من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
جمل شئون هذا الإقليم (٤)
هذا إقليم إذا اقبل فلا تسأل عن خصبة ورخصه وإذا اجدب فنعوذ باللَّه من قحطه يمدّ سبع سنين حتّى يأكلون الكلاب ويقع فيهم الوباء المبرّح اشدّ حرّا من سواحل الشام ويبرد في طوبه بردا شديدا به نخيل كثيرة وعامّة ذمّته نصارى يقال لهم القبط ويهود قليل كثير المجذّمين وبيت الجرب لانه عفن وأكثر ادمهم السمك وعلى مذاهب أهل الشام غير ان أكثر فقهائهم مالكيّون الا ترى انهم يصلّون قدّام الامام ويربّون الكلاب وأعلى القصبة وأهل صندفا شيعة وسائر المذاهب بالفسطاط موجودة ظاهرة وثمّ محلّة الكرّاميّة وجلبة للمعتزلة والحنبليّة والفتيا اليوم على مذاهب الفاطمىّ التي نذكرها في إقليم المغرب والقراءات السبع فيه مستعملة غير ان قراءة ابن عامر أقلها ولمّا قرأت بها على ابى الطيّب بن غلبون قال دع هذه القراءة فإنها عتيقة قلت قيل لنا عليكم بالعتيق قال فعليك بها وقرأت عليه لأبي عمرو
فكان يأمرني بتفخيم الراء من مريم والتوراة والغالب عليهم والمختار عندهم قراءة نافع وسمعت شيخا في الجامع السفلانىّ يقول ما قدم في هذا المحراب امام قطّ الّا وهو يتفقّه لمالك ويقرأ لنافع غير هذا يعنى ابن الخيّاط قلت ولم ذلك قال لم نجد أطيب منه وكان شفعويّا ابو عمريّا لم أر في الإسلام أحسن نغمة منه لغتهم عربيّة غير انها ركيكة رخوة وذمّتهم يتحدّثون بالقبطيّة وهو بلد التجارات يرتفع منه اديم جيّد صبور على الماء ثخين ليّن والبطائن الحمر والهملخات والمثلّث هذا من المصر ومن الصعيد الارزّ والصوف والتمور والخلّ والزبيب ومن تنّيس لا دمياط الثياب الملوّنة ومن دمياط القصب ومن الفيّوم الارزّ وكتّان دون ومن بوصير قريدس الكتّان الرفيع ومن الفرما الحيتان ومن مدنها القفاف والحبال من الليف في غاية الجودة ولهم القباطيّ والأزر والخيش والعبّادانىّ والحصر والحبوب والجلّبان ودهن الفجل والزنبق وغير ذلك الخصائص ولا نظير لاقلامهم وزاجهم ورخامهم وخلّهم وصوفهم وخيشهم وبزّهم وكتّانهم وجلودهم وحذوهم وهملختاتهم وليفهم ووزّهم وموزهم وشمعهم وقندهم ودقّهم وصبغهم وريشهم وغزلهم واشنانهم وهريستهم ونيدتهم وحمّصهم وترمسهم وقرطهم وقلقاسهم وحصرهم وحمرهم وبقرهم وحزمهم ومزارعهم ونهرهم وتعبّدهم وحسن نغمتهم وعمارة جامعهم
وحالومهم وحيسهم وحيتانهم ومعايشهم وتجاراتهم وصدقاتهم كلّ ذلك في غاية الجودة، وقد اجتمع بها من خصائص فلسطين القلقاس وهو شيء على قدر الفجل المدوّر عليه قشر وفيه حدّة يقلى بالزيت ويطرح في السكباج والموز وهو على مقدار الخيار عليه مزود رقيق يقشر عنه ثم يؤكل له حلاوة وعفوصة والجمّيز وهو أصغر من التين له ذنب طويل والترمس وهو على قدر الظفر يابس مر يحلّى ويملح والنبق وهو على قدر الزعرور فيه نواة كبيرة حلو وهو ثمرة شجرة السدر ويزيدون عليهم بالنيدة وهي السمنوا غير انه عجيب الصنعة يبسط على القصب حتى يجفّ وينعلك ودهن البلسان من بنت؟
ثمّ أو النقود القديمة المثقال والدرهم ولهم المزبّقة خمسون بدينار ويكثرون التعامل بالراضي وقد غيّر الفاطمىّ النقود الّا هذين وأبطل القطع والمثاقيل والمكاييل الويبة وهي خمسة عشر منا والاردب ستّ ويبات والتلّيس ثمان وهي بطّالة
والرسوم بجوامع هذا الإقليم إذا سلّم الامام كلّ يوم صلاة الغداة وضع بين يديه مصحفا يقرأ فيه جزءا ويجتمع الناس عليه كما يجتمع على المذكّرين ولهم أذان ينفردون به على طريق النياحة ثلث الليل الأخير وله قصّة يأثرونها وبين العشائين جامعهم مغتص بحلق الفقهاء وائمّة القرّاء وأهل الأدب والحكمة ودخلتها مع جماعة من المقادسة فربما جلسنا نتحدّث فنسمع النداء من الوجهين دوّروا وجوهكم الى المجلس فننظر فإذا نحن بين مجلسين على هذا جميع المساجد وعددت فيه مائة وعشرة مجالس فإذا صلّوا العشاء اقام البعض الى ثلث وأكثر سوقهم إذا رجعوا من الجامع ولا ترى اجلّ من مجالس القرّاء به وبه مجلس للمتلعّبين ولهم إجراء ويضربون على جوامعهم شراعات وقت الخطبة مثل البصرة ويخلو أسواقهم أيّام الجمع، قلّ ما يلبسون ثوبا غسيلا أو نعلا قد امتعطت ولا يكثرون اكل اللحم ويكثرون الإشارة في الصلاة والنخع والمخاط في المساجد ويجعلونه تحت الحصر ويخبزون في الرساتيق وقت البيادر ما يكفيهم الى عام قابل ثم ييبّسونه ويخبونه ولهم باذهنجات مثل أهل الشام أهل تجمّل وتردّ وتملّق يمينهم الكبرى وراس الله والصغرى وحقّ عليّ يحبّون رءوس السمك ويقال انهم إذا رأوا شاميّا قد اشترى سمكا اتبعوه فإذا رمى رءوسها أخذوها يكثرون اكل الدلّينس اقذر شيء حيوان بين زلفتين صغيرتين يفلقان ويحسى مثل المخاط ومن عيوبهم ضعف قلوبهم وقلّة ثمارهم وأهل الشام ابدا يعيّبونهم ويسخرون منهم يقولون مطر أهل مصر الندى، وطيرهم الحدا وكلامهم يا
سيدي رخو مثل النسا، أعزّك الله ما لك كذا،، أكلهم الدلّينس ونقلهم الحمّص وجبنهم الحالوم وحلواهم النيدة وقطائعهم الخنازير ويمينهم كفر اما النيل فلم أذق ولا سمعت انّ في جميع الدنيا ماء احلى منه الّا نهر المنصورة وزيادته من شهر بونه الى شهر توت وقت عيد الصليب ولهم سدّان أحدهما بعين شمس ترعة تسدّ بالحلفاء والتراب قبل زيادته فإذا اقبل الماء ردّه السدّ وعلا الماء على الجرف أعلى القصبة فيسقى تلك الضياع مثل بهتيت والمنيتين وشبرو ودمنهور وهو سدّ خليج أمير المؤمنين فإذا كان يوم عيد الصليب وقت انتهاء حلاوة العنب خرج السلطان الى عين شمس فامر بفتح هذه الترعة وقد سدّ أهل الجرف أفواه انهارهم حتّى لا يخرج الماء منها وجعلوا عليها الحرّاس فينحدر الماء الى ضياع الريف كلّها والترعة الأخرى أسفل من هذه وأعظم غير ان السلطان لا يحضرها ويبين بفتحتها النقصان في النيل وهي بسردوس والمقياس بركة وسطها عمود طويل فيه علامات الأذرع والأصابع وعليه وكيل وأبواب محكمة يرفع الى السلطان في كلّ يوم مقدار ما زاد ثم ينادى المنادي زاد الله اليوم في النيل المبارك كذا وكذا وكانت زيادته عام الأوّل في هذا اليوم كذا وكذا وعلى الله التمام ولا ينادى عليه الّا بعد ان يبلغ اثنى عشر ذراعا الّا ما يرفع الى السلطان حسب والاثنا عشر ما يعمّ ضياع الريف فإذا بلغ اربعة عشر سقى أسفل الإقليم فإذا بلغ ستّة عشر استبشر الناس وكانت سنة مقبلة فان جاوزها كان خصب وسعة فإذا نصب الماء أخذوا في الحرث والبذر وفي أيّام زيادته تتبحّر مصر حتّى لا يمكن الذهاب من هذه الضيعة الى الأخرى الّا في الزواريق في بعض المواضع وقد كانت له
سنّة سوء في القديم على ما حدّثنا ابو ياسر مسافر بن عبد الله الأنصاريّ قال حدّثنا يوسف بن عليّ قال حدّثنا المأمون قال حدّثنا محمّد بن خلف قال أخبرنا ابو صالح عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجّاج قال لمّا افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بونه فقالوا أيّها الأمير ان لنيلنا هذا سنّة لا يجرى الّا بها إذا كانت ثنتا عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا الى جارية بكر بين أبويها فارضيناهما وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها فيه فقال لهم عمرو هذا ما لا يكون ابدا ان الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا ذلك الشهر وشهرا آخر وشهرا آخر لا يجرى فيه النيل بقليل ولا بكثير حتّى همّوا بالجلاء فلمّا راى ذلك عمرو كتب الى عمر بن الخطّاب بذلك فكتب اليه انك قد أصبت بالذي فعلت وان الإسلام ليهدم ما قبله فبعث ببطاقة في داخل كتابه وكتب الى عمرو انى قد بعثت إليك بطاقة فألقها في النيل فلمّا قدم الكتاب افتتحه ونظر فإذا في البطاقة من عبد الله عمر أمير المؤمنين الى نيل مصر اما بعد فان كنت انّما تجرى من قبلك فلا تجر وان كان الله الواحد القهّار الّذي يجريك فنحن نسأله تعالى ان يجريك فألقاها قبل الصليب وقد تهيّأ أهلها للجلاء فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستّة عشر ذراعا وقطع الله تلك السّنّة السيّئة عنهم الى اليوم ويكدر ماؤه أيّام زيادته فيلقون فيه نوى المشمش المرضوض ليصفو ويبرد أيّام البرد نحو شهرين، وكنت يوما في مجلس الحليمىّ بالجامع فأتى بكوز ماء فشرب منه ثم قال قد استوينا معكم يا مقدسىّ في الماء قلت ولا سواء أيّد الله الفقيه برد مائنا دائم وهذا عارض ولهم مشارع على الشطّ يحملون منها الماء في الروايا ويصعدون كلّ طبقة بنصف دانق مزبّقة، وإذا هبّت
ريح الشمال تراكضت أمواج البحر ودفعت ماء النيل من البحيرة فإذا هبّت الجنوب ردّت ماء البحر عن البحيرة وغلب عليها النيل وملأ أهل تنّيس صهاريجهم في تلك الأشهر الأربعة بالروايا والقرب وسمعت جماعة بالفرما يذكرون ان النيل ربما بلغ المناير، ويصل النيل أيضا الى قصبة الاسكندريّة ويدخلها في شبّاك حديد فيملّون صهاريجهم ثم ينقطع وفي النيل دابّة تسمّى التمساح على شبه الحرذون رأسه ثلث بدنه لا يعمل فيه السلاح الّا تحت إبطيه وفمه يختطف الإنسان وأكثر ما يظهر بالصعيد وسردوس، ومن أمثالهم احذر سردوس، ولو كان الماء في قدوس،، والقادوس كوز الدولاب، وكنت يوما في سفينة عند سردوس فحكّت فقلت أبالأرض حكّت قيل لا ولكن بظهر تمساح ولم يكن النيل يبلغ للفيّوم فشكوا ذلك الى يوسف عم فبنى وسط النهر سدّا عظيما وجعل في أسفله منافس في قنىّ زجاج فردّ السدّ الماء فارتفع حتّى حاذى ارض الفيّوم فسقاها فهي اليوم أكثر لرض مصر ماء الا ترى ان بها مزارع الارزّ أولا ترى الى ثقل خراجها وكثرة دخلها والماء حين زيادته ينهال من فوق السدّ فربّما خلّوا المراكب مع الجرية فانحدرت سالمة وربّما عطفت فانقلبت فإذا استغنوا عن الماء فتحت المنافس وانحطّ الماء وكلّما قرب الى النيل من الآبار حلوة وما بعد كريهة وأطيب الحمّامات ما كان على الشطّ ولهم قنى تدخل البلد يستقى لها الماء بالدواليب وعلى النيل أيضا دواليب كثيرة تسقى البساتين وقت نقصانه، وماء الفيوم حار لانه يجرى على مزارع الرزّ وهم يقولون ان الجدي أوّل ما يولد يقول اخرجوا يا غربلة، وبالإسكندريّة سمك مخطّط يسمّى الشّرب من اكل منه راى منامات وحشة الّا ان يكون ممّن
يشرب الخمر فإنه لا يضرّه، وبالفرما طير السمّانى من اكل منه زمن وتعقّدت مفاصله، من واظب في الفسطاط على اكل السمك جرب جربا لا يفارقه سبع سنين وبه جبل فيه معدن الذهب ولهم معادن زاج الحبر لا ترى مثله وطين يسمّى الطفل، وفي المقطّم مقاطع حجارة بيض حسنة تنشر كما ينشر الخشب وبه مشاهد قد قال بعض المفسّرين ان الرّبوة ذات قرار ومعين هي مصر وقد كان عيسى ومريم بها مدّة، وطور سينا قريب من بحر القلزم يخرج اليه من قرية تسمّى الأمن وهو الموضع الّذي خرج فيه موسى وبنو إسرائيل وثمّ اثنتا عشرة عينا عذيبيّة الطور منه على يومين فيه دير للنصارى ومزارع كثيرة وثمّ زيتونة يزعمون انها التي لها قال الله لا شرقيّة ولا غربيّة يحمل زيتها الى الملوك، وبالفسطاط الموضع الّذي بيع. فيه يوسف عم وبالمقطّم مواضع يفضّلونها وصوامع يقصدونها ليالي الجمع، وعلى صيحة من الفسطاط موضع يسمّى القرافة فيه مسجد وسقايات حسنة وخلق من العبّاد وموضع خلوة وسوق لطلّاب الآخرة وجامع حسن، ومقابرهم في غاية الحسن والعمارة ترى البلد غبراء والمقابر بيضا ممتدّة على طول المصر فيها قبر الشافعيّ بين المزنيّ وابى إسحاق المروزيّ، والموضع الّذي دخل منه بنو إسرائيل البحر عند القلزم، وبقرب سردوس مسجد الخضر عم، وتيه بنى إسرائيل، فيه خلاف والصحيح انه بين مصر والشام يكون نحو أربعين فرسخا رمال وسباخ وسماق وفيه نخيل وعيون له حدّ متّصل بالجفار وآخر
بطور سينا وحدّ المفازة الريف من نحو القلزم وحد بالشام وفيه طريقهم الى مكّة وفيه عجائب منها الهرمان اللذان هما أحد عجائب الدنيا من حجارة شبه عماريّتين ارتفاع كلّ واحدة اربعمائة ذراع بذراع الملك في عرض مثلها قد ملئت بكتابة يونانيّة وفي داخلهما طريقان الى أعلاهما وطريق تحت الأرض نبيّة موضوعة في الرمال وسمعت فيهما أشياء مختلفة فمنهم من قال هما طلسمان ومنهم من قال كانتا اهراء يوسف وقيل بل كانت هي قبورهم، وقرأت في كتاب ابن الفقيه انهما للرمل المحبوس، ويقال مكتوب عليهما انّى بنيتهما فمن كان يدّعى قوّة في ملكه فليهدمهما فان الهدم أيسر من البناء فأراد بعض الملوك هدمهما فإذا خراج مصر لا يقوم بهدمهما فتركهما وهما املسان مثل العماريّتين يريان من مسيرة يومين وثلاثة لا يصعد فوقهما الّا كلّ شاطر وحولهما أمثالهما عدّة صغار وهذا يدلّ على انها مقابر الا ترى الى ملوك الديلم بالريّ كيف اتّخذوا على قبورهم قبابا عالية واحكموها جهدهم وعلّوها طاقتهم كيلا تندرس ومن دونهم أصغر منها، وثمّ صنم يزعمون ان الشيطان كان يدخله فيكلّمه حتّى كسر انفه وشفتاه وبعين شمس شبه منارتين طويلتين قطعة واحدة على رأسهما شبه حربة تسمّيان المسلّتين وثمّ أيضا على هذا العمل دونهما وسمعت فيهما أشياء لا يقبلها العقل
وقرأت في كتاب الطلسمات انهما طلسمان للتماسيح ويجوز هذا الا ترى ان التماسيح في كورة الفسطاط لا تضرّ مع عظمها وكثرتها، وفي الفسطاط عند قصر الشمع امرأة ممسوخة على رأسها سفل من حجر يقال انها كانت غسّالة لآل فرعون وانها آذت موسى فمسخت على طريق الصعيد بيوت تسمّى البرابي فيها تصاوير كثيرة وبها وبالهرمين عقود وطروح كثيرة، بحلوان مغاير عجيبة منكرة يتيه الإنسان فيها وذكروا ان فيها طريقا الى القلزم أملس كأنما اجرى عليها الماء المالح منارة الاسكندريّة قد ارسى أساسها في شبه جزيرة صغيرة يدخل اليها في طريق ضيّقة بالصخر محكمة فالماء يسطع المنارة من جانب الغرب وكذلك حصن المدينة الّا ان المنارة في جزيرة وفيها ثلاثمائة بيت يصعد الى بعضها الفارس بفرسه والى كلّها بدليل وهي مشرفة على جميع مدن البحر ويقال انه كان فيها مرآة يرى فيها كلّ مركب اقلع من سواحل البحر كلّها وانه ما زال عليها قيّم ينظر فيها كلّ يوم وليلة فإذا تراءى له مركب اعلم الأمير فأنفذ الطيور الى السواحل ليكونوا على عدّة فبعث كلب الروم من احتال وتلطّف حتّى جعل قيّما ثم ذهب بها وقيل بل كسرها وطرحها في البحر، وفي كتاب الطلسمات انها بنيت طلسما لئلّا يغلب ماء البحر على ارض مصر وان كلب الروم احتال في هدم رأسها من أجل ذلك فلم يصل اليه بالجفار طلسم للرمال حتّى لا تغلب على المدن والقرى ولا تكون الطلسمات الّا بمصر والشام ويقال هي من عمل الأنبياء ورأيت بفارس أيضا طلسمات وأسماء شهورهم القبطيّة أوّل الشتويّة توت وفيه النيروز بابه هتور كيهك
طوبه امشير والصيفيّة برمهات برموده بشنس باونه ابيب مسرى واما وضعه فان بحر الروم على تخومه الشماليّة وبحر الصين يمدّ على ثلثيه من قبل الشرق وهذان الثلثان صفوف خمسة صفّ بين البحر والجبل يابس والصفّ الثاني جبل المقطّم والصفّ الثالث الصعيد يقع فيه النيل وما عليه من البلدان والصفّ الرابع جبل أيضا خلفه كورة الواحات، وطول مصر من بحر الروم الى النوبة اقلّ من شهر وعرضه من الجنوبىّ ثماني مراحل ومن الشمالىّ اثنتا عشرة وللدخلة فيه عند بحر القلزم اربع مراحل واما الولايات فللفاطمىّ وهم في عدل وامن لانه سلطان قوىّ غنىّ والرعيّة في راحة وثمّ سياسة ونفاذ امر وكلّ سامع مطيع من الأركان سرّا وعلانية لا يخطب الّا لأمير المؤمنين حسب واما الدخل فقرات في كتاب الخراج لقدامة بن جعفر فإذا هو يذكر ان دخل مصر من العين الفا ألف وخمسمائة ألف دينار وقرأت في كتاب ابن الفقيه لونا آخر وقضيّة طويلة يذكر دخله أيّام فرعون ثم أيّام الحجّاج وأيّام ولد العبّاس ويسمّيه خراجا وسالت بعض المصريّين ببخارا عن الخراج فقال ليس على مصر خراج ولكن يعمد الفلّاح الى الأرض فيأخذها من السلطان ويزرعها فإذا حصد ودرس وجمع رشمت بالعرام وتركت ثم يخرج الخازن وأمين السلطان فيقطعون كرى الأرض ويعطى ما بقي للفلّاح، قال وفيهم من يأخذ من السلطان تقوية فيزاد عليه في كرى الأرض بمقدار ما اقتطعه قلت فلا يكون لأحد ثمّ ملك وضيعة قال لا اللَّهمّ الّا ان يكون رجل قد اشترى ممّن اقطعه السلطان في القديم ووهبها فاحتاج هو أو ذرّيّته الى ثمنها فباعها لعامّة الناس قلت فهذا الّذي يقال ان ارض مصر لا تملك لان أهلها باعوها من يوسف عم قال هذا كلام ألم تعلم ان الإسلام يهدم ما قبله أو لم تعلم ان يوسف عم ردّ على الناس املاكهم لمّا أخصبت مصر وانّما هذا شيء صالحوا عليه المسلمين وقت فتوحها قلت فلم لم يصالحوا كما صالح أهل الشام وكلاهما فتحا عنوة قال الشام بلد يمطر في كلّ سنة فلا
يتعطّل الزرع فيه الّا انه ربّما أخصب وربّما اجدب ومصر معوله على النيل ربّما لا جرى وربّما بلع اربعة عشر وستّة عشر وربّما زاد على ذلك والأمر في جريانه شديد التفاوت فلو فرض عليه الخراج لزم ان يؤدّيه من امكنه ان يزرع ومن لا يمكنه واما الضرائب فثقيلة بخاصّة تنّيس ودمياط وعلى ساحل النيل واما ثياب الشطويّة فلا يمكن القبطيّ ان ينسج شيئا منها الّا بعد ما يختم عليها بختم السلطان ولا ان تباع الّا على يد سماسرة قد عقدت عليهم وصاحب السلطان يثبت ما يباع في جريدته ثم تحمل الى من يطويها ثم الى من يشدّها بالقشّ ثم الى من يشدّها في السفط والى من يحزمها وكلّ واحد منهم له رسم يأخذه ثم على باب الفرضة يؤخذ أيضا شيء وكلّ واحد يكتب على السفط علامته ثم تفتّش المراكب عند اقلاعها ويؤخذ بتنّيس على زقّ الزيت دينار ومثل هذا وأشباهه ثم على شطّ النيل بالفسطاط ضرائب ثقال رأيت بساحل تنّيس ضرائبيّا جالسا قيل قبالة هذا الموضع في كلّ يوم ألف دينار ومثله عدّة على ساحل البحر بالصعيد وساحل الاسكندريّة وبالإسكندريّة أيضا على مراكب الغرب وبالفرما على مراكب الشام ويؤخذ بالقلزم من كل حمل درهم واما المسافات فتأخذ من الفرما الى البقّارة مرحلة ثم الى الورّادة مرحلة
ثم الى العريش مرحلة ثم الى رفح مرحلة، ويؤخذ في الصيف من الفرما الى جرجير مرحلة ثم الى فاقوس مرحلة وفي الشتاء من الفرما الى الرّصد مرحلة ثم الى فاقوس مرحلة، وتأخذ من الفرما في الماء الى تنّيس مرحلة ثم الى دمياط مرحلة ثم الى المحلّة الكبيرة مرحلة ثم الى الاسكندريّة مرحلتين، وتأخذ من دمياط الى سردوس مرحلة ثم الى الفسطاط مرحلة، وتأخذ من بلبيس الى المنصف مرحلة ثم الى القلزم مثلها، وتأخذ من الفرما الى دير النصارى ذات الساحل مرحلة ثم الى المخلصة مرحلة ثم الى العريش مرحلة، ومن بلبيس الى الفسطاط مرحلة، وتأخذ من الاسكندريّة الى الرافقة مرحلة ثم الى كوم شريك مرحلة ثم الى ترنوط مرحلة ثم الى ذات السلاسل مرحلة ثم الى الفسطاط مرحلة، وتأخذ من الاسكندريّة الى بومينه مرحلة ثم الى سفا مرحلة ثم الى ارمسا بريدين ثم الى ذات الحمام مرحلة، وتأخذ من الاسكندريّة الى الغاضرة مرحلة ثم الى فاقوس مرحلة، وتأخذ من الفسطاط
الى بلبيس مرحلة ثم الى المنصف مرحلة ثم الى القلزم مرحلة، ومن القلزم الى جدّة في البحر من يوما الى على قدر الريح وهي فرسخ، وتأخذ من الجبّ الى البويب مرحلة ثم الى منزل ابن بندقة مرحلة ثم الى عجرود مرحلة ثم الى المدينة مرحلة ثم الى الكرسيّ مرحلة ثم الى الحفر مرحلة ثم الى ويلة مرحلة، من أسوان الى عيذاب طريق آمنة لا انعتها
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع