تجاوز إلى المحتوى

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)

إقليم الشام

إقليم الشام جليل الشان ديار النبيّين، ومركز الصالحين،، ومعدن البدلاء، ومطلب الفضلا،، به القبلة الاولى، وموضع الحشر والمسرى،، والأرض المقدّسة والرباطات الفاضلة والثغور الجليلة والجبال الشريفة ومهاجر إبراهيم وقبره وديار أيّوب وبئره ومحراب داود وبابه وعجائب سليمان ومدنه وتربة إسحاق وامّه ومولد المسيح ومهده وقرية طالوت ونهره ومقتل جالوت وحصنه وجبّ ارميا وحبسه ومسجد اوريّا وبيته وقبّة محمّد وبابه وصخرة موسى وربوة عيسى ومحراب زكريّا ومعرك يحيى ومشاهد الأنبياء وقرى أيّوب، ومنازل يعقوب،، والمسجد الأقصى، وجبل زيتا،، ومدينة عكّا، ومشهد صدّيقا،، وقبر موسى ومضجع إبراهيم ومقبرته ومدينة عسقلان، وعين سلوان،، وموضع لقمان، ووادي كنعان،، ومدائن لوط وموضع الجنان، ومساجد عمر ووقف عثمان،، والباب الّذي ذكره الرجلان، والمجلس الّذي حضره الخصمان،، والسور الّذي بين العذاب والغفران، والمكان القريب والمشهد بيسان، وباب حطّة ذو القدر والشان،، وباب الصور وموضع اليقين وقبر مريم وراحيل ومجمع البحرين، ومفرق الدارين،، وباب السكينة وقبّة السلسلة ومنزل الكعبة مع مشاهد لا تحصى، وفضائل لا تخفى،، وفواكه ورخا، وأشجار واميا،، وآخرة ودنيا، به يرقّ القلب وينبسط للعبادة الأعضاء، ثم به دمشق، جنّة الدنيا، وصغر البصرة الصغرى،، والرملة البهيّة وخبزها الحوّارى، وإيليا الفاضلة بلا لأوى،، وحمص المعروفة بالرخص وطيب الهوا،، وجبل بصرى وكرومه

فلا تنسى، وطبريّة الجليلة بالدخل والقرى،، ثم البحر يمدّ على غريبة فالمحمولات فيه اليه ابدا وبحر الصين متّصل بطرفه الأقصى، له سهل وجبل واغوار واشيا،، والبادية على مخومه كالزقاق منه الى تيماء، وبه معادن الرّخام وعقاقير كلّ دوا،، ويسار وتجار ولباقة وفقها، وكتّاب وصنّاع وأطبّاء، الّا انهم على خوف من الروم وفي جلا، والاطراف قد خربت وامر الثغور قد انقضى،، وليسوا كالاعاجم في العلم والدين والنهى، وبعض قد ارتدّ وبعض للجزية في ادا، يقدّمون طاعة المخلوق على طاعة ربّ السما،، عامّتهم جهّال أو غوغا، لا نهضة في جهاد ولا حميّة على الأعداء،،.

ويقال انّما سمّيت الشام لأنها شامة الكعبة وقيل بل من تشاءم الناس اليها وقيل بل لشامات بها حمر وبيض وسود، وأهل العراق يسمّون كلّ ما كان وراء الفرات شاما ولهذا أرسل محمّد بن الحسن القول في دواوينه وليس وراء الفرات من الشام غير كورة قنّسرين حسب والباقي بادية العرب والشام من ورائها وانّما أراد محمّد التقريب والمتعارف بين الناس كما يقال لخراسان المشرق وانّما هو من ورائها وانّما الشام كلّما قابل اليمن وكان الحجاز بينهما فان قال قائل ما تنكر ان يكون طرف البادية الى حدود العراق من الشام ليصحّ ما قاله أهل العراق قيل قد قسمنا الأقاليم ورسمنا الحدود فلا ينبغي لنا ان ندخل في إقليم من غيره، فان قال قائل فمن اين لك انه ليس منه في القديم قيل له لم يختلف فقهاء الشريعة وأهل هذا العلم ان هذه الأرض المتنازع فيها انها من جزيرة العرب ولو جعلها أحد من الشام لا مجازا لكان لنا ان نقول له حدود الشام التي رسمناها مجمع عليها وما زدتم مختلف فيه وعلى من ادّعى الزيادة الدليل وقد أعرضنا عن ذكر طرسوس واعمالها لأنها بيد الروم، واما الكهف فان

المدينة هي طرسوس وبها قبر دقيانوس وبرستاقها تل عليه مسجد قالوا هو على الكهف، وحدّثنا الفقيه ابو عبد الله محمّد بن عمر البخاريّ قال حدّثنا ابو طالب اليماني قال حدّثنا الحسن بن يحيى قال حدّثنا ابى قال حدّثنا محمّد بن سهل الخراسانىّ قال قرأت على هشام بن محمّد حدّثنا مجاهد بن يزيد قال خرجت مع خالد البريديّ في أيّام وجّه الى الطاغية سنة وليس معنا ثالث من المسلمين فقدمنا القسطنطينيّة ثم خرجنا منصرفين الى عمّورية ثم أتينا اللاذقيّة المحترقة في اربع ليال ثم انتهينا الى الهويّة وهي جوف جبل فذكر لنا ان بها أمواتا لا يدرى ما هم وعليهم حرّاس فادخلونا سربا طوله نحو من خمسين ذراعا في عرض ذراعين بالسّرج وإذا وسط السرب باب من حديد ومكمن لعيالهم إذا يجيهم العرب وإذا خربة عظيمة وسطها نقرة من ماء عرضها نحو من خمسة عشر ذراعا يرى منها السماء وإذا كهف ذلك المكان الى جوف ذلك الجبل فانطلق بنا الى كهف ممّا يلي الجوف من الهويّة طوله نحو من عشرين ذراعا وإذا فيه ثلاثة عشر رجلا رقودا على أقفيتهم على كلّ رجل منهم جبّة لا أدرى من صوف أو وبر الّا انها غبراء وكساء اغبر يتقعقع كما يتقعقع الرقّ وقد غطّى بكسائه وجهه وسائر جسده وإذا هي ذوات اهداب وعلى بعضهم خفاف الى انصاف سوقهم وبعض بنعال وبعض بشمشكات والجميع جدد فكشفت عن وجه أحدهم فإذا شعر رأسه ولحيته لم يتغيّر وإذا بشرة وجهه منيرة ودم وجهه ظاهر كانّما رقدوا تلك الساعة وإذا أعضاؤهم كألين ما يكون من أعضاء الرجل الحىّ وكلّهم شباب غير ان بعضهم قد وخطه الشيب وإذا بأحدهم قد ضربت عنقه فسألتهم عن ذلك فقالوا غلبت علينا العرب وملكت الهويّة فأخبرناهم خبرهم فلم يصدّقونا فضرب أحدهم عنق هذا وزعم أهل الهويّة انه إذا كان راس كلّ سنة في يوم

عيد لهم يجتمعون فيه يقيمونهم رجلا رجلا فيتركونهم قياما ويمسحونهم وينفضون غبار ثيابهم ويسوّون أكسيتهم عليهم فلا يسقطون ولا يتجرّجون ويضجعونهم وانهم يقلّمون اظفارهم في السنة ثلاث مرّات ثم تنبت فسألناهم عن أسبابهم وأمرهم فزعموا انهم لا علم لهم بشيء من أمرهم غير انّا نسمّيهم الأنبياء، قال مجاهد وخالد فيظنّ انهم أصحاب الكهف والله اعلم وهذا شكل الإقليم ومثاله في الصفحة المنقلبة وقد قسمنا هذا الإقليم ستّ كور أوّلها من قبل اقور قنّسرين ثم حمص ثم دمشق ثم الأردنّ ثم فلسطين ثم الشّراة فاما قنّسرين فقصبتها حلب ومن مدنها أنطاكية بالس السّويديّة سميساط منبج بيّلس التّينات قنّسرين مرعش إسكندرونة لجّون رفنيّة جوسية حماة شيزر وادي بطنان معرّة النّعمان معرّة قنّسرين واما حمص فاسم القصبة أيضا ومن مدنها سلميّة تدمر الخناصرة كفرطاب اللّاذقيّة جبلة أنطرسوس بلنياس حصن الخوابي واما دمشق فاسم القصبة أيضا ومدنها بانياس صيدا بيروت أطرابلس عرقة وناحية البقاع مدينتها بعلبكّ ولها كامد عرجموش الزّبدانيّ ولدمشق ستّ رساتيق الغوطة حوران البثنيّة الجولان البقاع الحولة واما الاردنّ فقصبتها طبريّة ومن مدنها قدس صور عكّا اللّجّون كابل بيسان أذرعات واما فلسطين فقصبتها الرّملة ومدنها بيت المقدس

بيت جبريل غزّة ميماس عسقلان يافه أرسوف قيساريّة نابلس أريحا عمّان وامّا الشّراة فجعلنا قصبتها صغر ومدنها مآب معان تبوك أذرح ويله مدين وفي هذا الإقليم قرى اجلّ وأكبر من أكثر مدن الجزيرة مثل داريّا وبيت لهيا وكفر سلّام وكفرسابا غير انها على رسوم القرى معدودة فيها وقد قلنا ان عملنا موضوع على التعارف واما حلب فبلد نفيس خفيف حصين وفي أهلها ظرف ولهم يسار وعقول مبنيّ بالحجارة عامر في وسط البلد قلعة حصينة واسعة فيها ماء وخزائن السلطان والجامع في البلد شربهم من نهر قويق يدخل الى البلد الى دار سيف الدولة في شبّاك حديد والقصبة ليست بكبيرة الّا ان بها مستقرّ السلطان لها سبعة أبواب باب حمص باب الرقّة باب قنّسرين باب اليهود باب العراق باب دار البطّيخ باب انطاكية وباب الأربعين مسدود وبالس راس الحدّ من قبل الرقّة عامرة وقنّسرين مدينة قد خفّ أهلها حدّثنا الشيخ العدل ابو سعيد احمد بن محمّد بنيسابور قال حدّثنا ابو بكر محمّد بن إسحاق بن

خزيمة قال حدّثنا ابو عمّار بن حريث المروزيّ قال حدّثنا الفضل ابو موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامرىّ عن ابى زرعة عن عمرو ابن جرير عن النبيّ ﷺ قال ان الله ﷿ أوحى الىّ اىّ هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنّسرين فان قال قائل لم جعلت قصبة الكورة حلب وهاهنا مدينة على اسمها قيل له قد قلنا ان مثل القصبات كالقوّاد والمدن كالجند ولا يجوز ان نجعل حلب على جلالتها وحلول السلطان بها وجمع الدواوين اليها وانطاكية ونفاستها وبالس وعمارتها جنادا لمدينة خربة صغيرة، فان قال هلّا استعملت هذا القياس في شيراز فأضفت اليها إصطخر ومدنها قيل لمّا وجدنا بشيراز مدنا أحدقت بها وتباعدت إصطخر عنها استحسنا ما فعلناه ثم والاستحسان في علمنا هذا ربّما غلب القياس كما قلنا في مسائل المكاتب الا ترى ان التأجيل بالنيروز والمهرجان باطل في سائر الأحكام جائز في الكتابة استحسانا حمص ليس بالشام بلد أكبر منها وفيه قلعة متعالية عن البلد ترى من خارج أكثر شربهم من ماء المطر ولهم أيضا نهر ولمّا فتحها المسلمون عمدوا الى الكنيسة فجعلوا نصفها جامعا عنده بالسوق قبّة على رأسها شبه رجل من نحلس واقف على سمكة تديرها الأرياح الأربع وفيه أقاويل لا تصحّ والبلد شديد الاختلال متداع الى الخراب والقوم حمقى وسائر المدن مختلّة والأسعار بها رخيصة وما كان منها على الساحل حصينة وكذلك تدمر وهي على مثل كرسيّ من مدن سليمان بن داود والقصبة قريبة من البادية رحبة طيّبة دمشق هي مصر الشام ودار الملك أيّام بنى أميّة وثمّ قصورهم وآثارهم بنيانهم خشب وطين وعليها حصن أحدث وانا به من طين أكثر أسواقها مغطّاة

ولهم سوق على طول البلد مكشوف حسن وهو بلد قد خرقته الأنهار، وأحدقت به الأشجار،، وكثرت به الثمار، مع رخص اسعار،، وثلج وأضداد لا ترى أحسن من حمّاماتها ولا اعجب من فوّاراتها ولا احزم من أهلها، الّذي عرفت من دروبها باب الجابية باب الصغير باب الكبير باب الشرقىّ باب توما باب النهر باب المحامليّين وهي طيّبة جدّا غير ان في هوائها يبوسة وأهلها غاغة وثمارها تفهة ولحومها عاسية ومنازلها ضيّقة وأزقّتها غامّة واخبارها رديّة والمعايش بها ضيّقة تكون نحو نصف فرسخ في مثله في مستوى، والجامع، أحسن شيء للمسلمين اليوم ولا يعلم لهم مال مجتمع أكثر منه قد رفعت قواعده بالحجارة الموجّهة كبارا مؤلّفة وجعل عليها شرف بهيّة وجعلت اساطينها اعمدة سودا ملسا على ثلاثة صفوف واسعة جدّا وفي الوسط إزاء المحراب قبّة كبيرة وادير على الصحن اروقة متعالية بفراخ فوقها ثم بلط جميعه بالرخام الأبيض وحيطانه الى قامتين بالرخام المجزّع ثم الى السقف بالفسافساء الملوّنة في المذهبة صور أشجار وأمصار وكتابات على غاية الحسن والدقّة ولطافة الصنعة وقلّ شجرة أو بلد مذكور ألّا وقد مثّل على تلك الحيطان وطليت رءوس الاعمدة بالذهب وقناطر الاروقة كلّها مرصّعة بالفسيفساء واعمدة الصحن كلّها رخام ابيض وحيطانه بما يدور والقناطر وفراخها بالفسيفساء نقوش وطروح والسطوح كلّها ملبسة بشقاق الرصاص والشرافيّات من الوجهين بالفسيفساء وعلى الميمنة في الصحن بيت مال على ثمانية عمد مرصّع حيطانه بالفسافساء وفي المحراب وحوله فصوص

عقيقية وفيروزجيّة كأكبر ما يكون من الفصوص وعلى الميسرة محراب آخر دون هذا للسلطان وقد كان تشعّث وسطه فسمعت انه أنفق عليه خمسمائة دينار حتّى عاد الى ما كان، وعلى راس القبّة ترنجة فوقها رمّانة كلاهما ذهب، ومن اعجب شيء فيه تأليف الرخام المجزّع كلّ شامة الى أختها ولو ان رجلا من أهل الحكمة اختلف اليه سنة لافاد منه كلّ يوم صيغة وعقدة اخرى، ويقال ان الوليد جمع لبنائه حذّاق فارس والهند والمغرب والروم وأنفق عليه خراج الشام سبع سنين مع ثماني عشرة سفينة ذهب وفضّة أقلعت من قبرص سوى ما اهدى اليه ملك الروم من الآلات والفسافسا، ويدخل اليه العامّة من اربعة أبواب باب البريد عن اليمين كبير له فرخان عن يمين وشمال على كلّ واحد من الباب الأعظم والفرخين مصراعان مصفّحة بالصفر المذهب وعلى الباب والفرخين ثلاثة لروقة كلّ باب منهما يفتح الى رواق طويل قد عقدت قناطره على اعمدة رخام لبست حيطانه على ما ذكرنا وجميع السقوف مزوّقة أحسن تزويق وفي هذه الاروقة موضع الورّاقين ومجلس خليفة القاضي وهذا الباب بين المغطّى والصحن يقابله عن اليسار باب جيرون على ما ذكرنا غير ان الاروقة معقودة بالعرض يصعد اليه في درج يجلس فيه المنجّمون واضرابهم وباب الساعات في زاوية المغطّى الشرقيّة مصراعان سواذج عليه اروقة يجلس فيه الشروطيّون وأشباههم والباب الرابع باب الفراديس مصراعان

قبال المحراب في اروقة بين زيادتين عن يمين وشمال عليه منارة محدثة مرصّعة على ما ذكرنا وعلى كلّ من هذه الأبواب ميضاة مرخّمة ببيوت ينبع فيها الماء وفوّارات خارجة في قصاع عظيمة من رخام، ومن الخضراء وهي دار السلطان أبواب الى المقصورة مصفّحة مطليّة، وقلت يوما لعمّى يا عمّ لم يحسن الوليد حيث أنفق اموال المسلمين على جامع دمشق ولو اصرف ذلك في عمارة الطرق والمصانع ورمّ الحصون لكان أصوب وأفضل قال لا تفعل) يا بنىّ ان الوليد وفق وكشف له عن امر جليل وذلك انه راى الشام بلد النصارى وراى لهم فيها بيعا حسنة قد افتن زخارفها وانتشر ذكرها كالقمامة وبيعة لدّ والرّها فاتّخذ للمسلمين مسجدا اشغلهم به عنهنّ وجعله أحد عجائب الدنيا الا ترى ان عبد الملك لمّا راى عظم قبّة القمامة وهيئتها خشي ان تعظيم في قلوب المسلمين فنصب على الصخرة قبّة على ما ترى، ووجدت في كتاب بالخزائن عضد الدولة عروسا الدنيا دمشق والرّيّ، وقال يحيى ابن أكثم ليس بالأرض انزه من ثلاث بقاع سمرقند وغوطة دمشق ونهر الأبلّة، ودمشق بناها دمشق بن قانى بن مالك بن ارفخشذ بن سام قبل مولد إبراهيم بخمس سنين وقال الاصمعىّ لا بل اشتقّ اسمها من دمشقوها

اى اسرعوها، ويقال ان عمر بن عبد العزيز أراد ان ينقص الجامع ويجعله في مصالح المسلمين حتّى ناظروه في ذلك، وقرأت في بعض الكتب انّما أنفق عليه ثمانية عشر حمل بغل ذهب، وقد قال بعض من يهجوهم

يا أيّها السّائل عن أدياننالمّا رأى هيئة أحبارهم
وحسن سمت لهم ظاهراإعلانهم ليس كاسرارهم
ما إن لهم فخر سوى مسجدبه تعدّوا فوق أطوارهم
لو جاءهم جار لهم قابساما قبسوه الدّهر من نارهم
أسد على الجيران أعداءهمآمنة تخطر في دارهم

وكذب في هذا البيت لان الأعداء ابدا يخافونهم ومدينة بانياس على طرف الحولة وحدّ الجبل. أرخى وارفق من دمشق واليها انتقل أكثر أهل الثغور لمّا أخذت طرسوس وزادوا فيها وهي كلّ يوم في زيادة لهم نهر شديد البرودة يخرج من تحت جبل الثلج وينبع وسط المدينة وهي خزانة دمشق رفقة بأهلها بين رساتيق جليلة غير ان ماءها ردى وصيدا وبيروت مدينتان على الساحل حصينتان وكذلك طرابلس الّا انها اجلّ بعلبكّ مدينة قديمة فيها مزارع وعجائب معدن الأعناب، وسائر مدنها طيّبة رحاب،، وبحوران والبثنيّة ضياع أيّوب ودياره مدينتها نوى معدن القموح والحبوب والحولة معدن الاقطان والازهار وهي اغوار وانهار والغوطة تكون مرحلة في مثلها يعجز عن وصفها

طبريّة قصبة الاردنّ وبلد وادي كنعان موضوعة بين الجبل والبحيرة فهي ضيّقة كربة في الصيف مؤذية طولها نحو من فرسخ بلا عرض وسوقها من الدرب الى الدرب والمقابر على الجبل بها ثماني حمّامات بلا وقيد ومياض عدّة حارّة الماء والجامع في السوق كبيرة حسن قد فرش أرضه بالحصى على أساطين حجارة موصولة، ويقال أهل طبريّة شهرين يرقصون وشهرين يقمقمون وشهرين يثاقفون وشهرين عراة وشهرين يزمرون وشهرين يخوضون يعنى يرقصون من كثرة البراغيث ويلوكون النبق ويطردون الزنابير عن اللحم والفواكه بالمذابّ وعراة من شدّة الحرّ ويمصّون قصب السكّر ويخوضون الوحل، وأسفل البحيرة جسر عظيم عليه طريق دمشق وشربهم منها، عليها بما يدور قرى ونخيل والسفن فيها تذهب وتجيء، وماء الحمّامات والدواميس اليها لا يستطيبها الغرباء كثيرة الأسماك خفيفة الماء والجبل مطلّ على البلد شاهق وقدس مدينة صغيرة على سفح جبل كثيرة الخير رستاقها جبل عاملة بها ثلاث عيون شربهم منها وحمّامهم واحد تحت البلد والجامع في السوق فيه نخلة وهو بلد حارّ ولهم بحيرة على فرسخ تصبّ الى بحيرة طبريّة قد عمد الى النهر

فسجر ببناء عجيب حتّى يتبحّر الى جنبها غابة حلفاء رفقهم منها أكثرهم ينسجون الحصر ويفتلون الجبال وفي البحيرة أنواع من السمك منه البنّيّ حمل من واسط كثيرة الذمّة، وجبل عاملة ذو قرى نفيسة وأعناب واثمار وزيتون وعيون المطر يسقى زروعهم يطلّ على البحر ويتّصل بجبل لبنان أذرعات مدينة قريبة من البادية رستاقها جبل جرش يقابل جبل عاملة كثير القرى وجلّت طبريّة بهذين الجبلين بيسان على النهر كثيرة النخيل وارزاز فلسطين والاردنّ منها غزيرة المياه رحبة الّا ان ماءها ثقيل اللّجّون مدينة على رأس حدّ فلسطين في الجبال بها ماء جار رحبة نزيهة كابل مدينة ساحليّة بها مزارع الاقصاب وبها يطبخ السكّر الفائق والفراذية قرية كبيرة بها منبر معدن الأعناب والكروم بها ماء غزير وموضع نزيه عكّا مدينة حصينة على البحر كبيرة الجامع فيه غابة زيتون تقوم بسرجه وزيادة ولم تكن على هذه الحصانة حتّى زارها ابن طيلون وقد كان راى صور ومنعتها واستدارة الحائط على ميناها فاحبّ ان يتّخذ

لعكّا مثل ذلك المينا فجمع صنّاع الكورة وعرض عليهم ذلك فقيل لا يهتدى أحد الى البناء في الماء في هذا الزمان ثم ذكر له جدّنا ابو بكر البنّاء وقيل ان كان عند أحد علم هذا فعنده فكتب الى صاحبه على بيت المقدس حتّى انهضه اليه فلمّا صار اليه وذكر له ذلك قال هذا امر هيّن عليّ بفلق الجمّيز الغليظة فصفّها على وجه الماء بقدر الحصن البرّيّ وخيّط بعضها ببعض وجعل لها بابا من الغرب عظيما ثم بنى عليها بالحجارة والشيد وجعل كلّما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتدّ البناء وجعلت الفلق كلّما ثقلت نزلت حتّى إذا علم انها قد جلست على الرمل تركها حولا كاملا حتّى أخذت قرارها ثم عاد فبنى من حيث ترك كلّما بلغ البناء الى الحائط القديم داخله فيه وخيّطه به ثم جعل على الباب قنطرة فالمراكب في كلّ ليلة تدخل المينا وتجرّ السلسلة مثل صور، قال فدفع اليه ألف دينار سوى الخلع وغيرها من المركوب واسمه عليه مكتوب وقد كان العدوّ قبل ذلك يغير على المراكب والجشّ قرية وهي قريبة من القصبة موضوعة بين اربعة من الرساتيق قريبة من البحر وصور مدينة حصينة على البحر بل فيه يدخل اليها من باب واحد على جسر واحد قد أحاط

البحر بها ونصفها الداخل حيطان ثلاثة بلا ارض تدخل فيه المراكب كلّ ليلة ثم تجرّ السلسلة التي ذكرها محمّد بن الحسن في كتاب الإكراه ولهم ماء يدخل في قناة معلّقة وهي مدينة جليلة نفيسة بها صنائع ولهم خصائص وبين عكّا وصور شبه خليج ولذلك يقال عكّا حذاء صور، الّا انك تدور،، يعنى حول الماء الرّملة قصبة فلسطين بهيّة حسنة البناء خفيفة الماء مرّيّة واسعة الفواكه جامعة الاضداد بين رساتيق جليلة ومدن سريّة ومشاهد فاضلة وقرى نفيسة والتجارة بها مفيدة والمعايش حسنة ليس في الإسلام ابهى من جامعها ولا أحسن وأطيب من حوّاريها ولا ابرك من كورتها ولا ألدّ من فواكهها موضوعة بين رساتيق زكيّة ومدن محيطة ورباطات فاضلة ذات فنادق رشيقة وحمّامات انيقة واطعمة نظيفة وادامات كثيرة ومنازل فسيحة ومساجد حسنة وشوارع واسعة وأمور جامعة قد خطّت في السهل وقربت من الجبل والبحر وجمعت التين والنخل وأنبتت الزروع على البعل وحوت الخيرات والفضل غير انها في الشتاء جزيرة من الوحل وفي الصيف ذريرة من الرمل لا ماء يجرى ولا خضر ولا طين جيّد ولا ثلج كثيرة البراغيث عميقة الآبار مالحة وماء المطر في جباب مقفلة فالفقير عطشان والغريب حيران وفي الحمّام ديوان ويدور في الدولاب

خدّام، وهي ميل راجح في ميل بنيانهم حجارة منحوتة حسنة وطوب الّذي اعرف من دروبها درب بئر العسكر درب مسجد عنّبة درب بيت المقدس درب بيلعة درب لدّ درب يافا درب مصر درب داجون، يتّصل بها مدينة تسمّى داجون فيها جامع، وجامع القصبة في الأسواق [؟] ابهى وارشق من جامع دمشق يسمّى الأبيض ليس في الإسلام أكبر من محرابه ولا بعد منبر بيت المقدس أحسن من منبره وله منارة بهيّة بناه هشام بن عبد الملك، وسمعت عمّى يقول لمّا أراد بناءه قيل له ان للنصارى. اعمدة رخام مدفونة تحت الرمل استعدّوها، لكنيسة بالعة فقال لهم هشام بن عبد الملك امّا ان تظهروها وامّا ان نهدم كنيسة لدّ فنبنى هذا الجامع على أعمدتها فاظهروها وهي غليظة طويلة حسنة وارض المغطّى مفروشة بالرخام والصحن بالحجارة المؤلّفة وأبواب المغطّى من الشربين والتنّوب مداخلة محفورة حسنة جدّا بيت المقدس ليس في مدائن الكور أكبر منها وقصبات كثيرة أصغر منها كاصطخر وقاين والفرما لا شديدة البرد وليس بها حر وقلّ ما يقع بها ثلج

وسألني القاضي ابو القاسم ابن قاضى الحرمين عن الهواء بها فقلت سجسج لا حرّ ولا برد شديد قال هذا صفة الجنّة، بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه ولا اتقن من بنائها ولا اعفّ من أهلها ولا أطيب من العيش بها ولا أنظف من أسواقها ولا أكبر من مسجدها ولا أكثر من مشاهدها عنبها خطير، وليس لمعنّقتها نظير،، وفيها كلّ حاذق وطبيب، واليها قلب كلّ لبيب، ولا تخلو كلّ يوم من غريب،، وكنت يوما في مجلس القاضي المختار ابى يحيى ابن بهرام بالبصرة فجرى ذكر مصر الى ان سئلت اىّ بلد اجلّ قلت بلدنا قيل فأيّها أطيب قلت بلدنا قيل فأيّها أفضل قلت بلدنا قيل فأيّها أحسن قلت بلدنا قيل فأيّها أكثر خيرات قلت بلدنا قيل فأيّها أكبر قلت بلدنا فتعجّب أهل المجلس من ذلك وقيل أنت رجل محصّل وقد ادّعيت ما لا يقبل منك وما مثلك الّا كصاحب الناقة مع الحجّاج قلت اما قولي اجلّ فلأنّها بلدة جمعت الدنيا والآخرة فمن كان من أبناء الدنيا وأراد الآخرة وجد سوقها ومن كان من أبناء الآخرة فدعته نفسه الى نعمة الدنيا وجدها واما طيب الهواء فإنه لا سمّ لبردها ولا أذى لحرّها واما الحسن فلا ترى أحسن من بنيانها ولا أنظف منها ولا انزه من مسجدها واما كثرة الخيرات فقد جمع الله تعالى فيها فواكه الاغوار والسهل والجبال والأشياء المتضادّة كالأترج واللوز والرطب والجوز والتين والموز واما الفضل فلأنّها عرضة القيامة ومنها المحشر واليها المنشر وانّما فضّلت مكّة والمدينة بالكعبة والنبيّ ﷺ ويوم القيامة

تزفّان اليها فتحوى الفضل كلّه واما الكبر فالخلائق كلّهم يحشرون اليها فأيّ ارض أوسع منها فاستحسنوا ذلك واقرّوا به، الّا ان لها عيوبا عدّة يقال ان في التوراة مكتوب بيت المقدس طشت ذهب مليء عقارب ثم لا ترى اقدر من حمّاماتها ولا أثقل مؤنة قليلة العلماء كثيرة النصارى وفيهم جفا على الرحبة والفنادق ضرائب ثقال على ما يباع فيها رجّالة على الأبواب فلا يمكن أحدا ان يبيع شيئا ممّا يرتفق به الناس الّا بها مع قلّة يسار، وليس للمظلوم أنصار،، والمستور مهموم والغنىّ محسود، والفقيه مهجور والأديب غير مشهود،، لا مجلس نظر ولا تدريس قد غلب عليها النصارى واليهود وخلا المسجد من الجماعات والمجالس،، وهي أصغر من مكّة وأكبر من المدينة عليها حصن بعضه على جبل وعلى بقيّته خندق ولها ثمانية أبواب حديد باب صهيون باب التيه باب البلاط باب جبّ ارميا باب سلوان باب أريحا باب العموم باب محراب داود والماء بها واسع ويقال ليس ببيت المقدس أمكن من الماء والأذان قلّ دار ليس بها صهريج وأكثر وبها ثلاث.

برك عظيمة بركة بنى إسرائيل بركة سليمان بركة عياض عليها حمّاماتهم لها دواع من الازقّة وفي المسجد عشرون جبّا متبحّرة وقلّ حارة الّا وفيها حبّ مسبّل غير ان مياهها من الازقّة وقد عمد الى واد فجعل بركتان يجتمع اليهما السيول في الشتاء وشقّ منهما قناة الى البلد تدخل وقت الربيع فتملأ صهاريج الجامع وغيرها، واما المسجد الأقصى فهو على قرنة البلد الشرقىّ نحو القبلة أساسه من عمل داود طول الحجر عشرة أذرع واقلّ منقوشة موجّهة مؤلّفة صلبة وقد بنى عليه عبد الملك بحجارة صغار حسان وشرّفوه وكان أحسن من جامع دمشق لكن جاءت زلزلة في دولة بنى العبّاس فطرحت المغطّى الّا ما حول المحراب فلمّا بلغ الخليفة خبره قيل له لا يفى بردّه الى ما كان بيت مال المسلمين فكتب الى أمراء الاطراف وسائر القوّاد ان يبنى كلّ واحد منهم رواقا فبنوه أوثق واغلط صناعة ممّا كان وبقيت تلك القطعة شامة فيه وهي الى حدّ اعمدة الرخام وما كان من الأساطين المشيّدة فهو محدث، وللمغطّى ستّة وعشرون بابا باب يقابل المحراب يسمّى باب النحاس الأعظم مصفّح بالصفر المذهب لا يفتح مصراعه الّا رجل شديد الباع قوىّ الذراع عن يمينه سبعة أبواب كبار في وسطها باب مصفّح

مذهب وعلى اليسار مثلهنّ ومن نحو الشرق أحد عشر بابا سواذج وعلى الخمسة عشر رواق على اعمدة رخام أحدثه عبد الله بن طاهر وعلى الصحن من الميمنة اروقة على اعمدة رخام وأساطين وعلى المؤخّر اروقة آزاج من الحجارة وعلى وسط المغطى جمل عظيم خلف قبّة حسنة والسقوف كلّها الّا المؤخّر ملبسة بشقاق الرصاص والمؤخّر مرصوف بالفسيفساء الكبار والصحن كلّه مبلّط وسطه دكّة مثل مسجد يثرب يصعد اليها من الأربع جوانب في مراق واسعة وفي الدكّة اربع قباب قبّة السلسلة قبّة المعراج قبّة النبيّ ﷺ وهذه الثلاث لطاف ملبسة بالرصاص على اعمدة رخام بلا حيطان وفي الوسط قبّة الصخرة على بيت مثمّن بأربعة أبواب كلّ باب يقابل مرقاة باب القبليّ باب إسرافيل باب الصور باب النساء يفتح الى الغرب جميعها مذهبة في وجه كلّ واحد باب ظريف من خشب التنّوب مداخل حسن أمرت بهنّ امّ المقتدر باللَّه وعلى كلّ باب صفّة مرخّمة بالتنّوبيّة تطبّق على الصفريّة من خارج وعلى أبواب الصفاف أبواب أيضا سواذج داخل البيت ثلاثة اروقة دائرة على اعمدة معجونة اجلّ من الرخام وأحسن لا نظير لها قد عقدت عليها اروقة لاطية داخلها رواق آخر مستدير على الصخرة لا مثمّن على اعمدة معجونة بقناطر مدوّرة فوق هذه منطقة متعالية في

الهواء فيها طيقان كبار والقبّة من فوق المنطقة طولها عن القاعدة الكبرى مع السفّود في الهواء مائة ذراع ترى من البعد فوقها سفّود حسن طول قامة وبسطة والقبّة على عظمها ملبسة بالصفر المذهب وارض البيت وحيطانه مع المنطقة من داخل وخارج على ما ذكرنا من جامع دمشق والقبّة ثلاث سافات الاولى من ألواح مزوّقة والثانية من اعمدة الحديد قد شبّكت لئلّا تميلها الرياح ثم الثالثة من خشب عليها الصفائح وفي وسطها طريق الى عند السفّود يصعدها الصنّاع لتفقّدها ورمّها فإذا بزغت عليها الشمس أشرقت القبّة وتلألأت المنطقة ورأيت شيئا عجيبا وعلى الجملة لم أر في الإسلام ولا سمعت ان في الشرك مثل هذه القبّة، ويدخل الى المسجد من ثلاثة عشر موضعا بعشرين بابا باب حطّة بابي النبيّ ﷺ أبواب محراب مريم بابي الرحمة باب بركة بنى إسرائيل أبواب الأسباط أبواب الهاشميّين باب الوليد باب إبراهيم باب امّ خالد باب داود، وفيه من المشاهد محراب مريم وزكريّا ويعقوب والخضر ومقام النبيّ وجبرئيل وموضع النمل والنور والكعبة والصراط متفرّقة فيه وليس على الميسرة اروقة والمغطّى لا يتّصل بالحائط الشرقىّ ومن أجل هذا يقال لا يتمّ فيه صفّ ابدا وانّما

ترك هذا البعض لسببين أحدهما قول عمر اتّخذوا في غربىّ هذا المسجد مصلى للمسلمين فتركت هذه القطعة لئلّا يخالف والثاني انهم لو مدّوا المغطّى الى الزاوية لم تقع الصخرة حذاء المحراب فكرهوا ذلك والله اعلم، وطول المسجد ألف ذراع بذراع الملك الاشبانىّ وعرضه سبعمائة وفي سقوفه من الخشب اربعة آلاف خشبة وسبعمائة عمود رخام وعلى السطح خمسة وأربعون ألف شقفة رصاص وحجم الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعا في سبعة وعشرين والمغارة التي تحتها تسع تسعا وستّين نفسا، وكانت وظيفته في كلّ شهر مائة قسط زيت وفي كلّ سنة ثمان مائة ألف ذراع حصر وخدّامه مماليك له أقامهم عبد الملك من خمس الأسارى ولذلك يسمّون الأخماس لا يخدمه غيرهم ولهم نوب يحفظونها وسلوان محلّة في ربض المدينة تحتها عين عذيبيّة تسقى جنابا عظيمة أوقفها عثمان بن عفّان على ضعفاء البلد تحتها بئر أيّوب ويزعمون ان ماء زمزم يزور ماء هذه العين ليلة عرفة وادي جهنّم على قرنة المسجد الى آخره قبل الشرق فيه بساتين وكروم وكنائس ومغاير وصوامع ومقابر وعجائب ومزارع وسطه كنيسة على قبر مريم ويشرف عليه مقابر فيها شدّاد بن أوس

الخزرجىّ وعبادة بن الصامت وجبل زيتا مطلّ على المسجد شرقىّ هذا الوادي على رأسه مسجد لعمر نزله أيّام فتح البلد وكنيسة على الموضع الّذي صعد منه عيسى عم وموضع يسمّونه السّاهرة وحدّثونا عن ابن عبّاس ان الساهرة هي ارض القيامة بيضاء لم يسفك عليها دم وبيت لحم قرية على طرف فرسخ من نحو حبرى بها ولد عيسى وثمّ كانت النخلة وليس يرطب النخيل بهذا الرستاق ولكن جعلت لها آية وبها كنيسة ليس بالكورة مثلها وحبرى هي قرية إبراهيم الخليل عم فيها حصن منيع يزعمون انه من بناء الجنّ من حجارة عظيمة منقوشة وسطه قبّة من الحجارة اسلاميّة على قبر إبراهيم وقبر إسحاق قدّام في المغطّى وقبر يعقوب في المؤخّر حذاء كلّ نبيّ امرأته وقد جعل الحير مسجدا وبنى حوله دور للزوّار واختلطت به العمارة ولهم قناة ضعيفة وهذه القرية الى نحو نصف مرحلة من كلّ جانب قرى وكروم وأعناب وتفّاح يسمّى جبل نضرة لا يرى مثله ولا أحسن من فواكهه عامّتها تحمل الى مصر وتنشر وفي هذه القرية ضيافة

دائمة وطبّاخ وخبّاز وخدّام مرتّبون يقدّمون القدس بالزيت لكلّ من حضر من الفقراء ويدفع الى الأغنياء إذا أخذوا ويظنّ أكثر الناس انه من قرى إبراهيم وانّما هو من وقف تميم الداريّ وغيره والأفضل عندي التورّع عنه، وعلى فرسخ من حبرى جبل صغيرى مشرف على بحيرة صغر وموضع قريات لوط ثمّ مسجد بناه ابو بكر الصباحيّ فيه موضع مرقد إبراهيم عم قد غاص في القفّ نحو ذراع يقال ان إبراهيم لمّا راى قريات لوط في الهواء رقد ثم وقال اشهد ان هذا هو الحقّ اليقين وحدّ القدس ما حول إيليا الى أربعين ميلا يدخل في ذلك القصبة ومدنها واثنا عشر ميلا في البحر وصغر ومآب وخمسة أميال من البادية ومن قبل القبلة الى ما وراء الكسيفة وما يحاذيها ومن قبل الشمال تخوم نابلس وهذه الأرض مباركة كما قال الله تعالى مشجرة الجبال زريعة السهول من غير سقى ولا انهار كما قال الرجلان لموسى ابن عمران وجدنا بلدا يفيض لبنا وعسلا

وبيت جبريل مدينة سهليّة جبليّة رستاقها الدّاروم فيه مقاطع الرخام وميرة القصبة وخزانة الكورة بلد الغوالّ والرخاء ذات ضياع جليلة الّا انها قد خفّت وهي كثيرة المخنّثين غزّة كبيرة على جادّة مصر وطرف البادية وقرب البحر بها جامع حسن وفيها اثر عمر بن الخطّاب ومولد الشافعيّ وقبر هاشم بن عبد مناف ميماس على البحر حصينة صغيرة تنسب الى غزّة عسقلان على البحر جليلة كثيرة المحارس والفواكه ومعدن الجمّيز جامعها في البزّازين قد فرش بالرخام بهيّة فاضلة طيّبة حصينة قزّها فائق وخيرها دافق والعيش بها رافق أسواق حسنة ومحارس نفيسة الّا ان ميناها ردىّ وماءها عذيبىّ ودلها موذّ ويافه على البحر صغيرة الّا انها خزانة فلسطين وفرضة الرملة عليها حصن منيع بأبواب محدّدة وباب البحر كلّه حديد والجامع مشرف على البحر نزه وميناها جيّد وأرسوف أصغر من يافه حصينة عامرة بها منبر حسن بنى للرملة ثم كان صغيرا فحمل الى ارسوف وقيساريّة ليس على بحر الروم بلد اجلّ ولا أكثر خيرات منها تفور نعما وتندفق خيرات طيّبة الساحة حسنة الفواكه عليها حصن منيع وربض عامر قد ادير عليه الحصن شربهم من آبار وصهاريج ولها جامع خسن نابلس في الجبال كثيرة الزيتون يسمّونها دمشق الصغرى وهي في واد قد ضغطها جبلان سوقها من الباب الى الباب وآخر الى نصف البلد والجامع وسطها مبلّطة نظيفة لها نهر جار بناؤهم حجارة ولهم دواميس عجيبة وأريحاء هي مدينة الجبّارين وبها الباب الّذي ذكره الله لبني إسرائيل وهي معدن

النيل والنخيل رستاقها الغور وزروعهم تسقى من العيون شديدة الحرّ معدن الحيّات والعقارب أهلها سمر وسودان كثيرة البراغيث غير أن ماءها اخفّ ماء في الإسلام كثيرة الموز والارطاب والريحان وعمّان على سيف البادية ذات قرى ومزارع رستاقها البلقاء معدن الحبوب والأغنام بها عدّة انهار وأرحية يديرها الماء ولها جامع ظريف بطرف السوق مفسفس الصحن وقد قلنا انه شبه مكّة وقصر جالوت على جبل يطلّ عليها وبها قبر أوريّا عليه مسجد وملعب سليمان رخيصة الأسعار كثيرة الفواكه غير ان أهلها جهّال واليها الطرق الصعبة والرّقيم قرية على فرسخ من عمّان على تخوم البادية فيها مغارة لها بابان صغير وكبير يزعمون ان من دخل الكبير ولم يمكنه الدخول من الصغير فهو ممذر وفي المغارة ثلاثة قبور وهي التي حدّثنا ابو الفضل محمّد بن منصور قال حدّثنا ابو بكر بن سعيد قال حدّثنا الفضل بن حمّاد قال حدّثنا ابن ابى مريم قال أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة قال أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ قال بينما نفر ثلاثة يتماشون إذ أخذهم المطر فمالوا الى غار في الجبل فانخطّت الى فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها للَّه ﷿ صالحة فادعوا الله بها لعلّه يفرجها فقال أحدهم اللَّهمّ كان لي والدان شيخان كبيران ولى صبية صغر كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدىّ اسقيتهما قبل ولدى وانه نابني السخر يوما فلم آت حتّى أمسيت فوجدتهما قد ناما

فحلبت كما كن احلب فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما اكره ان أوقظهما من نومهما واكره ان ابدأ بالصبية قبلهما والصبية ينضاعون فلم نزل كذلك حتّى طلع الفجر فان كنت تعلم انى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله تعالى فرجة رأوا منها السماء، وقال الآخر اللَّهمّ انه كانت لي ابنة عمّ أحببتها كاشدّ ما يحبّ الرجال فطلبت اليها نفسها فأبت حتّى آتيها بمائة دينار فسعيت حتّى جمعت مائة دينار فجئتها بها فلمّا وقعت بين رجلين قالت يا عبد الله اتّق الله ولا تفتح الخاتم الّا بحقّ فقمت عنها فان كنت تعلم انى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجا، ففرج الله لهم فرجة، وقال الآخر اللَّهمّ انى كنت استأجرت أجيرا بعرف من ارزّ فلمّا قضى عمله قال أعطني حقّى فعرضت عليه حقّه فتركه ورغب عنه فلم أزل أزرعه حتّى جمعت منه بقرا وراعيها فجاءني وقال اتّق الله ولا تظلمني وأعطني حقّى فقلت اذهب الى تلك البقر وراعيها فخذها فقال اتّق الله ولا تهزأ بى فقلت انى لا أهزؤ بك خذ تلك البقر وراعيها فأخذها وانطلق بها فان كنت تعلم ان فعلت ذلك ابتغاء وجهك فاخرج ما بقي ففرّج الله عنهم ولهذه الكورة قرى جليلة ذات منابر اعمر واجلّ من أكثر مدن الجزيرة وهي مذكورة غير انه لمّا لم يكن لها قوّة المدن في الآئين ولا ضعف القرى في الخمول وتردّد أمرها بين الرتبتين وجب ان نستظهر بذكرها ونبيّن مواضعها منها لدّ وهي على ميل من الرملة بها جامع يجمّع به خلف كثير من أهل القصبة وما حوله من القرى وبها كنيسة عجيبة على بابها يقتل عيسى الدجّاج وكفرسابا كبيرة بجامع على جادّة دمشق وعاقر قرية كبيرة بها جامع كبير لهم رغبة في الخير وليس مثل خبزهم على جادّة مكّة ويبنا بها جامع نفيس معدن التين الدمشقيّ الفائق وعمواس ذكروا انها كانت القصبة في القديم وانّما تقدّموا الى السهل والبحر من أجل الآبار لان

هذه على حدّ الجبل وكفر سلام من قرى قيساريّه كبيرة آهلة بها جامع على الجادّة ولهذه القصبة رباطات على البحر يقع بها النفير وتقلع اليها شلنديات الروم وشوانيهم معهم أسارى المسلمين للبيع كلّ ثلاثة بمائة دينار وفي كلّ رباط قوم يعرفون لسانهم ويذهبون اليهم في الرسالات ويحمل اليهم أصناف الاطعمة وقد ضجّ بالنفير لمّا تراءت مراكبهم فان كان ليل أوقدت منارة ذلك الرباط وان كان نهار دخّنوا. ومن كلّ رباط الى القصبة عدّة مناير شاهقة قد رتّب فيها أقوام فتوقد المنارة التي للرباط ثم التي تليها ثم الأخرى فلا يكون ساعة الّا وقد أنفر بالقصبة وضرب الطبل على المنارة ونودي الى ذلك الرباط وخرج الناس بالسلاح والقوّة واجتمع احداث الرساتيق ثم يكون الفداء فرجل يشترى رجلا وآخر يطرح درهما أو خاتما حتّى يشترى ما معهم ورباطات هذه الكورة التي يقع بهنّ الفداء غزّة ميماس عسقلان ماحوز أزدود ما حوز يبنا يافه أرسوف

صغر أهل الكورتين يسمّونها صقر وكتب مقدسىّ الى اهله من سقر السفلى الى الفردوس الأعلى وذلك انه بلد قاتل للغرباء ردىّ الماء ومن أبطأ عليه ملك الموت فليرحل اليها ولا اعرف في الإسلام لها نظيرا في هذا الباب وقد رأيت بلدانا وبيّة ولكن ليس كهذه أهلها سودان غلاظ وماؤها حميم وكأنها جحيم الّا انها البصرة الصغرى والمتجر المربح وهي على البحيرة المقلوبة وبقيّة مدائن لوط وانّما نجت لان أهلها لم يكونوا يعملون الفاحشة والجبال منها قريبة ومآب في الجبل كثيرة القرى واللوز والأعناب قريبة من البادية ومؤتة من قراها وثمّ قبر جعفر الطيّار وعبد الله بن رواحة وأذرح مدينة متطرّفة حجازيّة شاميّة وعندهم بردة رسول الله ﷺ وعهده وهو مكتوب في اديم وويلة مدينة على طرف شعبة بحر الصين عامرة جليلة ذات نخيل واسماك فرضة فلسطين وخزانة الحجاز والعامّ يسمّونها أيلة وأيلة قد خربت على قرب منها وهي التي قال الله تعالى وأسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ومدين على تخوم الحجاز في الحقيقة لان جزيرة العرب كلّما دار

عليه البحر ومدين في هذه الخطّة وثمّ الحجر الّذي رفعه موسى عم حين سقى غنم شعيب والماء بها غزير وأرطالهم ورسومهم شاميّة، مو في ويلة تنازع بين الشاميّين والحجازيين والمصريّين كما في عبّادان واضافتها الى الشام أصوب لان رسومهم وأرطالهم شاميّة وهي فرضة فلسطين ومنها يقع جلابهم وتبوك مدينة صغيرة بها مسجد النبيّ ﷺ

النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.