من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
مقدّمات وفصول لا بدّ منها
اعلم انى اسّست هذا الكتاب على قواعد محكمة وأسندته بدعائم قويّة وتحرّيت جهدي الصواب، واستعنت بفهم اولى الألباب،، وسألت الله عزّ اسمه ان يجنّبنى الخطأ والزلل، ويبلغني الرجاء والأمل،، فأعلى قواعده وارصف بنيانه ما شاهدته وعقلته، وعرفته وعلّقته،، وعليه رفعت البنيان وعملت الدعائم والأركان،، ومن قواعده أيضا وأركانه، وما استعنت به على تبيانه،، سؤال ذوى العقول من الناس، ومن لم أعرفهم بالغفلة والالتباس،، عن الكور والأعمال في الاطراف التي بعدت عنها، ولم يتقدّر لي الوصول اليها،، فما وقع عليه اتّفاقهم اثبته، وما اختلفوا فيه نبذته،، وما لم يكن لي بدّ من الوصول اليه والوقوف عليه قصدته وما لم يقرّ في قلبي ولم يقبله عقلي أسندته الى الّذي ذكره أو قلت زعموا وشحنته بفصول وجدتها في خزائن الملوك وكلّ من سبقنا الى هذا العلم لم يسلك الطريق التي قصدتها ولا طلب الفوائد التي أردتها امّا ابو عبد الله الجيهانىّ فإنه كان وزير أمير خراسان وكان صاحب فلسفة ونجوم وهيئة فجمع الغرباء وسألهم عن الممالك ودخلها
وكيف المسالك اليها وارتفاع الخنّس منها وقيام الظلّ فيها ليتوصّل بذلك الى فتوح البلدان ويعرف دخلها ويستقيم له علم النجوم. ودوران الفلك ألا ترى كيف جعل العالم سبعة أقاليم وجعل لكلّ إقليم كوكبا مرّة يذكر النجوم والهندسة وكرّة يورد ما ليس للعوامّ فيه فائدة وتارة ينعت أصنام الهند وطورا يصف عجائب السند وحينا يفصّل الخراج والردّ ورايته ذكر منازل مجهولة ومراحل مهجورة ولم يفصّل الكور ولا رتّب الأجناد ولا وصف المدن ولا استوعب ذكرها بل ذكر الطرق شرقا وغربا وشمالا وجنوبا مع شرح ما فيها من السهول والجبال والاودية والتلال والمشاجر والأنهار وبذلك طال كتابه وغفل عن أكثر طرق الأجناد ووصف المدائن الجياد، واما أبو زيد البلخيّ فإنه قصد بكتابه الأمثلة وصورة الأرض بعد ما قسمها على عشرين جزءا ثم شرح كلّ مثال واختصر ولم يذكر الأسباب المفيدة ولا أوضح الأمور النافعة في التفصيل والترتيب وترك كثيرا من امّهات المدن فلم يذكرها وما دوّخ البلدان ولا وطئ الأعمال الا ترى ان صاحب خراسان استدعاه الى حضرته ليستعين به فلمّا بلغ جيحون كتب اليه ان كنت استدعيتنى لمّا بلغك من صائب رأيي فانّ رأيي يمنعني من عبور هذا النهر فلمّا قرأ كتابه امره بالخروج الى بلخ، وامّا ابن الفقيه الهمذانيّ فإنه سلك طريقة اخرى ولم يذكر الّا المدائن العظمى ولم يرتّب الكور والأجناد وادخل في كتابه ما لا يليق به من العلوم مرّة يزهد في الدنيا وتارة يرغب فيها ودفعة يبكى وحينا يضحك ويلهى، وامّا الجاحظ وابن خرداذبه فان كتابيهما
مختصران جدّا لا يحصل منهما كثير فائدة، فهذا ما وقع إلينا من المصنّفات في هذا الباب بعد البحث والطلب وتقليب الخزائن والكتب وقد
اجتهدنا في ان لا نذكر شيئا قد سطروه، ولا نشرح امرا قد أوردوه،، الّا عند الضرورة لئلّا نبخس حقوقهم، ولا نسرق من تصانيفهم،، مع انّه لا يعرف فضل كتابنا هذا الّا من نظر في كتبهم أو دوّخ البلدان وكان من أهل العلم والفطنة ثم انّى لا أبرّئ نفسي من الزلل، ولا كتابي من الخلل، ولا اسلّمه من الزيادة والنقصان ولا أفلته من الطعن على كلّ حال، وبعد فانّ شرحنا الأسباب التي شرطناها في الخطبة يتفاوت في الأقاليم ولا يتساوى لانّا انّما نذكر ما نعرف وليس هو علم يطّرد بالقياس فيتساوى، وانّما يدرك بالمعاينة والخبر فينهى،، وفي كتابنا هذا اختصار لفظ يدلّ على معان مثل قولنا لا نظير له نريد
ان ليس مثله بتّة مثل معنّقة بيت المقدس ونيدة مصر وليمو البصرة وهذه أشياء لا يرى مثلها وان كانت أجناسا، فان قلنا غاية فإنها تعنى في الجودة من الأجناس مثل اجّاس العمرىّ بشيراز وتين الدمشقيّ بالرملة ومشمش العصلونىّ والريباس بنيسابور، فان قلنا جيّد فقد يكون أجود منه............ الطائفيّ ونيل أريحا خير منه الزّبيدىّ وخوخ مكّة اسرى منه الدارقىّ، وربّما اجملنا القول وتحته شرح مثل قولنا في الأهواز ليس لجامعها حرمة وذلك انه ابدا مملوّ بخلق من الشطّار والسوقة والجهّال يتّعدون اليه ويجتمعون فيه ثم لا يخلو من قوم جلوس والناس في الفريضة وهو بيت الشّحاذين ومركز للفاسقين، وكقولنا ولا أعز من أهل بيت المقدس لأنك لا ترى بها بخسا ولا تطفيفا ولا شربا ظاهرا ولا سكران ولا بها دور فسق سرّا ولا اعلانا مع تعبّد وإخلاص ولقد بلغهم ان الأمير يشرب فتسوّروا عليه داره وفرّقوا أهل مجلسه، ومثل قولنا في شيراز لا مقدار لأهل الطيالسة بها وذلك انه لباس الشريف والوضيع والعالم والجاهل وكم قد رأيت بها من سكارى قد بعثروا بطيالسهم وسحبوها وكنت إذا استأذنت على الوزير وانا مطيلس حجبت الّا إذا عرفت وإذا أتيت بدرّاعة أذن لي، وربّما ذكّرنا وانّثنا في ذكر بلدة واحدة فالتذكير مصروف الى مصر والتأنيث الى قصبة ومدينة مع ان أهل الأدب قد أجازوا ذلك فيما ليس له روح، والبلد يعمّ المصر والقصبة والرستاق والكورة والناحية وإذا وصفنا قصبة في كورتها ذكرناها باسمها مثل الفسطاط ونموجكث واليهوديّة وان ذكرناها في موضع اخر ذكرناها باسمها المعروف عند الناس فقلنا مصر بخارا أصبهان، وكلّما قلنا المشرق فهي دولة آل سامان فان قلنا الشرق أردنا أيضا فارس وكرمان والسند فان قلنا المغرب فهو الإقليم فان قلنا الغرب تبع ذلك مصر والشام وقد اودعناه
شيئا من الغوامض والمعاني ليجلّ ويقلّ واوردنا فيه الحجج توثّقا والحكايات تحقّقا والسجع تظرّفا والاخبار تبرّكا وبسطنا أكثره ليقف عليه العوامّ إذا تأمّلوه ورتّبناه على طرق الفقه ليجلّ عند العلماء إذا تدبّروه وذكرنا الاختلافات تبحّرا والنكت تحرّزا وطوّلناه بوصف المدن لمعان شتّى وذكرنا الشؤون لفوائد لا تخفى وأوضحنا الطرق لان الحاجة اليها اشدّ وصوّرنا الأقاليم لان المعرفة بها اروج وفصّلنا الكور لان ذلك أصوب، وقد استخرنا الله تعالى قبل جمعه وسألناه التوفيق والمعونة بعد ما استشرنا صدور الزمان والأئمّة وحملنا محضره الى القاضي المختار عالم خراسان وأوفر قضاة الزمان فكلّ أشار به وقبله وبعث على إحضاره ومدحه وقد ذكرنا ما رأيناه وحكينا ما سمعناه فما صحّ عندنا بالمعاينة واخبار التواتر أرسلنا به القول وما شككنا فيه أو كان من طريق الآحاد اسندناه الى الّذي منه سمعناه، ولم نذكر في كتابنا الّا صدرا مشهورا أو عالما مذكورا أو سلطانا جليلا الّا عند ضرورة أو خلال حكاية ولو قارة ذلك ان نسمّيه رجلا ونذكر محلّه لئلّا يدخل في جملة الاجلّة، واعلم. انّى مع هذه الوثائق والشروط لم أظهره حتّى بلغت الأربعين، ووطئت جميع الأقاليم
وخدمت أهل العلم والدين،، واتّقف وفاء ذلك بمصر فارس في دولة أمير المؤمنين ابى بكر عبد الكريم الطائع للَّه وعلى المغرب ابو منصور نزار العزيز باللَّه أمير المؤمنين سنة ولم نذكر الّا مملكة الإسلام حسب ولم نتكلّف ممالك الكفّار لأنها لم ندخلها ولم نر فائدة في ذكرها بلى قد ذكرنا مواضع المسلمين منها، وقد قسمناها اربعة عشر إقليما وأفردنا أقاليم العجم عن أقاليم العرب ثم فصّلنا كور كلّ إقليم ونصبنا امصارها وذكرنا قصباتها ورتّبنا مدنها واجنادها بعد ما مثّلناها ورسمنا حدودها وخططها وحرّرنا طرقها المعروفة بالحمرة وجعلنا رمالها الذهبيّة بالصفرة وبحارها المالحة بالخضرة وأنهارها المعروفة بالزرقة وجبالها المشهورة بالغبرة ليقرب الوصف الى الافهام، ويقف عليه الخاصّ والعامّ،، والأقاليم العربية جزيرة العرب ثم العراق ثم اقور ثم الشام ثم مصر ثم المغرب وأقاليم العجم أوّلها المشرق ثم الديلم ثم الرحاب ثم الجبال ثم
خوزستان ثم فارس ثم كرمان ثم السند، وبين أقاليم العرب بادية ووسط أقاليم الأعاجم مفازة لا بدّ من افرادهما والاستقصاء في وصفهما لشدّة الحاجة اليهما وكثرة الطرق فيهما، واما البحار والأنهار فقد أفردنا لهما بابا كافيا لشدّة الحاجة اليه والأشكال فيه
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع