تجاوز إلى المحتوى

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)

جمل شئون هذا الإقليم (٢)

اما الهواء والرسوم فمقاربة للشام مشابهة للعراق وبه مواضع حارّة وبه نخيل مثل سنجار ومدن الفرات وكورة آمد باردة لقربها من الجبال واصحّ بلدانه هواء الموصل، وأكثر بنيانهم الحجارة ولا اعرف به ماء رديّا ولا واديا وبيّا ولا طعاما لا تجده مريّا، وليس به مجوس ومعدن الصابئين بالرّها وحرّان في جميع المملكة، وليس فيه بحيرة ولا يتّصل ببحر ولا للمذكّرين به صيت ولا للرزق به سوق ومذاهبهم سنّة وجماعة الّا عانة فإنها كثيرة المعتزلة ولا ترى في الرأى غير مذهب ابى حنيفة والشافعيّ وفيه حنابلة وجبلة للشيعة لم تقسّم الاهواء قلوبهم ولا يتعاطى الكلام فقهاؤهم يختارون قراءة عبد الله بن عامر، واتّفق حرب البجاة مع الحبوش وقت كوني بزبيد فاستخلفنى القاضي أصلّي بهم العشائين فقال لي يوما القوم لك شاكرون وانا لك لائم قلت على ماذا أيّد الله القاضي قال أنت رجل تتفقّه لأهل الكوفة فلم لا تقرأ بحروفهم وما الّذي امالك الى قراءة ابن عامر قلت خلال اربع قال وما هنّ قلت اما الاولى فان ابن مجاهد روى عن ابن عامر ثلاث روايات احداهنّ انه قرأ على عثمان بن عفّان والثانية انه سمع القرآن من عثمان وهو صبىّ والثالثة انه قرأ على من قرأ على عثمان وليس هذا لغيره

من ائمّة القرّاء بل بين كلّ واحد وبين عليّ وعبد الله وأبىّ وابن عبّاس رجلان أو ثلاثة فيمن بينه وبين عثمان الّذي قد اجمع المسلمون على مصحفه واتّفقوا على جمعه وتداولوه رجل احقّ بان يقرأ له ممّن بينه وبين من لا يستعمل جمعه ولا وقع الاتّفاق على مصحفه رجلان وثلاثة وأيضا رأيت المصاحف القديمة بالشام ومصر والحجاز المنسوبة الى عثمان فإذا هي لا تخالف حروف ابن عامر في شيء، والنحلّة الثانية رأيت قراءة ابن عامر قياسيّة إذا استعمل التاء أو التثقيل في موضع أجراه في جميع النظائر وغيره يقول في سورة كذا بالتاء وفي سورة كذا بالياء وفي موضع سدّا وموضع آخر سدّا وخراجا وخرجا وكرها وكرها وأمثال هذا كثير وكنت رجلا قد أردت التفقّه فرأيتها عليّ أهون والى طريقة الفقه أقرب، والخلّة الثالثة رأيت بقيّة القرّاء قد اختلفت عنهم الروايات من ثلاث الى ثلاثين وابن عامر لم يرو عنه الّا يحيى حسب وانّما وقع الاختلاف عن يحيى لان ابن ذكوان وهشام بن عمّار قرءا على يحيى فعلمت انه كان متقنا على يقين من قراءته، والرابعة انى رجل شامىّ وقد فارقتهم في المذهب فلم أحبّ ان أفارقهم في المقرأ بعد ما صحّ الرجحان عندي، فقال القاضي للَّه درّك يا با عبد الله ما أحسن ما أتيت به ولقد جلّت هذه القراءة عندي بعد ما كنت فيها من الزاهدين، فان قال خصم أو ليس قد ناقض ابن عامر في غير موضع اجبناه لو لم يناقض لزهدنا في قراءته وظننّا به الظنون لان القراءات لا تؤخذ بالقياس فلمّا ناقضنا علمنا انه متبع وناقل الّا ان نقله وافق القياس، فان قال أو ليس قد طعن

فيه السلف ولحّنوه في حروف اجبناه ان أحدا من ائمّة القرّاء لم يسلم من الطعن الا ترى انهم قد طعنوا على عاصم وحمزة في ضعف وعلى ابى عمرو في ننسؤها وفي هذين وقد احتجّ الكبراء للجميع وصوّبوا مذاهبهم ولا يطعن في الائمّة الّا جاهل، فان قال ابن عامر مجهول وقراءته غير مشهورة اجبناه لو كان ابن عامر بالحجاز أو بالعراق ما جهل ولا شذّت قراءته لكنّه لمّا كان بمصر متطرّفا قلّ الواردون عليه والناقلون عنه الا ترى ان الأوزاعيّ كان من ائمّة الفقه وقد بطل مذهبه لهذا المعنى فلو كانا على سابلة الحاجّ لنقل مذهبيهما أهل الشرف والغرب، فان قال الست ممّن لقي مشايخ العلم والورع وأكثرهم ينهون عن التجريد ويختارون قراءة العامّة اجبناه بلى لكنّى لمّا سافرت وشاهدت ائمّة المقرءين أحببت التلاوة عليهم وأخذ الفوائد منهم فكنت إذا قرأت بالجائز هوّنوا أمري واحالونى على تلاميذهم فإذا جرّدت أقبلوا عليّ والمياه واسعة أكثرها من دجلة والفرات وهو نهر من عيون تجتمع وتصبّ الى الفرات واما أصل دجلة العراق فإنها تخرج من تحت كهف الظلمات ماء أخضر ثم تلقاها عدّة انهار الى الزاب وأوّل مبدئها لا تدير أكثر من رحى واحدة أوّل ما يختلط بها نهر الذيب ثم الرمس ثم المسوليات

ثم تعبر الكاروخة ثم سربط ثم عين تلّ فافان ثم نهر الرّزب ثم الزاب ثم أنت في العراق، ويقال الفرات مبارك ودجلة ملعونة وبه تجارات ترتفع من الموصل الحبوب والعسل والنمكسود والفحم والشحوم والجبن والمنّ والسمّاق وحبّ الرمّان والقير والحديد والاسطال والسكاكين والنشّاب والطّريخ الفائق والسلاسل، ومن سنجار فرك اللوز وحبّ رمّان والقصب والسمّاق، ومن نصيبين شاه بلّوط وهو شيء أكبر من البندق وأطيب ليس بمدوّر والفواكه المقدّدة والموازين والدوايات والكواذين، ومن الرقّة الصابون والزيت والأقلام، ومن حرّان القبّيط وعسل النحل في ادنن والقطن والموازين، ومن الجزيرة الجوز واللوز والسمن والخيل الجياد، ومن الحسنيّة الجبن والقبج والجواجيق والشواريز والفواكه المقدّدة والزبيب، ومن معلثايا الألبان والفحم والأعناب والفواكه الرطبة والشاهدانق والقنّب والنمكسود، ومن بلد اللّبأ في القدور في الزواريق القدر بخمس دوانيق خمسة أمناء، ومن الرّحبة السفرجل الفائق الرائق، ومن آمد ثياب الصوف والكتّان الروميّة على عمل الصقلىّ وخصائص هذا الإقليم الخيل والصابون والسلاسل والسيور وقبّيط حرّان وقطنها وموازينها واما مكاييلهم فلهم المدّ والمكّوك والقفيز والكارة فالمكّوك خمسة عشر رطلا والمدّ ربعه والكارة

مائتان وأربعون رطلا والقفيز ربعها والمكّوك ربع القفيز وأرطالهم بغداديّة وفرقهم بغداديّ ستّة وثلاثون رطلا ولغتهم لغة حسنة اصحّ من لغة الشام لانهم عرب أحسنها الموصليّة وهم أحسن وجوها وهي اصحّ هواء من سائر الإقليم وقد جمعت أكثر القبائل أكثرهم حارثيّون ولهم مشاهد ثمّ بسواد الموصل مسجد يونس وآثاره عند نونوى القديمة موضع يسمّى تلّ توبة على رأسه مسجد ودور للمجاورين بنته جميلة ابنة ناصر الدولة وأوقفت عليه اوقافا جليلة يزعمون ان سبع زورات يعدلن حجّة يقصد ليالي الجمع وهو الموضع الّذي خرج اليه قوم يونس لمّا أيقنوا بالعذاب وعلى نصف فرسخ منه عين يونس وبظاهر بلد عين يزعمون ان يونس خرج منها يستشفى بمائها من البرص وثمّ له مسجد وموضع شجرة اليقطين، على فرسخ من ميّافارقين دير توما فيه جسد قائم يزعمون انه من الحواريّين يابس، رباط ذي القرنين على طريق الرحاب حصين عامر تحته كهف الظلمات التي دخلها ذو القرنين وحرص مسلمة بن عبد الملك في دخولها واستعدّ المشاغل والشموع فانطفت ورجع ومن العجائب بنصيبين عين ينبع منها كلس ابيض يستعملونه كما يستعمل في الحمّامات والدور، بأرض الموصل دير الكلب يحمل اليه من عضّه كلب عقور فيقيم عند رهبانه خمسين يوما فيبرأ باذن الله تعالى، وبهذا الرستاق عين من شرب منها مات بعد ثلاثة أيّام، على بريد من الموصل قرية باعشيقا بها نبت من قلعه وبه بواسير أو خنازير سقطت عنه فان بعث من به هاتان العلّتان رجلا بدرهم

ومسلّة الى قوم ثمّ يتوارثونها فحملها أحدهم الى ذلك النبت فقلعه على اسم صاحب العلّة بريء ولو كان بالشاش ويستنفع الرجل بالدرهم وكان يقال عجائب الدنيا ثلاث منارة الاسكندريّة وقنطرة سنجة وكنيسة الرّها فلمّا بنى المسجد الأقصى جعل بدل الكنيسة فلمّا هدمته الزلزلة جعل موضعه جامع دمشق وهذه القنطرة على خمسة فراسخ من جبل الجودىّ كبيرة شاهقة متّصلة بالجبل على حجر مخوّج مركّبة إذا زاد عليها الماء اهتزّت ويجب ان نذكر أسباب القسطنطينيّة لان للمسلمين بها دارا يجتمعون فيها ويظهرون الإسلام بها وقد كثر الاختلاف والكذب فيها وامر البلد ومساحته وبنيانه فرأيت ان اصوّر ذلك للعيون وأوضحه للقلوب واذكر الطرق اليها لحاجة المسلمين الى ذلك وقصدهم في شراء الأسارى والرسالات والغزو والتجارات، اعلم ان مسلمة بن عبد الملك لمّا غزا بلد الروم ودخل هذا المصر شرط على كلب الروم بناء دار بإزاء قصره في الميدان ينزلها الوجوه والاشراف إذا أسروا ليكونوا تحت كنفه وتعاهده فأجابه الى ذلك وبنى دار البلاط والبلاط خلف الميدان يصنع به الديباج الملكىّ، فالقسطنطينيّة تكون في العظم مثل البصرة أو أصغر بناؤهم حجر وهي محصّنة كسائر البلدان منيعة بحصن واحد لا غير، والبحر من جانب على حافته الميدان ودار البلاط ودار الملك على صفّ والميدان بين الدارين أبوابها متقابلة في وسط الميدان دكّة

بدرج ولا يسكن دار البلاط من المسلمين الّا وجيه في اجراء وتعاهد وتنزّه، وسائر الأسارى من عامّة المسلمين يستعبدون ويستعملون في الصنائع فالحازم الّذي إذا سئل عن صنعته لم يقرّ بها وربّما اتّجر الأسارى بينهم وانتفعوا ولا يكرهون أحدا على اكل لحم الخنزير ولا يثقبون انفا ولا يشقّون لسانا، ومن دار الكلب الى دار البلاط حبل ممدود فيه صورة فرس من نحاس ولهم أوقات يجتمعون فيها للّعب واسم الملك وينطوا واسم الوزير براسيانا فإذا أرادوا ان يتفاءلوا في لعبهم صاروا حزبين وأرسلوا الخيل حول الدكّة فان سبقت خيل حزب الكلب قالوا ستكون الغلبة للروم فصاحوا وينطوا وينطوا وان غلبت خيل حزب الوزير قالوا ستكون الغلبة للمسلمين فصاحوا براسيانا براسيانا وذهبوا الى المسلمين فيخلعون عليهم ويصلونهم لكون الغلبة لهم، وللبلد أسواق حسنة والأسعار به رخيصة والفواكه كثيرة وبمدن التبن مسلمون وكذلك بمعدن النحاس وبأطرابزند أيضا مسلمون واقصد الطرق الى القسطنطينيّة من هذا الإقليم لأجل ذاك وصفناها فيه وكان ثغر هذا الإقليم ملطية وبلدانها وقد خرّبها العدوّ واما المسافات فتأخذ من الموصل الى مرجهينة أو الى بلد أو الى المحلبيّة أو الى مزارعى مرحلة مرحلة ثم من مرجهينة الى الحديثة مرحلة ثم الى

البقيعة مرحلة ثم الى السّنّ مرحلة، وتأخذ من بلذ الى برقعيد مرحلة ثم الى أذرمة مرحلة ثم الى المونسة مرحلة ثم الى نصيبين مرحلة ثم الى دارا مرحلة، وتأخذ من المحلبيّة الى الشحّاجيّة مرحلة ثم الى تلّ اعفر مرحلة ثم الى سنجار مرحلة، وتأخذ من مزارعى الى معلثايا مرحلة ثم الى الحسنيّة مرحلة ثم الى ثمانين مرحلة ثم الى جزيرة ابن عمر مرحلة ثم الى تلّ فافان مرحلة، ومن الموصل الى شهرزور فرسخا وتأخذ من آمد الى ميّافارقين مرحلة ثم الى أرزن مرحلة ثم الى مسجد أويس مرحلة ثم الى المعدن مرحلة ثم الى بدليس مرحلة، وتأخذ من آمد الى شمشاط مرحلة ثم الى تلّ حوم مرحلة ثم الى جرنان مرحلة ثم الى بامقرا مرحلة ثم الى جلّاب مرحلة ثم الى الرّها بريدين ثم الى حرّان مثلها ثم الى باجروان مرحلة ثم الى الرقّة نصف مرحلة وتأخذ من الرّحبة الى قرقيسيا مرحلة ثم الى الدالية أو الى بئر

مرحلة ومن قرقيسيا الى فدين مرحلة ثم الى السّكير مرحلة وتأخذ من آمد الى تلّ حور مرحلة ثم الى ملطين مرحلة ثم الى طبوس مرحلة ثم الى شمشاط مرحلة ثم الى الفعونية مرحلة ثم الى حصن زياد مرحلة ثم الى ملطين مرحلة ثم الى عرقة مرحلة ثم الى الصّفصاف مرحلة ثم الى الرّمّانة مرحلة ثم الى سمندو مرحلتين ثم الى مرج قيساريّة مرحلة ثم الى أنقرة مراحل ثقالا ثم الى جسر شاغر في بلد ابن الملاين مراحل ثم الى النقموذيّة مرحلة ثم الى ملعب الملك مرحلة ثم الى حارفة مرحلة ثم الى القسطنطينيّة مرحلة، وان شئت تأخذ من ميّافارقين الى موش مراحل ثم الى قنب مرحلة ثم الى سنّ نحلس مرحلة وهي صليب طريق قاليقلا وطريق ملازكرد وطريق موش وطريق الخالديات مرحلتان ثم الى سموقموش مثلها ثم الى قلونية العوفيّ مرحلتين ثم الى نفشارية مراحل ثم الى عقبة الشهداء مرحلة ثم الى الأفلاغونية مرحلة ثم الى السونشة مرحلة ثم الى بمولصة مرحلة ثم الى بلد ابن السوانيطى مرحلة ثم الى دوسنية مرحلة ثم الى [؟] باحورية مرحلة ثم الى قطابولى فيها جيش للمسلمين مرحلة ثم الى بلد ابن الملاين

مرحلتين فيه ضيافة للمسلمين ثم الى البحيرة الحلوة مرحلة ثم الى حصن صاعس مرحلة

النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.