تجاوز إلى المحتوى

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)

ذكر بادية العرب

اعلم ان بين أقاليم العرب غير المغرب بادية ذات مياه وغدران وآبار وعيون وتلال ورمال وقرى ونخيل قليلة الجبال كثيرة العرب مخيفة السبل خفيّة الطرق طيّبة الهواء رديّة الماء ليس بها بحيرة ولا نهر الا الأزرق ولا مدينة الّا تيماء ومن الناس من يعدّها من الجزيرة وليست منها ومنهم من يجزّئها على الأقاليم ومنهم من يجعلها من الشام وقد رأينا نحن ان نفرزها ونفرد صورتها لان أحدا من أهل الأقاليم الثلاثة عشر لا طريق له الى مكّة في البرّ الّا فيها ولا غنى له عن معرفتها وأيضا فان فيها مناهج لا تعرف ومياها قد تجهل وفي ذكرها فوائد لا تحصى واجر وحسبة لا تخفى وقد سافرت فيها غير مرّة ومسحتها يمنا وشاما وشرقا وغربا وتفحّصت عن طرقها وسالت عن مياهها وتبحّرت في معرفتها حتّى حزت الكثير من أسبابها وعرفت معظم طرقها وهذه صورتها وباللَّه التوفيق

وقد جعلناها من ويلة الى عبّادان ثم الى بالس مقوّسة وقسمناها اثنى عشر طريقا تسع طولا يؤدّين الى مكّة وثلاث عرضا يؤدّين الى الشام وبها طريق آخر لقرح يؤدّى اليها من البصرة ثم الى مصر، فاوّلها طريق مصر ثم طريق الرّملة ثم طريق الشّراة ثم طريق تبوك ثم طريق وبير ثم طريق بطن السّرّ ثم طريق الرّحبة ثم طريق هيت ثم طريق الكوفة ثم طريق القادسيّة ثم طريق واسط ثم طريق وادي القرى ثم طريق البصرة وهذه الطرق على الترتيب ووصفها على التفريق فاما طريق مصر تأخذ من البويب الى بندقة مرحلة ثم الى عجرود مرحلة ثم الى المدينة مرحلة ثم الى الكرسيّ مرحلة ثم الى الحفر مرحلة ثم الى المنزل مرحلة ثم الى ويلة مرحلة واما طريق الرملة فتأخذ من السّكّريّة الى التّليل مرحلتين ثم من التليل الى الغمر مرحلتين ثم الى ويلة مرحلتين واما طريق الشراة فان من صغر الى ويلة مراحل وهاتان الطريقان وان كانا في الشام فان السلوك في بادية وحشة وتمس هذه البادية المذكورة واما طريق

تبوك فتأخذ من عمّان الى معان منهلين ثم الى تبوك مثلهما ثم الى تيماء أربعا ثم الى وادي القرى أربعا واما طريق وبير فتأخذ من عمّان الى وبير مناهل ثم الى الأجولىّ مراحل ثم الى ثجر منهلين ثم الى تيماء مناهل واما طريق بطن السرّ فتأخذ من عمّان الى العونيد نهارين ثم الى المحدثة نصف نهار ثم الى النّبك مثله ثم الى ماء نهارا ثم الى الجربي نهارا ثم الى عرفجا نهارا ونصفا ثم الى مخرى ثلاثا ثم الى تيماء أربعا، وهذه المحجّات الثلاث طرق العرب الى مكّة وفيها كان بريد ملوك بنى أميّة وقت كونهم بدمشق وأيّها سلكت جيوش العمرين وقت فتح الشام وهنّ قريبات آمنات أصحابها بنو كلاب ويصحبهم كثير من أهل الشام يجتمعون في عمّان وقد سلكتها غير مرّة واما طريق القادسيّة

فتأخذ من القادسيّة الى المغيثة ميلا ثم الى القرعاء ميلا ثم الى واقصة ميلا ثم الى العقبة ميلا ثم الى القاع ميلا ثم الى زبالة ميلا ثم الى الشّقوق ميلا ثم الى البطان ميلا ثم الى الثّعلبيّة ميلا ثم الى الخزيميّة ميلا ثم الى أجفر ميلا ثم الى فيد ميلا واما طريق واسط فلم أسلكها الّا انها تلقى الجادّة بالثعلبيّة واما طريق البصرة فتأخذ من البصرة الى الحفير ميلا ثم الى الرّحيل ميلا ثم الى الشّجى ميلا ثم الى حفر ابى موسى ثم الى ماويّة ميلا ثم الى ذات العشر ميلا ثم الى الينسوعة ميلا ثم الى السّمينة ثم الى القريتين ثم الى النّباج، فهذه طرق العراق الى مكّة وهذه التسع محجّات في الطول واما طريق الكوفة فتأخذ من الكوفة الى الرّهيمة ميلا ثم الى النّحيت نهارين ثم الى القراى مثلهما ثم الى الخنفس نهارا ثم الى الحشية مثله ثم الى الغريفة مثله ثم الى قراكر مثله ثم الى الأزرق مثله ثم الى عمّان مثله الجميع مرحلة خفافا واما طريق هيت

فتأخذ من هيت............... .. واما طريق الرحبة فتأخذ من الرحبة الى.............. وهذه المحجّات الثلاث في العرض ولها بنيّات مخرج الى أذرعات وغيرها واما طريق وادي القرى فيقال انها مخرج على المنهب خلف فيد ومن المنهب الى وادي القرى ليال ومنه الى تيماء ومنه الى تبوك ومنه الى وادي طيِّئ ليلتان ومن البصرة الى الكوفة على مخوم هذه البادية مراحل ثقال، وأكثر ما ذكرنا من المنازل مياه وغدران وهذا وصف هذه البادية ومياهها، اعلم انها بادية واسعة كثيرة العرب فيها نبت يقال له الفثّ على عمل الخردل ينبت من نفسه فيجمعونه الى الغدران ثم يبلّونه بالماء فيتفتّح عن ذلك الحبّ ثم يطحنونه ويخبزونه ويتقوّتون به ويكثرون اكل لحم اليربوع والحيّات ويقطعون الطريق ويؤون الغريب ويهدون الضالّ ويخفرون القوافل وعلى الجملة لا يمكن ان يعبر أحد هذا الطريق الّا بخفير أو قوّة وترى الحاجّ مع قوّتهم يهتكون وتؤخذ اباعرهم وخزائنهم ومخوم هذه البادية تأخذ من ويلة على مدائن قوم لوط وتصعد الى مآب ثم على تخوم عمّان وأذرعات ورساتيق دمشق وتدمر وسلميّة واطراف حمص الى بالس ثم ترجع الى الفرات وتعطف على الرقّة والرحبة والدالية الى هيت والأنبار ثم على الحيرة والقادسيّة ومغارب البطائح ثم على سواد البصرة الى عبّادان ومنهم من أضاف الشراة اليها وادخل مدنها فيها وهذا اصحّ وليس في هذه البادية مدينة الّا تيماء وهي مدينة قديمة واسعة البقعة كثيرة النخيل هائلة البساتين غزيرة الماء مع خفّة عجيبة وعين مليحة تخرج في شبّاك حديد

الى بركة ثم يتفرّق في البساتين ولهم آبار حلوة وهي في سهلة الّا ان أكثرها خرابات الجامع فيها والعمارات حول السوق وكلّ تمورها جيّدة وفي أهلها شره لا عالم بها يرجع اليه ولا حاكم يعوّل عليه ورأيت خطيبهم بقّالا وحاكمهم نعّالا مع تعصّب عظيم ودروع داوديّة يلبسونها في الفتن والمنازل بين مصر وويلة يسقى لها بالسواقى والغمر ماء وحشّة وقربه رمل يحفر فيخرج عليهم منه ماء حلو كثير وبئر آبار حلوة في بقعة حسنة نيّرة والأجولىّ خزاه الله ماء يتورّم من شرب منه وربّما قضى نحبه وثجر ماء غير طيّب ولا كثير الغدران والعونيد غديران قريبان ماؤهما كريه في وسط الرملة المحدثة قناة حلوة قد حدّت بحجارة سود النّبك غديران أحدهما احلى من الآخر المحجّة بينهما وثمّ نخيلات، بعده غدير واحد في غيضة ودحل حلو غير غزير قد أنسيت اسمه والجربي غدير أو اثنان منتن الماء بين دغل وطرفاء وعرفجا في موضع حسن نزيه غديران حلوان ومخرى قبّحه الله من ماء مالح يطلق الناس والأباعر غديران في ارض سوداء واشتقّ اسمه من الاسهال وسواء شربت منه أو خبزت أو طبخت الأمر واحد والمغيثة خربة بها بئر واحدة والقرعاء لها عدّة آبار لا ينتفع بها، واقصة بها حصن عامر وآبار حلوة وبركة عظيمة ينبع فيها الماء والعقبة بها آبار بعيدة جدّا ومواضع قد خربت والقاع موضع قد خرب وقد كان عامرا حسنا آهلا بها بئر وزبالة حصن عامر وآبار

عجيبة في الصخر وعدّة آبار صغار وربّما أودع بها الحاجّ من ازوادهم ويقصدها عرب كثير بالاباعر والحشيش وغير ذلك وفيها فرج للحاجّ والبطان بها آباء معطّلة ومواضع خربة والثّعلبيّة ثلث الطريق عامرة كثيرة البرك يسقى لها بالسواقى وفي الحصن سكّان والبئر عذيبى وقبر العبادىّ في أوّل هذا المنهل عليه رجم عظيم وهذه مواضع رمال هبير والخزيميّة بها برك معطّلة وآبار لا ينتفع بها فيد مدينة صغيرة ذات حصنين وبها حمّام وبركة بأبواب حديد وآثارات لعضد الدولة يوجد بها كلّ خير وبها يودع الحاجّ ازوادهم وثمّ ثقات وبها عيون وآبار وبرك عذيبيّة وبالبعد ماء حلو وهي من مدن الحجاز لا محالة ولكن أوصلنا اليها طريق القادسيّة لان الحاجة الى ذلك ماسّة

فان قال قائل أنت رجل قد عملت في السياحة بيقين وعلم وعرفت أيضا طرق هذه البادية ومواضع المياه فيها فما تقول في الحجّ على التوكّل والخروج بلا زاد قيل له يحكى عن سفيان بن عيينة انه قال رجلان إذا استفتياك فقوّ عزمهما فإنهما يسألانك عن ضعف اعزب يريد التزويج ومريد يسأل عن الحجّ بلا زاد، وحكى لي عن بعض الزهّاد ببلدنا في وقتي انه خرج في هذه البادية بلا زاد فلمّا تمّت له ثلاثة أيّام جاع قال فعثرت بشيء ليّن فنظرت فإذا برقاقة ملفوفة على خبيص حارّ، واما انا فخرجت من بعض السواحل عند العصر وانا صائم وعزمت على الحجّ بلا زاد فلمّا وصلت الى عاقر صلّيت المغرب وانفتلت الى زاوية الجامع أصلّي وكنت لا أفطر كلّ ليلة الّا بعد الوتر وصلّيت العشاء فلمّا انصرفوا أتاني المؤذّن بخبز وقطّين وجرّة ماء وقد كنت نويت ان لا احمل معى ركوة ولا كوزا وقلت الّذي يرزق الطعام هو يبعث بالماء أيضا فتعشّيت أطيب عشاء من حيث لم احتسب فلمّا صلّيت الغداة ركبت الطريق الى السّكّريّة فلمّا صلّيت العشاء أتاني رجل برغيف رستاقىّ

وكوز ماء فأكلت وشربت وسرت من الغد الى ان بلغت راس الزاوية فدفعت ما كان عليّ من ثياب الى بعض الطوّافين وأخذت منهم مدرعة شعر ونعلا خلقا ومنديلا رثّا وسرت الى العصر وانا لا أطمع في عشاء فتراءى لي حصن فقصدته فلمّا دخلت الباب إذا ثمّ رجل من بيت المقدس فعانقني ورحّب بى وجعل يذكر لأهل الحصن محلّى فحمل الىّ صنوف الطعام والدثار فهربت منهم في السحر وسرت الى بعد العصر فإذا قوم من المغرب فامسكونى وقالوا أنت جاسوس فلمّا صلّيت بهم المغرب اعتذروا الىّ وأضافوني ثم خرجت من الغد أسير الى ان بلغت الكسيفة فلم أر بها ديّارا فإذا بخمس فوارس قد أقبلوا فساقونى كرها الى موضع لهم وأضافوني فلمّا رأيت انّى كلّ ليلة في دعوة وان الله يردّنى الى خلف قصدت بلدي وحججت في تلك السنة بالزاد والراحلة

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ذكر أقاليم الأعاجم الثمانية وشرح أسبابها على ترتيب التخوم وأهلها أحسن أحوالا وأكثر أموالا واشدّ بأسا وأعظم خلقا وارسخ في العلم وأمكن في الدين لهم في الخير رغبه، وفي الأعمال حسبه،، تجرى خلال اقاليمهم الأنهار، وتلتفّ بضياعهم الأشجار، وسنفصّل اوصافهم ونشرح أسبابهم في اقاليمهم ونقدّم في هذا الفصل ما يجب تقديمه بلغنا عن ابى المنذر هشام بن السائب انه قال لمّا ظفر قتيبة بن مسلم بفيروز بن. كسرى أخذ ابنته شاهين ومعها سفط فبعث بها الى الحجّاج فحملها الى الوليد وفتح السفط فإذا فيه بسم الله المصوّر ميّز قباذ بن فيروز إقليمه ووزن المياه والترب ليبنى لنفسه مدينة ينزلها فوجد انزه بقاع الأرض إقليمه بعد ان بدأ بالعراق التي هي سرّة الأقاليم فوجد أنزهها ثلاثة عشر موضعا المدائن والسّوس وجنديسابور وتستر وسابور وأصفهان والرىّ وبلخ وسمرقند وأبيورد وماسبذان ومهرجان قذق وقرماسين، ووجد أبرد إقليمه دبيل وهمذان وقزوين وجوانق ونهاوند

وخوارزم وقاليقلا، ووجد اوبأ إقليمه البندنيجين وجرجان وخوار الرىّ وكشّ وبرذعة وزنجان، ووجد اقحط إقليمه ميسان ودست ميسان وبادرايا وباكسايا وماسبذان والرىّ وأصفهان، ووجد ابخلهم خراسان وأصفهان وأردبيل وبادرايا وباكسايا وإصطخر وشيراز وفسا، ووجد اخصبها أرمينية وآذربيجان وجور ومكران وماه الكوفة وماه البصرة وأرّجان ودورق، ووجد أجملهم المدائن وكلواذى وسابور وإصطخر وجنّابة والرّيّ وقمّ وأصفهان والنّشوى، ووجد اعقلهم سبعا عكبرا وقطربُّل وعقرقوف والرىّ وأصفهان وماسبذان ومهرجانقذق، ووجد اقنطهم أهل إسكافين وكسكر وعبدس ومرو والرىّ، ووجد أعلمهم بالسلاح همذان وحلوان وأصفهان وشهرزور وخوارزم والشاش وأسبيجاب، ووجد اخفّ المياه عشرة دجلة والفرات وجيحون وجنديسابور وماسبذان وقزوين وماء سورا وماء ذات المطامير وماء فنجاى، ووجد أمكرهم أحد عشر خراسان وأصفهان والرىّ وهمذان وارمينية وآذربيجان وماسبذان ومهرجانقذق وتستر والمذار وأرتوان، ووجد شرّ الفواكه بالمداين وسابور وارّجان والرىّ ونهاوند وماسبذان وحلوان، ووجد اقلّهم نظرا في العواقب النّوبندجان وماسبذان وسيراف ورامهرمز وارمينية وآذربيجان وإصطخر، ووجد اسفلهم ستّة النوبندجان وبادرايا وباكسايا وويهند ونهاوند وأصفهان، ولم يجد بين دجلة وعقبة همذان انزه من قرماسين فأنشأها لنفسه ثم بنى الاكاسرة بعده من المدائن الى العقبة ما ترى ووجدت في كتاب بخزانة عضد الدولة فصلا في

المتنزّهات مسجّعا وزدت فيه ما لا يجب تركه لاشتهار ذكره وطيبه وليجمع الفصل منازه الأرض ويشفى صدور الخلق، وقال أحسن الأرض مخلوقة الرّيّ وفيها السّرّ والسّربان، وأحسنها مصنوعة جرجان، وأحسنها معروفة طبرستان، وأحسنها مستخرجة نيسابور ولها بشتنقان، وأحسنها قديمة وحديثة جنديسابور ولها الآبان، ومرو ولها رزيق وماجان، وغوطة دمشق ولها الزاربان، ونصيبين ولها الهرماس، وإيليا ولها البقعة وماماس، والصّيمرة ولها الحصنان، وبفارس شعب بوّان، ونهر الأبلّة تحار فيه العينان، ولا يتمارى في نزهة صغد اثنان، وبلخ ولها بروان، ونهاوند ورياض أصفهان، وعلى البحرين قيساريّة وعمان، وباليمن الاعجوبة صنعان، ولا تسأل عن جيرفت كرمان، وعن بست وموقان، وسواد بخارا فله شان، وسنذكر الشاش وفسا وسابور وحلوان، وجلّت قرى الرّملة بلا نهر بزيتون وإتيان، وقد ذكرنا لك تاهرت وجيّان، وقد مدّ من الكوفة نهر ونخيل وأشجار بريدان، فهذا قولنا في منازه الأرض بعرفان واعلم ان أكثر بلدان الأعاجم موضوعة على اسم من أنشأها وبناها نذكر ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى، وكلام أهل هذه الأقاليم الثمانية بالعجميّة الّا ان منها درّيّة ومنها منغلقة وجميعها تسمّى الفارسيّة واختلافها بيّن وانعجامها مشكل وسنبيّن ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى ونقرّبه جهدنا ونذكر من كلام كلّ قوم حروفا يستدلّ بها على مواضعها من سمعها في الآفاق وباللَّه التوفيق

النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.