من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
ذكر المذاهب والذمّة
اعلم ان المذاهب المستعملة اليوم في الإسلام التي لها خاص وعام ودعاة وجمع ثمانية وعشرون مذهبا اربعة في الفقه واربعة في الكلام واربعة في الحكم فيهما واربعة مندرسة واربعة في الحديث واربعة غلب عليها اربعة واربعة رستاقيّة، فاما الفقهيّات فالحنفيّة والمالكيّة والشفعويّة والداوديّة، واما الكلاميّات فالمعتزلة والنجّاريّة والكلّابيّة والسالميّة، واما الذين لهم فقه وكلام فالشيعة والخوارج والكرّاميّة والباطنيّة، واما أصحاب الحديث فالحنبليّة والراهويّة والاوزاعيّة والمنذريّة، واما المندرسة فالعطائيّة والثوريّة والأباضيّة والعطاقيّة، واما التي في الرساتيق فالزعفرانيّة والخرّ مدينيّة والأبيضيّة والسرخسيّة، واما التي غلب. عليها اربعة من شكلها الأشعريّة على الكلّابيّة والباطنيّة على القرمطيّة والمعتزلة على القدريّة والشيعة على الزيديّة والجهميّة على النجّاريّة، فهذه جمل المذاهب المستعملة اليوم ثم تنشعب الى فرق لا تحصى ولمّا ذكرنا القاب واسما تتكرّر ولا تزيد على ما ذكرنا يعرف ذلك العلماء وهنّ اربعة ملقّبة واربعة ممتدحة واربعة منكورة واربعة مختلف فيها واربعة لقّب بها أهل الحديث واربعة معناهنّ واحد واربعة يميّزهنّ النحارير، فاما الملقّبة فالروافض والمجبرة والمرجئة والشكّاك، واما الممتدحة فأهل السنّة والجماعة وأهل العدل والتوحيد والمؤمنون وأصحاب الهدى، واما المنكورة فالكلابيّة ينكرون الجبر والحنبليّة ينكرون النصب ومنكرو الصفات ينكرون التشبيه ومثبتوها ينكرون التعطيل، واما المختلف فيها فعند الكرّاميّة الجبر جعل الاستطاعة مع الفعل وعند المعتزلة جعل الشرّ بقدر الله تعالى وان
يقال أفعال العباد مخلوقة الله، والمرجئة عند أهل الحديث من اخّر العمل عن الايمان وعند الكرّاميّة من نفى فرض الأعمال وعند المامونيّة من وقف في الايمان وعند أصحاب الكلام من وقف في أصحاب الكبائر ولم يجعل منزلة بين منزلتين، والشكّاك عند أصحاب الكلام من وقف في القرآن وعند الكرّاميّة من استثنى في الايمان، والروافض عند الشيعة من اخّر خلافة عليّ وعند غيرهم من نفى خلافة العمرين، واما اربعة معناهنّ واحد فالزعفرانيّة والواقفيّة والشّكّاك والرستاقيّة، واما اربعة لقّب بها أهل الحديث فالحشويّة والشكّاك والنواصب والمجبرة، واما التي يميّزهنّ كلّ تحرير فأهل الحديث من الشفعويّة والثوريّة من الحنفيّة والنجّاريّة من الجهميّة والقدريّة من المعتزلة واعلم ان أصل مذاهب المسلمين كلّها منشعبة من اربع الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة وأصل افتراقهم قتل عثمان ثم تشعّبوا ولا يزالون مفترقين الى خروج المهدىّ والارجاء هاهنا هو الوقف في أهل الكبائر يدخل فيه أهل الرأي والحديث، وقالت المعتزلة كلّ مجتهد مصيب في الفروع حسب واحتجّوا بالذين أشكلت عليهم القبلة وقت النبيّ ﷺ فصلّى كلّ قوم الى جهة فلم يأمر من اخطأ بالإعادة بل جعله بمثابة من أصابها وهذه المقالة تعجبني الا ترى ان أصحاب النبيّ ﷺ قد اختلفوا وجعل اختلافهم رحمة وقال بأيّهم اقتديتم اهتديتم وقال سفيان بن عيينة ان الله تعالى لا يعذّب أحدا على ما اختلف فيه العلماء أولا ترى ان القاضي إذا اجتهد في قضيّة لم يجز لغيره ان يبطلها وان كانت عنده خطأ، وقالت طائفة
من الكرّاميّة كلّ مجتهد مصيب في الأصول والفروع جميعا الّا الزنادقة واحتجّ صاحب هذه المقالة وهو قول جماعة من المرجئة بخبر النبيّ ﷺ يفترق امّتى على ثلاث وسبعين فرقة اثنتين وسبعين في الجنّة وواحدة في النار وقال بقيّة الائمّة لا مصيب الّا من وافق الحقّ وهم صنف واحد واحتجّوا بالخبر الآخر اثنتان وسبعون في النار وواحدة ناجية وهذا أشهر الّا ان الأوّل اصحّ اسنادا والله اعلم فان صحّ الأوّل فالهالكة هم الباطنيّة وان صحّ الثاني فالناجية السواد الأعظم ولم أر السواد الأعظم الّا من اربعة مذاهب أصحاب ابى حنيفة بالمشرق وأصحاب مالك بالمغرب وأصحاب الشافعيّ بالشاش وخزائن نيسابور وأصحاب الحديث بالشام واقور والرحاب وبقيّة الأقاليم ممتزجون قد بيّنت ذلك في شرح الأقاليم من هذا الكتاب واما أصحاب القراءات المستعملة اليوم فعلى اربعة أقسام حروف أهل الحجاز وهنّ اربع قراءة نافع وابن كثير وشيبة وابى جعفر وحروف أهل العراق وهنّ اربع حرف عاصم وحمزة والكسائيّ وابى عمرو وقراءة أهل الشام وهي لعبد الله بن عامر، وحروف الخاصّ وهنّ اربع قراءة يعقوب الحضرميّ واختيار ابى عبيد واختيار ابى حاتم وقراءة الأعمش وأكثر الائمّة على ان الجميع على صواب وقد اخترت من المذاهب مذهب ابى حنيفة ﵀ للخلال التي اذكرها في إقليم العراق ومن الحروف مقرا ابى عمران عبد الله بن عمر اليحصبىّ للمعاني التي اصفها في إقليم اقور واعلم ان الناس قد عدلوا عن مذهب ابى حنيفة في اربع صلاة العيدين الّا بزبيد وبيار وصدقة الخيل وتوجيه الميّت عند الموت والتزام
الاضحية الّا ببخارا والرىّ، وعدلوا من مذهب مالك في اربع الصلاة قدّام الامام الّا بالمغرب ويوم الجمعة بمصر وصلاة الجنائز بالشام وفي اكل لحوم الكلاب الّا بمدينتين بالمغرب تباع جهرا وتطرح في هرائس مصر ويثرب سرّا وفي الخروج من الصلاة بتسليمة واحدة الّا ببعض بلدان المغرب وفي المسامحة في تسبيحات الركوع والسجود الّا الجهّال، وعدلوا عن مذهب الشافعيّ في اربع الجهر بالبسملة الّا بالمشرق في مساجد أصحاب وكذلك القنوت في الفجر وفي احضار النيّة مع تكبيرة الافتتاح وفي ترك القنوت في الوتر في غير نصف رمضان الأخير الّا بنسا، وعدلوا عن مذهب داود في اربع تزويج ما فوق الأربع وإعطاء الابنتين النصف ولا صلاة لجار المسجد الّا في المسجد وفي مسألة العول، وعدلوا عن مذهب أصحاب الحديث في اربع المتعة في الحجّ والمسح على العمامة وترك التيمّم بالرمل وانتقاض الوضوء بالقهقهة الّا انه قد وافقهم في الأربع اربعة في القهقهة ابو حنيفة ﵀ وفي المتعة الشيعة وفي التيمّم الشافعيّ وفي المسح على العمامة الكرّاميّة، وعدلوا عن مذهب الشيعة في اربع المتعة ووقوع طلاق الثلاثة والمسح على الرجلين والحيعلة في الأذان، وعدلوا عن مذهب الكرّاميّة في اربع المسامحة في النيّة عند كلّ فريضة وصلاة الفريضة على الدابّة وجواز الصوم لمن اكل بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم وصحّة صلاة من طلعت الشمس وهو فيها، وخالف العوامّ الجميع في اربع تكبير أيّام التشريق
والصلاة قبل العيدين وترك الدخول من منى آخر يوم قبل الزوال وغسل القدم ثلاث مرّات في الوضوء وقلّما رأيت فقهاء ابى حنيفة ﵀ ينفكّون من اربع من الرئاسة مع لباقة فيها والحفظ والخشية والورع وأصحاب مالك من اربع الثقل والبلادة والديانة والسنّة وأصحاب الشافعيّ من اربع النضر والشغب والمروّة والحمق وأصحاب داود من اربع من الكبرة والحدّة والكلام واليسار والمعتزلة من اربع من الطاقة والدراية والفسق والسخريّة والشيعة من اربع البغضة والفتنة واليسار والصيت وأصحاب الحديث من اربع القدوة والهمّة والإنفاق والغلبة والكرّاميّة من اربع التقى والعصبيّة والذلّ والكدية والأدباء من اربع الخفّة والعجب والتصرّف والتجمّل والمقرءين من اربع الطمع واللواطة والرياء والسمعة واما الأديان الذين هم ذمّة فأربعة اليهود والنصارى والمجوس والصابئون ونحن نذكر غلبة كلّ قوم ممّن ذكرنا في مواضعهم بلا ميل ولا تعصّب ان شاء الله تعالى ونصف ما فيهم من خير وشرّ فان قيل أكثر ما ذكرته خطأ وخلاف ما يعرفه الناس حتّى انك خالفت الأصول بجعلك الأقسام رباعيّات وعدلت عن السّباعيّات بعد ما قد علمت ان الله عزّ اسمه خلق السموات والأرض سبعا سبعا والأيّام والليالي سبعا سبعا والأرزاق من سبع ونزل القرآن على سبعة أحرف والمساجد سبعة وذكر ما سنجيب عن بعضه فالجواب انّا قد تحرّزنا بقولنا
المذاهب المستعملة ولم نقل فرق المسلمين، واما وجود الأمر على خلاف ما ذكرنا في البعض فذلك ندر والأغلب ما ذكرنا، واما السامرة فإنهم صنف من اليهود الا ترى ان نبيّهم موسى عم، واما الرباعيّات وان كانت اتّفقت وما تقصّدناها فان لها نظائر في الأصول وهي ان الكتب اربعة وخلق الإنسان من اربع والطبائع اربع والفصول اربعة والأنهار اربعة وأركان الكعبة اربعة وأشهر الحرم اربعة وحدّثنا ابو بكر احمد بن عبدان بالأهواز قال حدّثنا محمّد بن معاوية الأنصاريّ قال حدّثنا إسماعيل بن صبيح عن سفيان
الحريرىّ عن عبد المؤمن عن زكريّا ابى يحيى عن الأصبغ بن نباتة انه سمع عليّا ﵁ يقول ان القرآن نزل ربعا فينا وربعا في عدوّنا وربعا سيرا وأمثالا وربعا فرائض واحكاما، فهذه أصول أيضا لا تنكر
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع