تجاوز إلى المحتوى

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر وأعن بفضلك يا كريم الحمد للَّه الّذي خلق فقدّر وصوّر فأتقن صنع البريّة بلا مشير يناصره، ودبّرها بلا معين يعاضده،، أتقنها اىّ إتقان، وأحكمها بلا أعوان،، أوتد الأرض بالراسيات لئلّا تميد، واحاطها بالبحر كيلا يغلب ماؤها ويزيد،، وبثّ فيها عباده لينظر كيف يعملون فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من كفر وتولّى،، وصلّى الله على خير البريّة، وأكرم الذريّة،، محمّد وعلى آله وصاحبه وسلّم تسليما كثيرا قال ابو عبد الله محمّد بن احمد المقدسيّ اما بعد فإنه ما زالت العلماء ترغب في تصنيف الكتب لئلّا تدرس آثارهم، ولا تنقطع أخبارهم،، فأحببت ان اتبع سننهم، وأقفو سننهم،، وأقيم علما أحيى به ذكرى، ونفعا للخلق أرضى به ربّى،، ووجدت العلماء قد سبقوا الى العلوم فصنّفوا على الابتداء ثم تبعتهم الأخلاف فشرحوا كلامهم واختصروه، فرأيت ان اقصد علما قد اغفلوه، وانفرد بفنّ لم يذكروه،، الّا على الإخلال وهو ذكر الأقاليم الإسلاميّة وما فيها من المفاوز والبحار، والبحيرات والأنهار،، ووصف امصارها المشهورة، ومدنها المذكورة،، ومنازلها المسلوكة وطرقها المستعملة وعناصر العقاقير والآلات، ومعادن الحمل والتجارات،، واختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم وألوانهم، ومذاهبهم ومكاييلهم واوزانهم،، ونقودهم odexBerolinensis.tantinopolitanus.

وصروفهم، وصفة طعامهم وشرابهم وثمارهم ومياههم،، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم، وما يحمل من عندهم واليهم،، وذكر مواضع الاخطار في المغازات، وعدد المنازل في المسافات،، وذكر السباخ والصلاب والرمال، والتلال والسهول والجبال،، والحواوير والسماق، والسمين منها والرّقاق،، ومعادن السعة والخصب، ومواضع الضيق والجدب،، وذكر المشاهد والمراصد والخصائص والرسوم، والممالك والخدود والمصارد والجروم،، والمخاليف والزموم، والطساسيج والتخوم، والصنائع والعلوم،، والمباخس والمشاجر، والمناسك والمشاعر،، وعلمت انه باب لا بدّ منه للمسافرين والتجار، ولا غنى عنده للصالحين والأخيار،، إذ هو علم ترغب فيه الملوك والكبرا، وتطلبه القضاة والفقهاء، وتحبّه العامّة والرؤساء، وينتفع به كلّ مسافر، ويحظى به كلّ تاجر،، وما تمّ لي جمعه. الّا بعد جولانى في البلدان ودخولي أقاليم الإسلام ولقائي العلماء وخدمتي الملوك ومجالستي القضاة ودرسى على الفقهاء، واختلافي الى الأدباء والقرّاء،، وكتبة الحديث ومخالطة الزّهاد والمتصوّفين، وحضور مجالس القصّاص والمذكّرين،، مع لزوم التجارة في كلّ بلد، والمعاشرة مع كلّ أحد،، والتفطّن في هذه الأسباب بفهم قوىّ حتّى عرفتها، ومساحة الأقاليم بالفراسخ حتّى أتقنتها،، ودورانى على التخوم حتّى حرّرتها، وتنقّلى الى الأجناد حتّى عرفتها،، وتفتيشى عن المذاهب حتّى علمتها، وتفضّنى في الألسن والألوان حتّى رتّبتها،، وتدبّرى في الكور حتّى فصّلتها، وبحثى عن الاخرجة حتّى أحصيتها،، مع ذوق الهوا، ووزن الما، وشدّة العنا،، وبذل المال، وطلب الحلال،، وترك المعصية ولزوم النصح للمسلمين بالحسبة، والصبر على الذلّ

والغربة، والمراقبة للَّه والخشية،، بعد ما رغّبت نفسي في الأجر، وطمّعتها في حسن الذكر،، وخوّفتها من الأتم وتجنّبت الكذب والطغيان، وتحرّزت بالحجج من الطعان،، ولم أودعه المجاز والمحال، ولا سمعت الّا قول الثقات من الرجال،، أعاننا الله على ما قصدناه، ووفّقنا لما يحبّه ويرضاه،، فانّا له عابدون، واليه راجعون،،

النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.