من «التبصرة بالتجارة» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
فاتحة الكتاب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
كتب أَبُو عُثْمَان عَمْرو بن بَحر الجاحظ الْبَصْرِيّ:
سَأَلت أكرمك الله عَن أَوْصَاف مَا يستظرف فِي الْبلدَانِ من الْأَمْتِعَة الرفيعة، والأعلاق النفيسة، والجواهر الثمينة المرتفعة الْقيمَة، ليَكُون ذَلِك مَادَّة لمن حنكته التجارب، وعوناً لمن مارسته وُجُوه المكاسب والمطالب، وسميته بِكِتَاب " التبصر " وَالله ولى التَّوْفِيق.
زعم بعض المحصلين من الْأَوَائِل أَن الْمَوْجُود من كل شَيْء رخيص بوجدانه، غال بفقدانه إِذا مست الْحَاجة إِلَيْهِ.
وَقَالَت الرّوم: إِذا لم يرْزق أحدكُم فِي أَرض فليتحول إِلَى غَيرهَا.
وَقَالَت الْهِنْد: مَا من شَيْء كثر أَلا رخص مَا خلا الْعقل فَإِنَّهُ كلما كثر غلا، وَقَالَت الْعَجم: إِذا لم تربحوا فِي تِجَارَة فاعتزلوا عَنْهَا إِلَى غَيرهَا، وَإِذا لم يرْزق أحدكُم بِأَرْض فليستبدل بهَا.
وَقَالَت الْفرس: الرابح فِي كل سوق هُوَ البَائِع لما ينْفق فِيهَا. وَقَالَت الْعَرَب: إِذا رَأَيْتُمْ الرجل قد أَقبلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فالصقوا بِهِ فَإِنَّهُ أجلب للرزق. وَقيل لبَعض المياسير: بِمَ كثر مَالك؟ قَالَ: مَا بِعْت بنسيئة قطّ. وَلَا رددت ربحا وَإِن قل، وَمَا وصل إِلَى دِرْهَم إِلَّا صرفته فِي غَيرهَا.
وَكَانَ يُقَال لَا تشتروا مَا لَيْسَ لكم إِلَيْهِ حَاجَة فيوشك أَن تَبِيعُوا مَالا تستغنون عَنهُ. وَزعم بعض الْحُكَمَاء، أَنه وجد فِي وَصِيَّة الْفرس: أَيهَا الْإِنْسَان لَيْسَ بَيْنك وَبَين بلد أَنْت بِهِ نسب، فَخير الْبلدَانِ مَا وَافَقَك، وَخير الدَّهْر مَا أصلحك، وَخير النَّاس من نفعك، وَخير المَاء مَا أرواك، وَخير الدَّوَابّ مَا حملك، وَخير الثِّيَاب مَا سترك، وَخير التِّجَارَة مَا أربحك، وَخير الْعلم مَا هداك، وَأحسن الْحسن مَا استحسنته وَإِن كَانَ قبيحاً، وَكَانَ يُقَال: خير الصِّنَاعَة الْخَزّ وَخير التِّجَارَة الْبَز.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع