من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
ذكر الخصائص في الأقاليم
اظرف الأقاليم العراق وهو اخفّ على القلب واحدّ للذهن وبها تكون
النفس أطيب والخاطر ادقّ إذا كانت كغاية، واجلّها وأوسعها فواكه وأكثرها علما وأجلّة وبردا المشرق، وأكثرها صوفا وقزّا ودخلا على قدره الديلم، وأجودها البانا واعسالا والذّها اخبازا وأمكنها زعفرانا الجبال، وأكثرها ثمارا وارخصها اسعارا ولحوما وأثقلها قوما الرحاب، وأسفلها قوما واشرّهم أصلا وفصلا خوزستان، وأحلاها تمورا واوطأها قوما كرمان، وأكثرها فانيدا وارزازا ومسكا وكفّارا السند، واكيسها قوما وتجارا وأكثرها فسقا فارس، واشدّها حرّا وقحطا ونخيلا جزيرة العرب، وأكثرها بركات وصالحين وزهّادا ومشاهد الشام، وأكثرها عبّادا وقرّاء وأموالا ومتجرا وخصائص وخبوبا مصر، واخوفها سبلا وأجودها خيلا وأوسطها قوما اقور، واجفاها وأثقلها واغشّها قوما وأكثرها مدنا وأوسعها أرضا المغرب وقال عبد الرحمان بن أخي الاصمعىّ دخلت على الجاحظ فقلت افدنى في البلدان فائدة قال نعم الأمصار عشرة المروّة ببغداد والفصاحة بالكوفة والصنعة بالبصرة والتجارة بمصر والغدر بالريّ والجفاء بنيسابور والبخل بمرو والصّلف ببلخ والحرفة بسمرقند، وقد صدق لعمري الّا ان بنيسابور أيضا صنّاعا حذّاقا وبالبصرة تجارات وبمكّة فصاحة وبمرو دهاة وصنعاء طيّبة الهوا، وبيت المقدس حسنة البناء، وصغر وجرجان موضع الوبا،، ودمشق كثيرة الأنهار، وصغد ممتدّة الأشجار، والرملة لذيذة الثمار، وطبرستان دائمة الامطار، وفرغانة رخيصة الأسعار، والمروة والجحفة معدن الدعّار، والرقّة موضع الاخطار، وهمذان وتنّيس مركز الأحرار، والشام إقليم الأخيار، وسمرقند فرضة التجار، ونيسابور بلدة الكبار،
والفسطاط آهل الأمصار، وطوبى لأهل الغرج بعدل الشار، ولاصفهان الهواء والحلل والفخّار، ورسوم شيراز على الإسلام عار، وعدن دهليز الصين مع صحار، وبالصغانيان الكلأ والثمار والأطيار، وبخارا جليلة لولا الماء وحريق النار، وبلخ خزانة الفقه مع الرحب واليسار، وإيليا تصلح لأهل الدين والدار، وأهل بغداد قليلو الأعمار،، وصنعاء ونيسابور بالضدّ وليس أكثر ولا أرذل من مذكّرى نيسابور ولا أطمع من أهل مكّة ولا أفقر من أهل يثرب ولا اعفّ من أهل بيت المقدس ولا آدب من أهل هراة وبيار ولا اذهن من أهل الرّيّ ولا انقب من أهل سجستان ولا ابخس من أهل عمان ولا أجهل من أهل عمّان ولا أصحّ موازين من أهل الكوفة وعسكر مكرم ولا أحسن من أهل حمص وبخارا ولا أقبح من أهل خوارزم ولا أحسن لحي من الديلم ولا اشرب للخمور من أهل بعلبكّ ومصر ولا افسق من أهل سيراف ولا اعصى من أهل سجستان ودمشق ولا اشغب من أهل سمرقند والشاش ولا اوطأ من أهل مصر ولا ابله من أهل البحرين ولا أحمق من أهل حمص ولا البق من أهل فسا ونابلس ثم الرّيّ بعد بغداد ولا أحسن لسانا من أهل بغداد ولا أوحش من لسان صيدا وهراة ولا اصحّ من لسان خراسان ولا أحسن عجميّة من أهل بلخ والشاش ولا اعفط من أهل البطائح ولا أسلم صدورا من أهل هيطل ولا اخير قوما من أهل غرج الشار فان سأل سائل اىّ البلدان أطيب نظر فان كان ممّن يطلب الدارين قيل
له بيت المقدس وان كان مخلصا آمنا من الطمع قيل مكّة وان كان ممّن يطلب النعمة والحيازة والرخص والفواكه قيل له كلّ بلد أجزاك والّا فعليك بخمسة أمصار دمشق والبصرة والرىّ وبخارا وبلخ أو بخمس مدائن قيساريّة وباعيناثا وخجندة والدينور ونوقان أو بخمس نواح الصغد والصغانيان ونهاوند وجزيرة ابن عمر وسابور فاختر ما شئت منها فإنها منازه الإسلام، وامّا الأندلس فيقال انها جنّات ومستفاض جنّات الدنيا اربع غوطة دمشق ونهر الأبلّة وروضة الصغد وشعب بوّان، ومن أراد التجارة فعليه بعدن أو عمان أو مصر وكلّما نذكر من عيوب أهل البلدان فأهل العلم والأدب عنه بمعزل خاصّة الفقهاء لأنّي رأيت الفضل فيهم، واعلم ان كلّ بلد فيه صاد فأهله حمق الّا البصرة فان اجتمعت صادان مثل المصّيصة وصرصر
فنعوذ باللَّه وكلّ بلد نسبت صاحبه اليه فلقيت الزاى الياء فهو داه مثل رازيّ مروزىّ سجزيّ وكلّ بلد آخره ان فله خاصّيّة أو طيّبة مثل جرجان موقان ارّجان، وكلّ بلد شديد البرد فأهله اسمن واضخم وأحسن وأكبر لحي مثل فرغانة وخوارزم وارمينية وكلّ بلد على بحر أو نهر فالزنا واللواطة فيه كثير مثل سيراف وبخارا وعدن وكلّ بلد يحيط به انهار فان في اهله شغبا وخروجا مثل دمشق وسمرقند والصّليق وكلّ بلد رحب رخيّ فان المعايش به ضيّقه الّا بلخ، واعلم ان بغداد كانت جليلة في القديم وقد تداعت الآن الى الخراب واختلّت وذهب بهاؤها ولم استطبها ولا أعجبت بها وان مدحناها فللتعارف وفسطاط مصر اليوم كبغداد في القديم ولا اعلم في الإسلام بلدا اجلّ منه، واما إقليم المشرق فقد فشا فيه الجور وفسد وهو خير من غير وأقاليم الأعاجم فلا تطيب لأهل أسفل، ولو كان للرملة ماء جار لما استثنينا انها أطيب بلد في الإسلام لأنها ظريفة خفيفة بين قدس وثغور وغور وبكور معتدلة الهواء لذيذة الثمار سريّة الأهل غير ان فيهم جهلا خزانة مصر ومطرح البحرين رخيّة
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع