من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
ذكر البحار والأنهار
اعلم انّا لم نر في الإسلام الّا بحرين حسب أحدهما يخرج من نحو مشارق الشتاء بين بلد الصين وبلد السودان فإذا بلغ مملكة الإسلام دار على جزيرة العرب كما مثّلناه وله خلجان كثيرة وشعب عدّة وقد اختلف الناس في وصفه والمصوّرون في تمثيله فمنهم من جعله شبه طيلسان يدور ببلد الصين والحبشة وطرف بالقلزم وطرف بعبّادان وابو زيد جعله شبه طير منقاره بالقلزم ولم يذكر شعبة ويلة وعنقه بالعراق وذنبه بين حبشة والصين ورايته ممثّلا على ورقة في خزانة أمير خراسان وعلى كرباسة عند ابى القاسم ابن الانماطىّ بنيسابور وفي خزانة عضد الدولة والصاحب وإذا كلّ مثال يخالف الآخر وإذا في بعضهنّ خلجان وشعب لا أعرفها واما انا فسرت فيه نحو ألفي فرسخ ودرت على الجزيرة كلّها من القلزم الى عبّادان سوى ما توّهت بنا المراكب الى جزائره ولججه وصاحبت مشايخ فيه ولدوا ونشؤا من ربّانيّين واشاتمة ورياضيّين ووكلاء وتجار ورايتهم من أبصر الناس به وبمراسيه وارياحه وجزائره فسألتهم عنه وعن أسبابه وحدوده ورأيت معهم دفاتر في ذلك يتدارسونها ويعوّلون عليها ويعملون بما فيها فعلّقت من
ذلك صدرا صالحا بعد ما ميّزت وتدبّرت ثم قابلته بالصور التي ذكرت وبينا انا يوما جالس مع ابى عليّ بن حازم انظر في البحر ونحن بساحل عدن إذ قال لي ما لي أراك متفكّرا قلت أيّد الله الشيخ قد حار عقلي في هذا البحر لكثرة الاختلاف فيه والشيخ اليوم من اعلم الناس به لانه امام التجار ومراكبه ابدا تسافر الى اقاصيه فان رأى ان يصفه لي صفة اعتمد عليها وارجع من الشّك اليها فعل فقال على الخبير بها سقطت ثم مسح الرمل بكفّه ورسم البحر عليه لا طيلسان ولا طير وجعل له معارج متلسّنة وشعبا عدّة ثم قال هذه صفة هذا البحر لا صورة له غيرها، وانا أصوّره ساذجا وأدع الشعب والخلجان الّا شعبة ويلة لشهرتها وشدّة الحاجة الى معرفتها وكثرة الاسفار فيها وأدع ما اختلفوا فيه وارسم ما اتّفقوا عليه وعلى الأحوال كلّها لا شكّ انه يدور على ثلاثة أرباع جزيرة العرب وان له لسانين كما ذكرنا من نحو مصر يفترقان على طرف الحجاز بموضع يسمّى فاران وعظم هذا البحر وامتناعه بين عدن وعمان حتّى يصير اتّساعه نحو ستّمائة فرسخ ثم يصير لسان الى عبّادان، ومواضع الخوف في المملكة جبيلان موضع غرق فرعون وهي لجّة القلزم وفيها تسير المراكب في العراض لترجع من البرّ الغامر الى البرّ العامر ثم فاران وهو موضع تهبّ فيه الرياح من مصر والشام فتتحاذيان وفيه هلاك المراكب ومن رسمهم ان يبعثوا رجالا يرقبون الريح فإذا سكنت الرياح أو غلبت التي هم من نحوها ساروا والّا
أقاموا المدّة الطويلة الى وقت الفرج ثم مرسى الحوراء كثير العرى تغترّ فيه المراكب عند دخوله، ومن القلزم الى الجار عرى صعبة من أجلها لا يسيرون الّا بالنهار والربّان على الجخوار منكبّ يطّلع في البحر فإذا ظهرت عراة صلح يمينا وشمالا وقد رتّب صبيّان يصرخان بذلك وصاحب السكّان بيده حبلان يجذبهما يمينا وشمالا إذا سمع النداء وان غفلوا عن ذلك صدم العرى المركب فاعطبته ثم عن جزيرة الصلاب مضيق يتّقى فيه للمراكب ويوجل فمن أخذ ذات الشمال كان في سعة البحر ثم جابر وهو موضع سوء يرى فيه قعر البحر وذلك القصير كثيرا ما يعطب فيه المراكب وعند دخول كمران خوف وشدّة والمندم مضيق صعب لا يسلك الّا في شباب الريح وقوّتها ثم يتلجلج البحر الى عمان وترى ما ذكر الله امواجا كالجبال الراسيات الّا انه سليم في الذهاب مخوف في الرجعة من العطب والغرق جميعا ولا بدّ في كلّ مركب من مقاتلة ونفّاطين ثم مرسى عمان ردىّ مهلك ثم فم السّبع مصيق مخوف ثم الخشبات التي تنسب الى البصرة وهي الطامّة الكبرى مضيق وبحر رقيق وقد نصب في البحر جذوع عليها بيوت ورتّب فيها قوم يوقدون بالليل حتّى يتباعد عنهم المراكب من رقّة تلك المواضع وسمعت شيخا يقول وقد لحقتنا ثمّ شدّة وضرب المركب الأرض عشر مرّات هذا موضع يسافر فيه أربعون مركبا فيرجع واحد، ولا أحبّ ان أطوّل هذا الأصل والّا ذكرت مراسى هذا البحر والطرق فيه ولهذا البحر الصينىّ زيادات في وسط الشهر واطرافه وفي كلّ يوم
وليلة مرّتين ومنه جزر البصرة ومدّها إذا زاد دفع دجلة فانقلبت في أفواه الأنهار وسقت الضياع فإذا نقص جزر الماء، وقد اختلف الناس في سببه فقال قوم ملك يغمس فيه إصبعه كلّ يوم فيمدّ فإذا رفع إصبعه جزر وقال كعب الأحبار لقي الخضر ملكا فقال أخبرني عن المدّ والجزر فقال الملك ان الحوت يتنفّس فينساب الماء الى منخريه فذلك الجزر ثم يتنفّس فيخرجه من منخريه فذلك المدّ، وروى لنا فيه وجه آخر اذكره في إقليم العراق وفيه ضيق وعمق أحرجه راس الجمجمة الى الدّيبل ثم بعده بحر لا يدرك عمقه وفيه من الجزائر ما لا يحصى كثرة فيها ملك من العرب يقال ان بها الفا وسبعمائة جزيرة تملكهنّ امرأة وزعم من دخل مملكتها انها تجلس لرعيّتها على سرير عريانة وعليها تاج وعلى رأسها اربعة آلاف وصيفة قياما عراة ثم بحر هركند وهو قاموس فيه مرنديب تكون ثمانين فرسخا في مثلها فيها جبل آدم الّذي اهبط فيه اسمه الرهن يرى من مسيرة أيّام عليه اثر قدم قد غرقت نحو سبعين ذراعا والأخرى على مسيرة يوم وليلة في البحر يرى عليه كلّ ليلة نور وثمّ يوجد الياقوت أجوده ما أحدره الريح وفيه ريحان شبه المسك وفيها ثلاثة ملوك وثمّ شجر كافور لا يرى
أطول من شجرته بيضاء تظلّ أكثر من مائتي رجل ينقر أسفلها فينساب عليه الكافور كالصمغ ثم تبطل الشجرة، تليها جزيرة الكلب فيها معادن الذهب طعامهم النارجيل بيض عراة حسان يتّصل بها جزيرة الرّمى فيها أشجار البقّم تغرس غرسا ثمرها يشبه الخرنوب مرّ وعروقها شفاء من سمّ ساعة، وجزيرة أسقوطرة كأنها صومعة في البحر المظلم وهي سدّ البوارج ومنهم تخاف المراكب ولم تزل في هلع حتّى جاوزنها، وهو ابرك البحرين واحمدهما عاقبة والبحر الآخر خروجه من أقصى المغرب بين السوس الأقصى والأندلس يخرج من المحيط عريضا ثم ينخرط ثم يعود فيعظم الى تخوم الشام وسمعت بعض مشايخ المغرب يفسّر هذه الآية رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ قال المغربان هذان الوجهان من هذا البحر مغرب الصيف عن يمينه ومغرب الشتاء عن يساره وسمعت جماعة منهم يذكرون انه يضيق في حدود طنجة حتّى يكون......... واتّفقوا على انه عند معابر الأندلس إذا عاينت هذا البرّ تراءى لك البرّ الآخر، وذكر ابن الفقيه ان طول بحر الروم الدبورىّ ألفان وخمسمائة فرسخ من انطاكية الى جزائر السعادة وعرضه في مكان خمسمائة فرسخ وفي مكان مائتا فرسخ، فما كان من ناحية القبلة من طرسوس الى
دمياط ثم الى السوس كلّهم مسلمون وما كان من الجهة الأخرى يعنى يسار البحر فنصارى، وفيه ثلاث جزائر عامرة آهلة اصقليّة تقابل المغرب واقريطش تقابل مصر وقبرص تقابل الشام وله خلجان معروفة وعلى حافته بلدان كثيرة وثغور جليلة ورباطات فاضلة وجهة منه على تخوم الروم الى حدود الأندلس والغالب عليه الروم وهو مخوف منهم جدّا وهم وأهل اصقليّة والأندلس أخبر الناس به وحدوده وخلجانه لانهم يسافرون فيه ويغزون من هو يليهم وفيه طرقهم الى مصر والشام وقد ركبت معهم المدّة الطويلة ابدا أسائلهم عنه وعن أسبابه واعرض عليهم ما سمعت فيه فقلّ ما رايتهم يختلفون فيه وهو بحر صعب هائج تسمع له ابدا جلبة خاصّة ليالي الجمع، أخبرنا الفقيه ابو الطيّب عبد الله بن محمّد الجلال بالريّ قال حدّثنا احمد بن محمّد بن يزيد الأستراباذيّ قال حدّثنا العبّاس بن محمّد قال حدّثنا ابو سلمة قال حدّثنا سعيد بن زيد قال حدّثنا ابن يسار عن عبد الله بن عمرو قال ان الله لمّا خلق بحر الشام اوحى اليه انّى خلقتك وانّى حامل فيك. عبادا لي يبتغون من فضلي يسبّحوننى ويقدّسوننى ويكبّروننى ويهلّلوننى فكيف أنت صانع بهم قال ربّ إذا أغرقهم قال اذهب فقد لعنتك وسأقلّ حليتك وصيدك واوحى الى بحر العراق مثل ذلك فقال ربّ إذا احملهم
على ظهري فإذا سبّحوك سبّحتك معهم وإذا قدّسوك قدّستك معهم وإذا كبّروك كبّرتك معهم قال اذهب فقد باركت فيك سأكثر حليتك وصيدك، وهذا دليل على ان ليس الّا بحران ولا أدرى هذان البحران يقلبان في المحيط أم يخرجان منه وقرأت في بعض الكتب انهما يخرجان منه وهما الى القلب فيه أقرب لانّك إذا خرجت من فرغانة لا تزال تنحدر الى مصر ثم الى أقصى المغرب وأهل العراق يسمّون العجم أهل فوق وأهل الغرب أهل أسفل فهذا يؤيّد ما ذهبنا اليه ويدلّ على انّها انهار اجتمعت فصبّت في المحيط والله اعلم، وجعل ابو زيد البحار ثلاثة زاد المحيط ولم ندخله نحن في الجملة لانه كما يقال مستدير بالعالم كالحلقة لا يعرف له غاية ولا نهاية، واما الجيهانىّ فإنه جعلها خمسة زاد بحر الخزر وخليج القسطنطينيّة ونحن اقتصرنا على ما انبأ الله في كتابه حيث يقول مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ - يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ والبرزخ من الفرما الى القلزم مسيرة ثلاثة أيّام، فان قيل انّما أراد الله تعالى بالبحرين العذب والمالح لأنهما لا يختلطان كما قال وهو الّذي مرج البحرين الآية فالجواب ان اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان من الحلو والله يقول منهما ولا خلاف بين أهل العلم ان اللؤلؤ يخرج من الصينىّ والمرجان من الرومىّ فعرفنا انه انّما أراد هذين البحرين، فان قيل البحار سبعة لان الله قال ﷿ وَلَوْ أَنَّ ما في
الْأَرْضِ من شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ من بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ وزاد المقلوبة والخوارزميّة فالجواب لم يقل الله تعالى ان البحار سبعة وانّما ذكر بحر العرب وقال ولو ان سبعة مثله جعلت أيضا مدادا كما قال ولو أنّ للّذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه مع انّه يجب بهذا الدعوى ان تكون ثمانية وأيضا فانّا نلتزم هذا السؤال وننتصب فيه فنقول ان البحر هو بحر الحجاز والسبعة بحر القلزم وبحر اليمن وبحر عمان وبحر مكران وبحر كرمان وبحر فارس وبحر هجر فهذه ثمانية كما نطقت الآية فان قيل يلزمك بهذا التأويل ان تكون أكثر من عشرة لأنك تركت بحر الصين وبحر الهند وبحر الزنج فالجواب من وجهين أحدهما ان الله تعالى خاطب العرب بما يعرفونه ويعاينونه ليوكّد عليهم الحجّة وما كانت أسفارهم الّا في هذه البحار الا ترى ان هذا البحر بهذه الأسامي يدور على دبار العرب من القلزم الى عبّادان والوجه الآخر لا ننكر ان يكون البحار كثيرة وذكر الله تعالى منها في هذه الآية ثمانية فان قيل هذا يرجع عليك ويلزمك ان البحار تجوز ان تكون سبعة وانّما ذكر الله منها في تلك الآية بحرين فالجواب هذا لا يشبه ذلك لان الله تعالى قال في تلك مرج البحرين يلتقيان فاشار الى بحرين معهودين والالف واللام إذا لم يكونا للجنس فانّما هما للتعريف وقال في هذه يمدّه من بعده سبعة أبحر ولم يدخل فيه حرف التعريف فيجوز ان يكون أراد به سبعة من جماعة كما قال سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوما وأيّام الله كثيرة وقال في آية اخرى وعلى الثّلثة الّذين خلّفوا فلا يجوز بان يقال انهم كانوا أكثر فان قيل لمّا وقع الاختلاف في تفسير هذه الآية ورأينا بحر الصين لا يلقى الرومىّ سقط الاحتجاج بها وسلمت لنا الآية الأخرى فوجب ان تكون البحار سبعة فالجواب
قد ارتفع الاختلاف بقوله يخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان وامّا الالتقاء فحدّثني جماعة من مشايخ مصر ان النيل كان يفيض في بحر الصين الى قريب فان قيل تأويلك يوجب التناقض لان فيه انهما يلتقيان وان بينهما على ما ذكرت ثلاثة أيّام وحاشى كتاب الله من التناقض وما تأوّلناه مستقيم لان التقاءهما جريان الحلو فوق المالح والبرزخ المنع من اختلاطهما فالجواب تأويلنا أيضا مستقيم لان أعطينا كلّ معنى حقّه فقلنا الالتقاء ما ذكرناه من صبّ النيل في الصينىّ وطرف النيل اليوم يفيض في الرومىّ فبالنيل التقيا ويقال ان امّ موسى عمّ انّما طرحت تابوته في بحر القلزم فخرج في النيل الى مصر مع ان الالتقاء غير الاجتماع لان الملتقيين يكون بينهما فصل ومسافة وما ذهبوا اليه يسمّى اختلاء لا التقاء، فان قيل لم جعلت بحار الأعاجم من السبعة بعد ما قلت ان الله خاطبهم بما يعرفونه فالجواب فيه من وجهين أحدهما ان العرب قد كانت تسافر الى فارس الا ترى ان عمر بن الخطّاب ﵁ قال انّى تعلّمت العدل من كسرى وذكر خشيته وسيرته والآخر ان من سار الى هجر وعبّادان لا بدّ له من بحر فارس وكرمان وتيز مكران أولا ترى الى كثير من الناس يسمّونه الى حدود اليمن بحر فارس وان أكثر صنّاع المراكب وملّاحيها فرس وهو من عمان الى عبّادان قليل العرض لا يجهل المسافر فيه جهته فان قيل فهلّا قلت هذا في بحر القلزم الى موضع الاتّساع فالجواب قد قلنا ان من القلزم الى عيذاب وما وراءها مفاوز خالية لم يسمع ان
هذا البحر ينسب الى شيء منها مع انّا قد انفصلنا عن هذا في بعض الجوابات، فان قيل كيف يجوز ان تجعل بحرا واحدا ثمانية أبحر فالجواب ان هذا مشهور عند كلّ من ركب البحر الا ترى كيف سمّى الله بحر الروم بحرين حيث يقول وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتّى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا فلمّا بلغا مجمع بينهما الآية وكان هذا كلّه بسواحل الشام واعلام ذلك ظاهرة وصخرة موسى ثمّ بيّنة، فان قيل فلم لا قلت ان معنى قوله مرج البحرين هو بحر واحد أيضا فالجواب هذا لا يجوز لان الله تعالى قال بينهما برزخ والبرزخ حاجر مع انّا نقول لهذا المخالف ان كان الأمر على ما تزعم فأرنا ثمانية بحار في الإسلام فان ذكر المحيط قيل له ذلك على تخوم العالم بغير نهاية تعرف وان ذكر القسطنطينيّ قيل ذاك خليج من الرومىّ يخرج خلف اصقليّة الا ترى انهم ابدا يغزون فيه فان ذكر الخزرىّ قيل له تلك بحيرة الا ترى ان أكثر الناس يسمّونها بحيرة طبرستان أو لم تر الى قرب اطرافها فان قال المقلوبة والخوارزميّة قيل له من جعل هاتين من هذه الجملة لزمه ان يجعل بحيرات الرحاب وفارس وتركستان فيجاوز العشرين فان أنصف رجع الى قولنا والله اعلم واما الأنهار الفائضة في المملكة فالمشهور منها فيها رأيت وميّزت اثنا عشر دجلة والفرات والنيل وجيحون ونهر الشاش وسيحان وجيحان وبردان ومهران ونهر الرّسّ ونهر الملك ونهر الأهواز يجرى فيها السفن ودونها خمسة عشر اخرى نهر المروين ونهر هراة ونهر سجستان ونهر بلخ ونهر الصغد وطيفورى وزندرود ونهر العبّاس وبردي ونهر الاردنّ والمقلوب ونهر انطاكية ونهر ارّجان
ونهر شيرين ونهر سمندر ثم ما بعدهنّ صغار نذكر بعضهنّ في الأقاليم مثل نهر طاب والنهروان والزاب ونظائرهنّ فامّا دجلة فإنها عين تخرج من تحت رباط ذي القرنين عند باب الظلمات باقليم أقور فوق الموصل ثم يلقاها عدّة انهار منها الزاب الى ان يلقاها الفرات وشعب النهروان ببغداد واما الفرات فإنه يخرج من بلد الروم ثم يتقوّس على إقليم اقور ويتشعّب اليه الخابور ثم يدخل العراق ويتبطّح خلف الكوفة ويلقى دجلة منه اربع شعب واما النيل فمخرجه من بلد النوبة ثم يشقّ إقليم مصر فيتشعّب خلف الفسطاط فنهر يفيض بالإسكندريّة ونهر بدمياط، وذكر الجيهانىّ انه يخرج من جبل القمر ثم ينصبّ في بحيرتين خلف خطّ الاستواء ويطيف بأرض النوبة وقال غيره لا يعرف له أوّل ولا يدرى أحد من اين يقبل،
وحدّثنا ابو الحسن الخليل بن الحسن السرخسىّ بنيسابور قال حدّثنا ابو الحسن عليّ بن محمّد القنطريّ قال حدّثنا المأمون بن احمد السلمىّ قال حدّثنا محمّد بن خلف قال أخبرنا ابو صالح كاتب الليث بن سعد عن الليث قال ذكروا والله اعلم انه كان رجل من بنى العيص يقال له حائذ بن ابى شالوم بن العيص وانه خرج هاربا من ملك من ملوكهم حتّى دخل ارض مصر فأقام بها سنين فلمّا رأى عجائب نيلها وما ياتى به جعل للَّه على نفسه ان لا يفارق ساحلها حتّى يبلغ منتهاه من حيث يخرج أو يموت قبل ذلك فسار حتّى انتهى الى بحر أخضر فنظر الى النيل يشقّ البحر (قال المقدسيّ هذا البحر هو المخيط قال فصعد على البحر فإذا هو برجل قائم يصلّى تحت شجرة تفّاح فلمّا رآه استأنس اليه وسلّم عليه فسأله من أنت قال حائذ بن ابى شالوم بن العيص بن إسحاق ﷺ فمن أنت قال انا عمران بن العيص بن إسحاق عم قال فما الّذي جاء بك يا عمران قال جاء بى الّذي جاء بك حتّى انتهيت الى هذا الموضع فأوحى الله تعالى الىّ ان قف في هذا الموضع حتّى يأتيك أمري قال فقال له يا عمران أخبرني عن النيل فقال لست بمخبرك دون ان تفعل ما اسألك قال وما ذاك قال إذا رجعت الىّ وانا حىّ أقمت عندي حتّى يوحى الله الىّ بأمر أو يتوفّانى فتدفننى قال ذاك لك قال له سمر كما أنت على هذا البحر فانّك ستأتي دابّة مقاربة للشمس إذا طلعت أهوت اليها لتبتلعها فلا يهولنّك أمرها فأركبها فإنها تذهب بك الى جانب البحر فسر عليه راجعا حتّى تنتهي الى النيل فسر عليه فإنك ستبلغ أرضا من حديد جبالها وشجرها
وسهولها من ارض ذهب الى ان تنتهي وإذا بقيّة من ذهب فيها ينتهى إليك علم النيل فسار حتّى بلغ القبّة فإذا ماء ينحدر من السور الى القبّة ثم يفترق في الأبواب الأربعة فلمّا ثلاثة فتغيض في الأرض واما واحد فيشقّ على وجه الأرض وهو النيل فشرب منه واستراح وأهوى الى السور ليصعد فأتاه ملك فقال له يا حائذ قف مكانك فقد انتهى إليك علم النيل وهذه الجنّة وذكر الحديث بطوله واما جيحون فان ابتداءه من بلاد وخّان يمدّ الى الختّل ثم يتّسع ويعظم ويقع اليه ستّة انهار نهر هلبك ثم نهر بربان ثم نهر فارغر ثم نهر انذيجاراغ ثم نهر وخشاب وهو اعمقهنّ ثم يلقاه نهر القواديان ثم انهار الصغانيان كلّ ذلك من جانب هيطل ثم ينحدر متبحّرا الى خوارزم فيقرّ في بحيرة مرّة وقد سقى عدّة من المدن مع مدن خوارزم كلّها شرقا وغربا واما نهر الشلش فإنه يخرج عن يمين بلد الترك ويمدّ الى بحيرة خوارزم أيضا وهو يقارب جيحون في العظم الّا انه شبه الميّت واما سيحان وجيحان وبردان فانّهنّ انهار طرسوس وأذنة والمصّيصة يخرجن من بلد الروم ثم يفضن في البحر وكذلك سائر انهار الشام الّا نهر بردي والاردنّ فإنهما يفيضان في البحيرة المقلوبة وبردي يتفجّر من جبال فوق دمشق ويشقّ القصبة ويسقى الكورة ثم ينقسم فضلته فبعض يتبحّر في أقصى الكورة وبعض ينحدر الى الاردنّ واما نهر مهران فإنه يخرج من الهند ثم يفيض
في بحر الصين بعد ما يلقاه عدّة انهار في الأقاليم وطعم مائه ولونه وزيادته وكون التماسيح فيه كالنيل واما نهر الرسّ والملك والكرّ فانهنّ يخرجن من بلاد الروم فيسقين إقليم الرحاب ثم يفضن في بحيرة الخزر واما انهار الأهواز فإنها عدّة انهار تنحدر على الإقليم من الجبال ثم تجتمع بحصن مهدىّ وتفيض في بحر الصين عند عبّادان، ووجدت في كتاب بالبصرة اربعة انهار من الجنّة في الدنيا النيل وجيحون والفرات والرسّ واربعة من انهار النار الزّبدانيّ والكرّ وسنجة والسم واما نهر المروين وهراة وسجستان وبلخ فإنها تخرج من اربعة جوانب بلد الغور ثم تنحدر الى هذه الكور فتسقيها واما طيفورى فإنه ينحدر من جبال جرجان فيسقى الكورة، ونهر الرىّ يخرج من فوق البلد من شبه فوّارة ثم ينشعب وينحدر على البلد، وزندرود ينحدر من جبال أصفهان ثم يدخل اليهوديّة ويسقى الكورة، واما انهار فارس فإنها تفيض في خمس بحيرات في الإقليم ونهر
طاب يقبل من البرج قبل سميرم ثم يمدّ على تخوم فارس ثم يفيض في بحر الصين عند سينيز، ونهر ارّجان يتفجّره من جبال فارس ويقع فيه ماء مالح تحت العقبة ويسقى الكورة بالقسمة
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع