين يجتنى العزّ من أغصانهما؛ جرّ كلّ منهما ثوب الخيلاء فخرا فمشى وتبختر، وأسبل رداء العجب تيها فما تخبّل ولا تعثّر، واتسع له المجال في الدّعوى فجال، وطاوعته يد المقال فقال وطال، وتطرّقت إليهما عقارب الشّحناء ودبّت، وتوقّدت بينهما نار المنافسة وشبّت، وأظهر كلّ منهما ما كان يخفيه فكتب وأملى، وباح بما يكنّه صدره والمؤمن لا يكون حبلى؛ وبدأ القلم فتكلم، ومضى في الكلام بصدق عزم فما توقف ولا تلعثم، فقال:

باسم الله تعالى أستفتح، وبحمده أتيمّن وأستنجح؛ إذ من شأني الكتابة، ومن فنّي الخطابة؛ وكلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله تعالى فهو أجذم، وكلّ كلام لا يفتتح بحمده فأساسه غير محكم ورداؤه غير معلم؛ والعاقل من أتى الأمر من فصّه، وأخذ الحديث بنصّه؛ والحقّ أحقّ أن يتّبع، والباطل أجدر أن يترك فلا يصغى إليه ولا يستمع؛ إني لأوّل مخلوق بالنّص الثابت والحجّة القاطعة، والمستحقّ لفضل السّبق من غير منازعة؛ أقسم الله تعالى بي في كتابه، وشرّفني بالذّكر في كلامه لرسوله وخطابه، فقال جلّ من قائل: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ

»

، وقال جلّت قدرته: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ

، فكان لي من الفضل وافر القسمة، وخصصت بكمال المعرفة فجمعت شوارد العلوم وكنت قيّم الحكمة.

فقال السّيف: بسم الله والله أكبر: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ

لكلّ باغ مصرع، وللصّائل بالعدوان مهلك لا ينجو منه ولا ينجع؛ وفاتح باب

الشّرّ يغلق به، وقادح زند الحرب يحرق بلهبه؛ أقول بموجب استدلالك، وأوجب الاعتراض عليك في مقالك:

نعم أقسم الله تعالى بالقلم ولست بذلك، وكان أوّل مخلوق ولست المعنيّ بما هنالك؛ إنّ ذلك لمعنى يكلّ فهمك عن إدراكه، ويضلّ نجمك أن يسري في أفلاكه؛ وأنت وإن ذكرت في التنزيل، وتمسكت من الامتنان بك في قوله: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ

بشبهة التّفضيل؛ فقد حرّم الله تعالى تعلّم خطّك على رسوله، وحرمك من مسّ أنامله الشريفة ما يؤسى على فوته ويسرّ بحصوله؛ لكنّي قد نلت في هذه الرتبة أسنى المقاصد، فشهدت معه من الوقائع ما لم تشاهد، وحلّاني من كفه شرفا لا يزول حليه أبدا، وقمت بنصره في كلّ معترك: وسل حنينا وسل بدرا وسل أحدا!!!؛ ذكر الله تعالى في القرآن الكريم جنسي الذي أنا نوعه الأكبر، ونبّه على ما فيه من المنافع التي هي من نفعك أعمّ وأشهر، وما اجتمع فيه من عظيمي الشّدّة والباس، فقال تقدّست عظمته: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ

. على أنك لو اعتبرت جنسي القصب والحديد، وعرفت الكليل منهما والجليد، لتحققت تسلط الحديد عليك قطّا وبريا، وتحكّمه فيك أمرا ونهيا.

فقال القلم: فررت من الشريعة وعدلها، وعوّلت على الطبيعة وجهلها، فافتخرت بحيفك وعدوانك، واعتمدت في الفضل على تعدّيك وطغيانك، فملت إلى الظّلم الذي هو إليك أقرب، وغلب عليك طبعك في الجور:

و «الطّبع أغلب»؛ فلا فتنة إلا وأنت أساسها، ولا غارة إلا وأنت رأسها، ولا شرّ إلا وأنت فاتح بابه، ولا حرب إلا وأنت واصل أسبابه؛ تؤكّد مواقع الجفاء، وتكدّر أوقات الصّفاء، وتؤثّر القساوة، وتؤثر العدواة؛ أما أنا فالحقّ مذهبي، والصّدق مركبي، والعدل شيمتي، وحلية الفضل زينتي؛ إن حكمت أقسطت، وإن استحفظت حفظت وما فرّطت؛ لا أفشي سرّا يريد صاحبه

كتمه، ولا أكتم علما يبتغي متعلّمه علمه؛ مع عموم الحاجة إليّ، والافتقار إلى علمي والاكتساب مما لديّ؛ أدير في القرطاس كاسات خمري فأزري بالمزامير وأهزأ بالمزاهر، وأنفث فيه سحر بياني فألعب بالألباب وأستجلب الخواطر، وأنفذ جيوش سطوري على بعد فأهزم العساكر:

فلكم يفلّ الجيش وهو عرمرموالبيض ما سلّت من الأغماد!

فقال السّيف: أطلت الغيبة، وجئت بالخيبة، وسكتّ ألفا، ونطقت خلفا.

السّيف أصدق أنباء من الكتبفي حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

إنّ نجادي لحلية للعواتق، ومصاحبتي آمنة من البوائق؛ ما تقلّدني عاتق إلا بات عزيزا، ولا توسّدني ساعد إلا كنت له حرزا حريزا؛ أمري المطاع وقولي المستمع، ورأيي المصوّب وحكمي المتّبع؛ لم أزل للنّصر مفتاحا، وللظلام مصباحا، وللعزّ قائدا، وللعداة ذائدا؛ فأنّى لك بمساجلتي، ومقاومتي في الفخر ومنافرتي؟؛ مع عري [جسمك] ونحافة بدنك، وإسراع تلافك وقصر زمنك، وبخس أثمانك على بعد وطنك، وما أنت عليه من جري دمعك، وضيق ذرعك، وتفرّق جمعك، وقصر باعك، وقلّة أتباعك.

فقال القلم: مهلا أيّها المساجل، وعلى رسلك أيها المغالب والمناضل؛ لقد أفحشت مقالا، ونمّقت محالا، فغادرتك سبل الإصابة، وخرجت عن جادّة الإنابة، وسؤت سمعا فأسأت جابة؛ إنّي لمبارك الطّلعة

وسيمها، شريف النّفس كريمها، آخذ بالفضائل من جميع جهاتها، مستوف للممادح بسائر صفاتها؛ فطائري ميمون، وغولي مأمون، وعطائي غير ممنون؛ أصل وتقطع، وأعطي وتمنع، وتفرّق وأجمع؛ وإنّ ازدراءك بي من الكبر المنهيّ عنه، وغضّك عنّي من العجب المستعاذ منه؛ ومن حقّر شيئا قتله، ومن استهان بفاضل فضله؛ وإنّي وإن صغر جرمي فإني لكبير الفعال، وإن نحف بدني فإني لشديد البأس عند النّزال؛ وإن عري جسمي فكم كسوت عاريا، وإن جرى دمعي فكم أرويت ظاميا، وإن ضاق ذرعي فإني بسعة المجال مشهور، وإن قصر باعي فكم أطلقت أسيرا وأنا في سجن الدّواة مأسور؛ إذا امتطيت طرسي، وتدرّعت نقسي، وتقلدت خمسي، وجاشت على الأعداء نفسي:-

رأيت جليلا شأنه وهو مرهفضنّى وسمينا خطبه وهو ناحل!
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

أنسيت إذ أنت في المعدن تراب تداس بالأقدام؟ وتنسفك الرّياح وتزري بك الأيام؟ ثم صرت إلى القين تقعد لك السّنادين بالمراصد، وتدمغك المقامع وتسطو بك المبارد؛ ثم لولا صقالك لأذهبك الجرب وأكلك الصّدى، مع قلّة صبرك على المطر والنّدى.

فقال السّيف: إنّا لله! لقد استأسدت الثّعالب، واستنسرت البغاث فعدّ العصفور نفسه من طير الواجب، وجاء الغراب إلى البازيّ يهدّده، ورجع ابن آوى على الأسد يشرّده؛ فلو عرفت قدر نفسك، ولزمت في السّكينة طريق أبناء جنسك، ووقفت عند ما حدّ لك، وذكرت عجزك وكسلك، لكان أجدر بك، وأحمد لعاقبتك، وأليق بأدبك.

إن الملوك لتعدّني لمهمّاتها، وتستنجد بي في ملمّاتها، وتتعالى في

نسبي، وتتغالى في حسبي، وتتنافس في قنيتي وتتحاسد، وتجعلني عرضة لأيمانها فتتعاقد بالحلف عليّ وتتعاهد، وتدّخرني في خزائنها ادّخار الأعلاق، وتعدّني أنفس ذخائرها على الإطلاق، فتكلّلني الجواهر، وتحلّيني العقود فأظهر في أحسن المظاهر؛ أبرز للشّجعان خدّي الأسيل فأنسيهم الخدود ذوات السّوالف، وأزهو بقدّي فأسلبهم هيف القدود مع لين المعاطف، وأوهم الظّمآن من قرب أن بأنهاري ماء يسيل، وأخيّل للمقرور من بعد أنّي جذوة نار فيطلبني على المدى الطّويل؛ ويخالني متوقّع الغيث برقا لامعا، ويظنّني الجائز في الشّرق نجما طالعا؛ فالشّمس من شعاعي في خجل، واللّيل من ضوئي في وجل، وما أسرعت في طلب ثار إلا قيل: «فات ما ذبح» و «سبق السّيف العذل».

فقال القلم: برّق لمن لا عرفك، وروّج على غير الجوهريّ صدفك؛ فما أنت من بزّي ولا عطري، ولست بمساو حدّك القاطع بقلامة ظفري؛ إنّ برقك لخلّب، وإن ريحك لأزيب، وإن ماءك لجامد، وإن نارك لخامد؛ ومن ادّعى ما ليس له فقد باء بالفجور، ومن تشبّع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور.

ومن قال: إنّ النّجم أكبرها السّهىبغير دليل كذّبته ذكاء !

أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، وكريمها المبجّل وعالمها المهذّب؛ يختلف حالي في الأفعال السّنية باختلاف الأعراض، وأمشي مع المقاصد الشريفة بحسب الأغراض، وأتزيّا بكلّ زيّ جميل، فأنزل في كلّ حيّ وأسير في كلّ قبيل؛ فتارة أرى إماما عالما، وتارة لدرّ الكلام ناثرا وأخرى

لعقود الشّعر ناظما، وطورا تلفيني جوادا سابقا، ومرّة تجدني رمحا طاعنا وسهما راشقا، وآونة تخالني نجما مشرقا، وحينا تحسبني أفعوانا مطرقا؛ قد فقت الشّبّابة في الطّرب، وبرّزت عليها في كلّ معنى وإن جمع بيننا جنس القصب؛ فكانت للأغاني، وكنت للمعاني، وجاءت بغريب النّغم، وجئت ببديع الحكم، ولعبت بالأسماع طربا، وولعت بالألباب فاتّخذت لدهرها مما عراها عجبا.

فقال السّيف: ذكّرتني الطّعن وكنت ناسيا، وطلبت التّكثّر فازددت قلّة وعدت خاسيا، فكنت كطالب الصّيد في عرّيسة الأسد إن لقيه أهلكه، وخالفت النّصّ فألقيت بيديك إلى التّهلكة؛ فاقنع من الغنيمة بالإياب، وعدّ الهزيمة مع السّلامة من أربح الأكساب؛ فلست ممن يشقّ غباري، ولا يقابل في الهيجاء ضرمي ولا يصطلي بناري؛ فكم من بطل أبطلت حراكه، وكم من شجاع عجلت هلاكه، وكم صنديد أرقت دمه، وكم ثابت الجأش زلزلت قدمه.

وأراد القلم أن يأخذ في الكلام، ويرجع إلى الجدال والخصام، فغلب عليه رقّة طبعه وحسن موارده، وسلاسة قياده وجميل مقاصده، فمال إلى الصّلح وجنح إلى السّلم، وأعرض عن الجهل وتمسّك بالحلم، وأقبل على السّيف بقلب صاف، ولسان رطب غير جاف، فقال: قد طالت بيننا المجادلة، وكثرت المراجعة والمقاولة، مع ما بيننا من قرابة الشّرف، وأخذ كلّ منّا من الفضل بطرف؛ فنحن في الكرم شقيقان، وفي المجد رفيقان؛ لا يستقلّ أحدنا بنفسه، ولا يأنس بغير صاحبه وإن كان من غير جنسه؛ وقد حلبت الدّهر أشطره، وعلمت أصفاه وأكدره، وقلّبته ظهرا وبطنا، وجبت فيافيه سهلا وحزنا؛ وإنّ معاداة الرّفيق، ومباينة الشّقيق، توجب شماتة العدوّ وتغمّ الصديق؛ فهل لك أن تعقد للصلح عقدا لا يتعدّى حدّه، ولا يحلّ على طول

الزّمان عقده؟ لنكون أبدا متآلفين، وعلى السّرّاء والضّرّاء متصاحبين، حتى لا يضرب بنديمي جذيمة مع اصطحابنا مثل، ولا يتشبّه بنا الفرقدان إلا باءا بالخطل.

ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث، أيّ الرّجال المهذّب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

فقال السّيف: لقد رأيت صوابا، ورفعت عن وجه المحجّة نقابا، وسريت أحسن مسرى وسرت أجمل سير، وصحبك التّوفيق فأشرت بالصّلح:

والصّلح خير.

وقد يجمع الله الشّتيتين بعدمايظنّان كلّ الظّنّ أن لا تلاقيا!
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وما أحدث النأى المفرق بيننا»

ثم قالا: لا بدّ من حكم يكون الصّلح على يديه، وحاكم نرجع في ذلك إليه، لنحظى بزيادة الشّرف، ونظفر من كمال الرّفعة بغرف من فوقها غرف؛ ولسنا بفائزين بطلبتنا، وظافرين ببغيتنا، إلا لدى السّيّد الأكمل، والمالك الأفضل، الماجد السّريّ، والبطل الكميّ، والبحر الخضمّ، والغيث الأعمّ، مولى المعالي ومولي النّعم، وممتطي جواد العزّ ورافع أعلام الكرم، جامع أشتات الفضائل ومالك زمامها، وضابط أمر الدّولة الظاهرية وحافظ نظامها، المقرّ الكريم، العاليّ، المولويّ، الزّينيّ، أبي يزيد الدّوادار الظّاهريّ: ضاعف الله تعالى حسناته المتكاثرة، وزاده رفعة في الدّارين ليجمع له الارتقاء بين منازل الدّنيا والآخرة؛ فهو قطب المملكة الذي عليه تدور، وفارسها الأروع وأسدها الهصور، وبطلها السّميدع وليثها

الشهير، وأبو عذرتها حقّا من غير نكر وابن بجدتها السّاقطة منه على الخبير، ومعقلها الأمنع وحرزها الحصين، وعقدها الأنفس وجوهرها الثّمين، وتلادها العليم بأحوالها، والجدير بمعرفة أقوالها وأفعالها، وترجمانها المتكلّم بلسانها، وعالمها المتفنّن في أفنانها، وطبيبها العارف بطبّها، ومنجدها الكاشف لكربها.

هذا: وإنّه لمالك أمرنا، ورافع قدرنا، والصّائل منا بالحدّين، والجامع منا بين الضّدّين؛ فلو لقيه «فارس عبس» لولّى عابسا، أو طرق حمى «كليب» لبات من حماه آيسا، أو قارعه «ربيعة بن مكدّم» لعلا بالسّيف مفرقه، أو نازله «بسطام» لبدّد جمعه وفرّقه؛ كما أنه لو قرن خطّه بنفيس الجوهر لعلاه قيمة، أو قاسمه «ابن مقلة» في الكتابة لما رضي أن يكون قسيمه، أو فاخره «ابن هلال» لرأى انه سبقه إلى كلّ كريمة.

وبالجملة فعزّه الظاهر وفضله الأكمل، وسماكه الرّامح وسماك غيره الأعزل؛ فلا يسمح الزمان أن يأتي له بنظير، ولا أراد مدّع بلوغ شأوه إلا قيل: اتّئد فلقد حاولت الانتهاض بجناح كسير:

فحيّهلا بالمكرمات وبالعلىوحيّهلا بالفضل والسّؤدد المحض

فالحمد لله الذي جمعنا بأكرم محلّ وأفضل، وأحسن مقام وأجمل؛ فهلمّ إليه يعقد بيننا عقد الصّلح، ونبايعه على ملازمة الخدمة والنّصح.

ثم لم يلبثا أن كتبا بينهما كتابا بالصّلح والمصافاة، وتعاهدا على الودّ والموافاة، وأعلن بعقد الصّلح مناديهما، وحدا بذكر التّعاضد والتّناصر حاديهما، وراح ينشد:

حسم الصّلح ما اشتهته الأعاديوأذاعته ألسن الحسّاد!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

وزالت عنهما الأحقاد والإحن، وباتا في أعزّ مكان وأشرف وطن، وثلّث قرانهما فأسعد، ثم قام منشدهما فأنشد:

لا ينكر الصّلح بين السّيف والقلمفعاقد الصّلح عالي القدر والهمم!
أبو يزيد نظام الملك مالكناوواصل العلم في علياه بالعلم
فهو المراد بما أبديه من مدحوغاية القصد من ترتيب ذا الكلم!
وإن جرى مدح سيف أو علا قلم،فذاك وصف لما قد حاز من كرم!

قلت: وسبب إنشائي لهذه الرسالة أن الأمير أبا يزيد الموضوعة له، تغمّده الله تعالى بالرحمة والرضوان، كان من جودة الخطّ وتحرير قواعده في الطّبقة العليا، وعظمت مكانته عند سلطانه الملك الظاهر «برقوق» وعلت رتبته حتى ولّاه وظيفة الدّواداريّة بإمرة تقدمة ألف، ولم يزل مقدّما عنده حتى مات هو متولّيها، وأولاني عند عملها له من الصّلة والبرّ المتوالي ما يقصر عنه الوصف، ويكلّ عنه اللّسان.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.