من «التبصرة بالتجارة» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
بَاب مَا يعْتَبر من الْجَوَاهِر النفيسة ومعرفتها وَقيمتهَا
زَعَمُوا أَن معرفَة جَوْهَر اللُّؤْلُؤ أَنَّك تَجِد مذاقته على ضَرْبَيْنِ: عذب المذاقة عماني، وملح المذاقة قلزمي كِلَاهُمَا يرسب فِي المَاء، والمعمول مِنْهُ تَجدهُ مر المذاق مَعَ دسومة فِيهِ وَهُوَ خَفِيف الْوَزْن يطفو على المَاء.
وَزَعَمُوا أَن اللُّؤْلُؤ إِذا كَانَ فِي بَاطِنهَا دودة فَإنَّك تجدها حارة المص واللمس
فَإِن ذَلِك لِلْعِلَّةِ النفسانية، وَإِذا لم يكن بهَا دودة كَانَت بَارِدَة المص واللمس وامتحانها بذلك.
وَزعم البحريون أَن اللُّؤْلُؤ الْكِبَار الْمُتَغَيّر اللَّوْن تلف عَلَيْهِ الألية الطرية المشرحة وَتُؤْخَذ فِي جَوف عجين وَيدخل التَّنور ويبالغ فِي إحمائه فَإِنَّهُ يصفو وَيحسن وَيعود إِلَيْهِ المَاء، وَإِذا بخر بكافور كَانَ ذَلِك، وَإِذا عولج بمخ الْعظم وبماء الْبِطِّيخ فَإِنَّهُ يصفو.
وَمَعْرِفَة اللولؤ اللحمي الْجَوْهَرِي من الصدفى الْعُظْمَى هُوَ أَن الْجَوْهَرِي يكون مستوى الصُّورَة لينًا أملس، والعظمي يكون خشناً غير مستوى الهيكل. وَخير اللُّؤْلُؤ الصافي الْعمانِي المستوى الْجَسَد الشَّديد التدحرج والاستواء، وَإِذا كَانَت حبتان متساويتين فِي الشكل وَالصُّورَة واللون وَالْوَزْن كَانَ أرفع لثمنهما، والعماني أنفس وَأَرْفَع من القلزمى لِأَن الْعمانِي عذب نقي صَاف، والقلزمي فِيهِ ملوحة مَعَ عيب كثير.
وَإِذا بلغت الْحبَّة نصف مِثْقَال سميت درة، والمدحرجة المعتدلة فِي التدور إِذا بلغ وَزنهَا نصف مِثْقَال رُبمَا بلغت فِي الثّمن ألف مِثْقَال ذَهَبا، والبيضية دون ذَلِك فِي الثّمن، وأثمانها ترْتَفع على زِيَادَة وَزنهَا وتدحرجها، وَإِذا بلغ وَزنهَا مثقالين وَإِن شِئْت جعلت ثمنهَا عشرَة آلَاف دِينَار وَأَن شِئْت مائَة ألف دِينَار، والمدحرجة على هَذَا الْوَزْن وَالصّفة لَا قيمَة لَهَا، وَهِي فريدة، وَكلما كَانَت أصفى وأنقى كَانَ
أرفع لثمنها وأنفس، والدرة الْيَتِيمَة قلزمية، زَعَمُوا أَن وَزنهَا ثَلَاثَة مَثَاقِيل، وَالصغَار من اللُّؤْلُؤ مرجانه:
وَخير الْيَاقُوت البهرمانى ثمَّ الْأَحْمَر المورد، ثمَّ الْأَصْفَر، ثمَّ الاسمانجونى وأدونه الْأَبْيَض، والياقوت من جبل سرنديب بِالْهِنْدِ، وتعرف اليواقيت من المعمولات بخصال ثَلَاث: برزانتها فِي الْوَزْن، وبرودتها فِي الْفَم عِنْد المص، وَعمل الْمبرد فِيهَا، لِأَن الْيَاقُوت حجر ثقيل الْوَزْن، بَارِد فِي الْفَم بطيء عمل الْمبرد فِيهِ، والمعمول مِنْهَا يكون خَفِيف الْوَزْن، حَار المص، سريع الْمبرد فِيهِ. وَخير الْيَاقُوت الصافي النقي المضيء من أى لون كَانَ، وارتفاع الْقيمَة على قدر كبرها وصغرها والياقوت الْأَحْمَر البهرماني الصافي إِذا بلغ وَزنه نصف مِثْقَال رُبمَا بلغ فِي الثّمن خَمْسَة آلَاف دِينَار،
وَكَانَ وزن فص الْخَاتم الَّذِي يُسمى " الْجَبَل " مثقالين قوم بِمِائَة ألف دِينَار
وَاشْتَرَاهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار. والياقوت الاسمانجوني رُبمَا بلغ الفص مِنْهُ مِائَتي دِينَار.
وَخير الزبرجد الشَّديد الخضرة، الصافي الْجَوْهَر، وَمَعْرِفَة الزبرجد الْفَائِق من الْمَعْمُول الْمُتَّخذ كمعرفة اليواقيت: برزانته وبرودة مذاقته وَعمل الْمبرد فِيهِ على مهل، والمعمول مِنْهُ رخو خَفِيف الْوَزْن، حَار فِي المذاق، يسْرع فِيهِ،
وَزَعَمُوا أَن خير الزبرجد الناضر الصافي النقي، فَإِذا بلغ قِطْعَة مِنْهُ نصف مِثْقَال بلغ فِي الثّمن ألفي مِثْقَال ذَهَبا، وارتفاع الْقيمَة على مِقْدَار كبره وصغره،
وَكَانَ فص الْخَاتم الَّذِي يُسمى وَزنه ثَلَاثَة مَثَاقِيل اشْتَرَاهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَهُوَ الْيَوْم فِي خزانَة بعض الْخُلَفَاء.
وَخير الفيروزج الشيربام الْأَخْضَر الاسمانجوني الصافي الْعَتِيق، والفيروزج
حجر لَا يعْمل الْمبرد فِيهِ وَلَا يتَغَيَّر فِي النَّار وَالْمَاء الْحَار، وَغَايَة ثمن فص فيروزج إِذا بلغ وَزنه نصف مِثْقَال عشرُون دِينَارا.
وَخير العقيق الْيَمَانِيّ الشَّديد الْحمرَة الَّذِي يرى فِي وَجهه شبه الخطوط، وَكلما كَانَ أصفى وأضوأ كَانَ أَجود فِي الثّمن.
وَخير البيجاذى الْأَحْمَر الشَّديد الْحمرَة الملتهب لَونه التهاب النَّار، وَكلما كَانَ أَصْلَب وأكبر كَانَ أنفس وأثمن، والمعمول مِنْهُ رخو، وامتحان جودته من رداءته أَنَّك إِذا قربته من الريش احتمله، وَكلما كَانَ أحمل للريش كَانَ أَجود، وَغَايَة ثمن فص بيجاذى فائق إِذا بلغ وَزنه نصف مِثْقَال ثَلَاثُونَ دِينَار. والجوهر النفيس لَا قيمَة لَهُ وَذَلِكَ لاتساع ضوئه وانتشار شعاعه بِاللَّيْلِ.
والبلور يخْتَار لصفائه وعظمه، وَخير الزّجاج البلوري الصافي الْأَبْيَض النقي،
والفرعوني الْفَائِق. وَخير الماس البلوري الصافي الْأَبْيَض النقي، ثمَّ الْأَحْمَر، وَإِذا بلغ وَزنه نصف مِثْقَال بلغ فِي الثّمن مائَة دِينَار، وَكلما كَانَ أكبر وَأعظم كَانَ أبلغ فِي الثّمن وَأَرْفَع.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع