من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
ذكر ما عاينت من الأسباب
اعلم ان جماعة من أهل العلم ومن الوزراء قد صنّفوا في هذا الباب وان كانت مختلّة غير ان أكثرها بل كلّها سماع لهم ونحن فلم يبق إقليم الّا وقد دخلناه، واقلّ سبب الّا وقد عرفناه وما تركنا مع ذلك البحث والسؤال والنظر في الغيب فانتظم كتابنا هذا ثلاثة أقسام أحدها ما عاينّاه والثاني ما سمعناه من الثقات والثالث ما وجدناه في الكتب المصنّفة في هذا الباب وفي غيره، وما بقيت خزانة ملك الّا وقد لزمتها، ولا تصانيف فرقة الّا وقد تصفّحتها، ولا مذاهب قوم الّا وقد عرفتها،، ولا أهل زهد الّا وقد خالطتهم، ولا مذكّر وبلد الّا وقد شهدتهم،، حتّى استقام لي ما ابتغيته في هذا الباب، ولقد سمّيت بستّة وثلاثين اسما دعيت وخوطبت بها مثل مقدسي وفلسطيني ومصرى ومغربي وخراسانى وسلمى ومقرى وفقيه وصوفى وولى وعابد وزاهد وسيّاح وورّاق ومجلّد وتاجر ومذكّر وامام ومؤذّن وخطيب وغريب وعراقي وبغدادي وشامي وحنيفى ومتأدّب وكرىّ ومتفقّه ومتعلّم وفرائضي واستاذ ودانشومند وشيخ ونشاسته وراكب
ورسول وذلك لاختلاف البلدان التي حللتها وكثرة المواضع التي دخلتها، ثم انه لم يبق شيء ممّا يلحق المسافرين الّا وقد أخذت منه نصيبا غير الكدية وركوب الكبيرة فقد تفقّهت وتأدّبت، وتزهّدت وتعبّدت، وفقّهت وادّبت،، وخطبت على المنابر، واذّنت على المنائر،، واممت في المساجد وذكّرت في الجوامع واختلفت الى المدارس، ودعوت في المحافل وتكلّمت في المجالس، واكلت مع الصوفيّة الهرائس،، ومع الخانقائيّين الثرائد، ومع النواتىّ العصائد، وطردت في الليالي من المساجد،، وسحت في البراري، وتهت في الصحاري،، وصدقت في الورع زمانا، واكلت الحرام عيانا،، وصحبت عبّاد جبل لبنان، وخالطت حينا السلطان،، وملكت العبيد، وحملت على راسى بالزبيل،، وأشرفت مرارا على الغرق، وقطع على قوافلنا الطرق،، وخدمت القضاة والكبرا، وخاطبت السلاطين والوزراء،، وصاحبت في الطرق الفسّاق، وبعت البضائع في الأسواق،، وسجنت في الحبوس، وأخذت على انى جاسوس،، وعاينت حرب الروم في الشواني، وضرب النواقيس في الليالي،، وجلّدت المصاحف بالكرى، واشتريت الماء بالغلاء،، وركبت الكنائس والخيول، ومشيت في السمائم والثلوج،، ونزلت في عرصة الملوك بين الاجلّة، وسكنت بين الجهّال في محلّة الحاكة،، وكم نلت العزّ والرفعة، ودبّر في قتلى غير مرّة،، وحججت وجاورت، وغزوت ورابطت،، وشربت بمكّة من السقاية السويق، واكلت الخبز والجلّبان بالسيق، ومن ضيافة إبراهيم الخليل، وجمّيز عسقلان السبيل،، وكسيت خلع الملوك وأمروا لي بالصلات، وعريت وافتقرت مرّات، وكاتبني السادات،، ووبّخنى الاشراف، وعرضت عليّ الأوقاف، وخضعت للاخلاف،، ورميت بالبدع، واتّهمت بالطمع،، وأقامني الأمراء والقضاة أمينا،
ودخلت في الوصايا وجعلت وكيلا،، وامتحنت الطرّارين، ورأيت دول العيّارين،، واتبعنى الأرذلون، وعاندني الحاسدون،، وسعى بى الى السلاطين،، ودخلت حمّامات طبريّة، والقلاع الفارسيّة،، ورأيت يوم الفوّاره، وعيد برباره،، وبئر بضاعة، وقصر يعقوب وضياعه،، ومثل هذا كثير ذكرنا هذا القدر ليعلم الناظر في كتابنا انّا لم نصنّفه جزافا، ولا رتّبناه مجازا،، ويميّزه من غيره فكم بين من قاسي هذه الأسباب وبين من صنّف كتابه في الرفاهيّة ووضعه على السماع، ولقد ذهب لي في هذه الاسفار فوق عشرة آلاف درهم سوى ما دخل عليّ من التقصير في أمور الشريعة ولم يبق رخصة مذهب الّا وقد استعملتها قد مسحت على القدمين وصلّيت بمدهامّتان ونفرت قبل الزوال وصلّيت الفريضة على الدوابّ، ومع نجاسة فاحشة على الثياب،، وترك التسبيح في الركوع والسجود وسجود السهو قبل التسليم وجمعت بين الصلوات، وقصرت لا في سفر الطاعات،، غير انّى لم اخرج عن قول الفقهاء الائمّة، ولم أؤخّر صلاة عن وقتها بتّه،، وما سرت في جادّة وبيني وبين مدينة عشرة فراسخ فما دونها الّا فارقت القافلة وانفتلت اليها لانظرها قديما وربّما اكتريت رجالا يصحبونى وجعلت مسيري في الليل لأرجع الى رفقائي مع اضاعة المال والهمّ
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع