من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)
وَتَقَابُلُ النَّظَرِ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ
وَهُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ بِمَعْنًى فِي بَيْتٍ بِلَفْظٍ مَحْصُوْرٍ، فَيَأتِي شَاعِرٌ آخَرَ بِجُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ المَعْنَى فِي جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ مُضَافًا إِلَى لَفْظٍ غَيْرِهِ، أَوْ يَأتِي بِالمَعْنَى سَائِرِهِ فِي لَفْظٍ غَيْرَ لَفْظِ الأَوَّلِ جَمِيْعِهِ، فَيَكُوْنُ ذَلِكَ تَقَابُلُ النَّظَرِ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ، كَقَوْلِ أَبِي نُواسٍ:
لَا أَذُوْدُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍقَدْ بَلَوْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ
قَابَلَ النَّظَرَ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ أَبُو الطَّيِّبِ المُتَنَبِّيِّ، فَقَالَ:
فَكَأَنَّهَا شَجَرٌ بَدَا لَكِنَّهَاشَجَرٌ جَنَيْتُ المَوْتَ مِنْ ثَمَرَاتِهَا
وَقَالَ الحِصْنِيُّ فِي المَعْنَى:
تَخَيَّرُوا شَجَرَاتٍ غَيْرَ زَاكِيَةٍلَقَدْ جَنَى ثَمَرَ المَكْرُوْهِ جَانِيْهَا
فَكِلَاهُمَا أَتَى بِمَعْنَى بَيْتِ أَبِي نُوَاسٍ، وَتَمَارَطَا فِيْهِ لَفْظَهُ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّفْظِ أَوْرَدَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ زُوَيِّدَةً مِنْ عِنْدِهِ يَسْتَحِيْلُ بِهَا المَعْنَى إِنْ حَالَلَهُ أَبُو نُوَاسٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
أصُدُّ وَبِي مِثْلُ الجُنُونِ لِكَي تَرَىرُوَاةُ الخَنَا أنِّي لِبَيْتِكِ هَاجِرُ
قَابَلَ الأَحْوَصُ النَّظَرَ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ، فَقَالَ:
إنِّي لأَمْنَحُكَ الصُّدُوْدَ وَإِنَّنِيقَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُوْدِ لأمْيَلُ
وَقَالَ فِيْهِ الأَحْوَصُ أَيْضًا:
وَإنِّي لآتِي البَيْتَ أَكْرَهُ رَبَّهُوَأُكْثِرُ هَجْرَ الَبَيْتِ وَهُوَ حَبِيْبُ
فَقَدْ تَقَابَلَ النَّظَرُ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ فِي الثَّلَاثَةِ الأَبْيَاتِ بِتَزَايُدٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا، وَتَنَاقُصِ بَعْضِهَا عَنْ بِعْضٍ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع