من «التبصرة بالتجارة» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
بَاب آخر
كل ثوب من اللبَاس والفرش إِذا كَانَ أَلين وأنعم وأسنى كَانَ أرفع، وكل علق من الْجَوَاهِر والأحجار إِذا كَانَ أصفى وأضوأ فَهُوَ أنفس، وكل حَيَوَان من الوحشية والأهلية إِذا كَانَ أجسم وأطوع فَهُوَ آثر وأفخر، وكل إِنْسَان من الشريف والوضيع إِذا كَانَ أَعقل وأسهل فَهُوَ أجمل، وكل امْرَأَة حرَّة أَو أمة إِذا كَانَت أَكثر مكوناً وأجمل حَالا وأنزر طعما وأشكر للنَّاس فهى أصون، وكل طير من السهلية والجبلية إِذا كَانَ آلف كَانَ آثر، وكل طارف وتالد إِذا كَانَ أزكى وَأجل فَهُوَ أهنأ، وكل عَدو صَغِير أَو كَبِير إِذا كَانَ حميما فَهُوَ أعدى وَأَشد حسداً، وَمن لم يعرف مَأْوَاه فمحذور قربه،
والدول تنْتَقل والأرزاق مقسومة فأجملوا فِي الطّلب وارحموا الْمِسْكِين واعطفوا على الضَّعِيف تجازوا بِهِ وتثابوا، وَالْقَضَاء جالب يجلب الْأُمُور، وَخير النّوم مَا يذهب الإعياء والكسل،
وَمَعْرِفَة الْأَشْيَاء بالحواس الْخمس جودة الشَّيْء بِالنّظرِ أَن يكون حسنا رائقاً، وبالخيشوم إِذا كَانَ طيبا أرجاً، وبالمذاق إِذا كَانَ حلواً عذباً، وبالسمع أَن يكون صافي الوقع وَالصَّوْت، وباللمس أَن يكون لينًا نَاعِمًا. وَكَانَت الْعَجم تَقول: الْقلب وَالْبَصَر شريكان، والطعم والحس متفقان، والفطنة وَالْحِفْظ رفيقان، والسمع والمنطق مجتمعان. \ وَخير النَّاس السهل الطلق الْوَجْه المتواضع، وفراسه الرجل السوء أَن يكون منقبضاً غير منشرح، وَأَن يرى لَونه إِلَى الصُّفْرَة والكمود من غير مرض، وَأَن يكون طائش الْقلب، وَأَن يكون للدعابة والمزاح كَارِهًا لَهُ عائباً، وَأَن ترَاهُ غليظ اللَّفْظ عِنْد المحاورة.
وَمن فراسة الرجل الصَّالح أَن ترَاهُ سهلا طلقاً ذَا منظر بهى وَكَلَام شهى، سبط الجبين غير منقبض وَلَا نزق علق قلق، وَغير كَارِه للدعابة والمزاح، يذكر من يذكر بِخَير لين المحاورة متواضعاً.
وَزعم سَابُور الْملك أَنه لَيْسَ يَنْبَغِي للعاقل أَن يعْتد بقول سَبْعَة من النَّاس: بقول السَّكْرَان، والدلال، والمضحك، والعليل، والعراف، والنمام، وَالنِّسَاء، تمّ الْكتاب وَللَّه الْمِنَّة وَالْحَمْد كَمَا هُوَ أَهله. وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَسلم.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع