تجاوز إلى المحتوى

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)

جمل شئون هذا الإقليم (٧)

هو إقليم حارّ الّا قومس كثير المياه والامطار ليس به نهر تجرى فيه السفن الّا بناحية الخزر اشرّ مياهه وهوائه بجرجان وهو قشف مؤذ كثير الذمّة ولا يعمل فيه النخيل ومذاهبهم مختلفة اما قومس وأكثر أهل جرجان وبعض طبرستان فحنفيّون والباقون حنابلة وشفعويّة ولا ترى ببيار صاحب حديث الّا شفعويّا والنجّاريّة بجرجان كثير وللكرّاميّة بجرجان وبيار وجبال طبرستان خوانق وللشيعة بجرجان وطبرستان جلبة فان قال قائل ألم تقل انه ليس ببيار مبتدع ثم قلت ان بها كرّاميّة قيل له الكرّاميّة أهل زهد وتعبّد ومرجعهم الى ابى حنيفة وكلّ من رجع الى ابى حنيفة أو الى مالك أو الى الشافعيّ أو الى ائمّة الحديث الذين لم يغلوا فيه ولم يفرطوا في حبّ معاوية ولم يشبّهوا الله ويصفوه بصفات المخلوقين فليس بمبتدع وانا عازم على ان لا أطلق لساني في امّة محمّد ﷺ ولا اشهد عليهم بالضلالة ما وجدت الى ذلك طريقا بعد هذا الحديث الحسن الشريف حدّثنا محمّد بن محمّد الدهستانىّ ومسافر بن عبد الله الأستراباذيّ ومحمّد بن عليّ النحويّ وعليّ ابن الحسن السرخسىّ قالوا حدّثنا يوسف بن عليّ الفقيه الزاهد قال حدّثنا ابو الوليد احمد بن بسطام الطالقانيّ الفقيه الزاهد قال حدّثنا يوسف بن عليّ الابّار السمرقندىّ قال حدّثنا عليّ بن إسحاق الحنظليّ قال أخبرني بشر بن عمارة قال قال مسعر بن كدام قال ما أدركت من الناس من له عقل كعقل ابن مرّة جاءه رجل فقال عافاك الله جئتك مسترشدا انّى رجل

دخلت في جميع هذه الاهواء فما ادخل في هوى منها الّا القرآن ادخلنى فيه ولم اخرج من هوى الّا القرآن أخرجني منه حتّى بقيت ليس في يدي شيء قال فقال له عمرو بن مرّة الله الّذي لا إله الّا هو لقد جئت مسترشدا فقال والله الّذي لا إله الّا هو لقد جئت مسترشدا قال نعم أرأيت هل اختلفوا في ان محمّدا رسول الله وان ما أتى به من الله حقّ قال لا قال فهل اختلفوا في القرآن انه كتاب الله قال لا قال فهل اختلفوا في دين الله انه الإسلام قال لا قال فهل اختلفوا في الكعبة انها القبلة قال لا قال فهل اختلفوا في الصلوات انها خمس قال لا قال فهل اختلفوا في رمضان انه شهرهم الّذي يصومونه قال لا قال فهل اختلفوا في الحجّ انه بيت الله الّذي يحجّونه قال لا قال فهل اختلفوا في الزكاة انها من مائتي درهم خمسة قال لا قال فهل اختلفوا في الغسل من الجنابة انه واجب قال لا قال فذكر هذا وأشباهه ثم قرأ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ قال فهل تدري ما المحكم قال لا قال فالمحكم ما اجتمعوا عليه والمتشابه ما اختلفوا فيه شدّ نيّتك في المحكم وإيّاك والخوض في المتشابه قال فقال الرجل الحمد للَّه الّذي أرشدني على يديك فو الله لقد قمت من عندك وانّى لحسن الحال قال فدعا له واثنى عليه ثم قال عمرو وان السلطان دعا أهل الكتاب الى امره فأجابوه فطرحهم فيما قد علمتم وهو داعيكم كما دعاهم وطارحكم في مثل ما طرحهم فيه فعليكم بالأمر الأوّل، فان قال قائل ما الأمر الأوّل فهو ما اجتمع عليه المتقدّمون، فرحم الله عبدا تدبّر هذه الحكاية ولزم احدى المذاهب الأربعة الذين هم أهل السواد الأعظم وكفّ لسانه عن تمزيق المسلمين والغلوّ في الدين، وشهدت مجلس القاضي المختار يوما وهو اجلّ امام لقيته واعقلهم وادينهم وقد جرى فيه ذكر اختلاف الأمّة وتعصّب أهل الفرق فاشار بيده الى القبلة ثم قال من صلّى الى هذه القبلة فهم إخواننا المسلمون ورأيت ابا زيد المروزيّ وكان اماما متديّنا يوتّر بثلاث ويستعمل مذهب ابى حنيفة في مسائل عدّة وسمعت ابا الطيّب بن احمد يقول كلّ قد اجتهد وكلّ معدود، واعلم

ان هذا التعصّب الّذي ترى انّما ثوّره الجهّال والمتصرّفون من القصّاص وغيرهم واما الأمّة فعلى ما ذكرت لك، ونواحي الديلم شيعة وأكثر الجيل سنّة وأكثر ما يحمل من هذا الإقليم خصائص اما قومس فلهم المناديل البيض من القطن المعلمة صغار وكبار وسواذج ومحشّاة ربّما يبلغ المنديل منها ألفي درهم ولهم أيضا اكسية وطيالسة وثياب رقاق من الصوف ولأهل جرجان المقانع القزّيّات تحمل الى اليمن والعنّاب ولهم ديباج دون وتين وزيتون، ومن طبرستان الأكسية التي تفضّل على الفارسيّة وطيالسة وثياب الخيش المحمولة الى الآفاق ويباع منها بمكّة شيء كثير صغار الدراهم وكبار تسمّى بالغرب المكّيّة واللفائف، ومن بيار بزّ وسمن كثير ولهم خاصّيّة في عمل الطين حتّى لا ترى رئيسا ولا عالما الّا وله فيه حذق ولقد كان ابو الطيّب الشوا مع يساره وعدالته ابدا تراه في ضياعه يبنى خصّا أو يرفع حائطا وكذلك أولاده وحفدته لهم هندسة وفطنة في عمل البناء من غير تعلّم وما رأيت الطف من بناء دور بيار قد صاغوها صياغة وأكثروا مرافقها ومياه هذا الإقليم انهار تنحدر من الجبال ونهر جرجان طيفورى ولهم آخر ونهر.... في الديلم يجتمع اليه مياه كثيرة ويفيض في البحر ونهر إتل يخرج من نحو السدّ ومياه الجيل تنحدر من جبال الديلم ومياه طبرستان من الجبال أو من خرماروذ وبها مشاهد رباط دهستان يقصد من خراسان له نور وفضائل وعلى يوم من بسطام موضع يقصد وبه مجاورون وبظاهر

بسطام قبر ابى يزيد وبنواحي الخزر رباطات فاضلة ومن العجائب بطبرستان دويبّة صغيرة لها ألف قائمة أصغر من الجرادة وأدقّ من الدودة إذا تحرّكت تختالها امواجا تظهر من عناقيد العنب ودويبّة اخرى لها جناحان كجناحى السنونية على عظم الثعلب تقضم الثمار قضما ولهم اسماك مثل فلق الجمّيز واجتزت يوما في سوق السّماكين بجرجان فرأيت رأسا على قدر راس الثور فقيل لي هي راس سمكة، بنواحي جرجان بئر تظهر فيه شجرة كلّ سنة ثم تغيب وقد احتال بعض السلاطين وشدّها بالسلاسل الغليظة ففكّتها وكسرتها وغابت ولسان قومس وجرجان متقاربان يستعملون الهاء يقولون هاده وهاكن وله حلاوة ولسان طبرستان مقارب له الّا ان فيه عجلة ولسان الديلم مخالف منغلق والجيل يستعملون الخاء ولسان الخزر شديد الانغلاق وفي ألوانهم أهل قومس ابتلاء والديلم حسان اللحى والوجوه أيضا ولهم طلل وفي أهل جرجان نحافة أهل طبرستان أحسن وأصفى، وفي الخزر مشابه من الصقالبة وأكثر أسامي أهل جرجان ابو صادق وابو الربيع وابو نعيم وأهل طبرستان ابو حامد ورسمهم بجرجان ان التذكير للفقهاء وأهل الروايات ولا يكثرون التطالس وللديلم رسوم عجيبة لا يزوّجون الى غيرهم وكنت في بعض الخانات فإذا بصبيّة تعدو ورجل شاهر سيفه يعدو خلفها يروم قتلها فقلت ما فعلت حتّى استوجبت القتل قال انها زوّجت الى غيرنا

وقتل من فعل ذلك واجب عندنا، وإذا كان لهم مأتم كشفوا رءوسهم واجتمعوا وقد التفّ المعزّي والمعزّي في الأكسية وأداروها على رءوسهم ولحاهم ولهم مجالس في السكك والأسواق مرتفعة يجتمعون بها بأيديهم الزّوبينات وعليهم الأكسية الطبريّة يسمّون العالم معلّما وربّما تعلّقوا بى وقالوا لوك معلّم واللوك هو الجيّد، ولا رسم لهم في بيع الخبز ويخفرون من تساءل وانّما ينبغي للغريب ان يقصد دورهم فيأخذ من الطعام ما يحتاج اليه، ولهم أسواق على أيّام الجمعة في السهل لكلّ قرية يوم فإذا فرغوا انحاز الرجال والنساء الى معزل يتصارعون فيه ورجل جالس معه حبل كلّ من غلب عقد له عقدة فإذا هوى الرجل امرأة راح معها فيتلقّاه أهلها بالبشر والترحيب ويتباهون به إذ رغب في كرمهم فيضيّفونه ثلاثة أيّام ثم ينادى المنادي بعد ما اجتمع معها أسبوعا في عمارة له بمعزل فيجتمعون ويختطّون وسالت ابا نابتة الأنصاريّ قلت هل يصيبها قبل العقد قال لو علموا بذلك قتلوه، وكثيرا ما حضرت عقود أهل بيار يجتمع الناس بعد العتمة مع كلّ رجل قارورة من ماء ورد والنيران تقد على باب الختن والعروس فيبدأ بعض المشايخ فيخطب خطبة بليغة يطلب فيها الزوجين ويطلب المرأة ثم يجيبه آخر من قبل العروس في خطبة باحسن جواب وأكثرهم خطباء أدباء ثم يعقدون

النكاح ويقوم أصحاب القوارير فيضربون بها الحيطان ثم يعطى صاحب كلّ قارورة طبقا من أفروشة ولا ترى مثل أفروشتهم في الدنيا، وسمعت ان بعض الملوك استدعى برجل منهم يجيد عملها وبدقيق من دقيقهم وشيء من سمنهم ودوشابهم وامرأة تعملها فلم تكن كالتي تعمل ببيار ورأيت من حمل منها الى مكّة ثم ردّه ولم يتغيّر، ومكثت اربعة أشهر احضر دعواتهم واعراسهم فما رايتهم يزيدون على ثردة بعد لحم قد اخرج عظامه ثم الارزّ ثم الآفروشة الرطبة، وإذا وقعت عندهم الثلوج أرسلوا النهر في الشوارع فحملت الثلج بأجمعه وغسلت الازقّة ولا ترى امرأة بالنهار انّما يخرجن بالليل في اكسية سود ولا تتزوّج امرأة مات عنها زوجها فان فعلت هرب الصبيان على بابها بالخزف ماء جرجان يقتل الغرباء وبطبرستان سمك يضرّ الأسنان وطير لحمه ردىّ المملكة للديلم ويقع على جرجان حروب بينهم وبين صاحب خراسان

خراج قومس ألف ألف درهم ومائة ألف وستّة وتسعون ألف درهم وخراج جرجان عشرة آلاف ألف ومائة ألف وستّة وتسعون ألف وثمانمائة درهم، وكان خراج بيار ستّة وعشرين ألف درهم فخرج رجل منهم الى بخارا فبنى قصرا من طين حسن ثم حمله على رقاب الرجال الى ان وضعه قدّام الأمير نصر بن احمد فأعجب به وقال له سل حاجتك قال تردّ خراجنا الى ستّة آلاف وتضيف دواويننا الى نيسابور فهي اليوم من اعمال نيسابور الا ترى ان بينها وبين نيسابور قرية خراجها الى قومس أولا ترى انهم يسمّون أهل بيار القومسيّين ويقع بجرجان عصبيات على المذهب وبينهم وبين البكراواذيّين قتل على راس الجمل يوم العيد يقع بين الحسنيّين والكرّاميّين حروب وحشة وعصبيّات عجيبة ولأهل طبرستان ثلاث خصال بثلاث طيب النكهة من أجل اكل الثوم وحدّة الابصار وحسنها من اكل الخضرة ودقّة الاخصار من اكل الارزّ واما المسافات فإنك تأخذ من الدّامغان الى الحدّادة مرحلة ثم الى بدش مرحلة ثم الى مرجان مرحلة ثم الى هفدر مرحلة ثم الى أسداواذ مرحلة،

وتأخذ من الدامغان الى جرمجوى مرحلة ثم الى رباط مرحلة ثم الى سمنان مرحلة ثم الى راس الكلب مرحلة ثم الى قرية الملح مرحلة ثم الى خوار الرىّ مرحلة، وتأخذ من الحدّادة الى بسطام مرحلة ثم الى قرية مرحلة ثم الى زرداباذ مرحلة ثم الى خرماروذ مرحلة ثم الى جهينة مرحلة ثم الى جرجان مرحلة، وتأخذ من زرداباذ مرحلة الى قرية مرحلة ثم الى القباب مرحلة ثم الى بيار الى الحوض مرحلة ثم الى اسداواذ مرحلة ومنها الى طرثيث فرسخا وتأخذ من جرجان الى دينازارى مرحلة ثم الى املوتا مرحلة ثم الى اجغ مرحلة ثم الى سبداست مرحلة ثم الى أسفراين مرحلة، ومنها الى آبسكون أو الى رباط حفص أو الى رباط عليّ مرحلة مرحلة، وتأخذ من رباط عليّ الى رباط الأمير مرحلة ثم الى بيلمك مرحلة ثم الى رباط دهستان مرحلة آخر فيها وتأخذ من آمل الى بلور مرحلة ثم الى اسك مرحلة ثم الى بامهر مرحلة ثم الى برزيان مرحلة ثم الى الرىّ مرحلة، وتأخذ من آمل الى مامطير مرحلة ثم الى سارية مرحلة ثم الى ترنجى مرحلة ثم الى راس الحدّ ثلاثا، وتأخذ من سارية الى ابارست مرحلة ثم الى ابادان مرحلة ثم الى طميسة مرحلة ثم الى أستراباذ مرحلة ثم الى جرجان مرحلتين، وتأخذ من جرجان الى الدّيلمان مرحلة ثم الى

أردبيل مثلها، ومن آبسكون الى أستراباذ مرحلة ثم الى سارية مراحل وتأخذ من آمل الى ناتل مرحلة ثم الى سالوس مرحلة ثم الى كلار مرحلة ثم الى جبال الديلم مرحلة، وتأخذ من سالوس الى إسبيدروذ مرحلة ثم الى قرية الرصد مرحلة ثم الى خشم مرحلة ثم الى بيلمان مراحل ثم الى الدّولاب مراحل ثم الى كهن روذ مراحل ثم الى موغكان مرحلتين ثم الى الكرّ مثلها ثم الى هشتاذر مثلها ثم الى الشّماخية مثلها

النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.