من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
إقليم مصر
هذا هو الإقليم الّذي افتخر به فرعون على الورى، وقام على يد يوسف بأهل الدنيا فيه آثار الأنبياء، والتيه وطور سينا،، ومشاهد يوسف وعجائب موسى، واليه هاجرت مريم بعيسى،، وقد كرّر الله في القرآن ذكره، وأظهر للخلق فضله،، أحد جناحي الدنيا، ومفاخره فلا تحصى،، مصره قبة الإسلام ونهره اجلّ الأنهار وبخيراته تعمر الحجاز وبأهله يبهج موسم الحاجّ وبرّه يعمّ الشرق والغرب قد وضعه الله بين البحرين، وأعلى ذكره في الخافقين،، حسبك ان الشام على جلالتها رستاقه، والحجاز مع أهلها عياله،، وقيل انه هو الرّبوه، ونهره يجرى عسلا في الجنّة،، قد عاد فيه حضرة أمير المؤمنين، ونسخ بغداد الى يوم الدين، وصار مصره أكبر مفاخر المسلمين،، غير ان جدبه سبع سنين متوالية، والأعناب والإتيان به غالية،، ورسوم القبط به عاليه، وفي كلّ حين تحلّ بهم انداهيه،، عمره مصر بن حام بن نوح عم، وهذا شكله ومثاله وقد جعلنا إقليم مصر على سبع كور ست منها عامرة ولها أيضا اعمال واسعة ذات ضياع جليلة ولم تكثر مدائن مصر لان أكثر أهل السواد قبط ولا مدينة في قياس علمنا هذا الّا بمنبر، فاوّلها من نحو الشام الجفار ثم الحوف ثم الرّيف ثم إسكندريّة ثم مقدونية ثم الصّعيد والسابعة الواحات فاما الجفار فقصبتها الفرما ومدنها البقّارة الواردة العريش واما الحوف فقصبتها بلبيس ومن مدنها مشتول جرجير فاقوس غيفا دبقو
تونة برّيم القلزم واما الريف فقصبتها العبّاسيّة ومن مدخلها شبرو دمنهور سنهور بنها العسل شطنوف مليج محلّة سدر محلّة كزمين المحلّة الكبيرة سندفا دميرة بورة دقهلة محلّة زيد محلّة حفص محلّة زياد سنهور الصغرى بربس واما اسكندريّة فهي القصبة أيضا ومن مدنها الرّشيد مريوط ذات الحمام برلسّ واما مقدونية فقصبتها الفسطاط وهو المصر ومن مدنها العزيزيّة الجيزة عين شمس واما الصعيد فقصبتها أسوان ومن مدنها حلوان قوص إخميم بلينا علّاقى اجمع بوصير الفيّوم
أشمونين سمسطا تندة طحا بهنسة قيس وبإزاء الحوف جزيرتان في بحيرتين فيهما تنّيس ودمياط الفرما على ساحل بحر الروم وهي قصبة الجفار على فرسخ من البحر عامرة اهلة عليها حصن ولها أسواق حسنة وهي في سبخة وماؤها مالح وحولها مصايد السلوى معدن الأسماك الجيّدة وبها أضداد عدّة وخيرات كثيرة وهي مجمع الطرق مذكورة سريّة غير ان ماءها مالح وطيرها مزمن، وهذه الكورة كلّها رمال ذهبيّة والمدن التي ذكرناها وسطها وفيها طرق ونخيل وآبار وعلى كلّ بريد حانوت الّا ان الريح ربّما لعبت بالرمال فغطّت الطريق والسير فيها صعب بلبيس قصبة الحوف كبيرة كثيرة القرى والمزارع عامرة بنيانهم من طين والمشتول كثيرة الطواحين ومنها يحمل أكثر ميرة الحجاز من الدقيق والكعك وأحصيت في وقت من السنة فإذا هو يبلغ ثلاثة آلاف حمل جمل في كلى أسبوع كلّها حبوب ودقيق والقلزم بلد قديم على طرف بحر الصين
يابس عابس ماء ولا كلأ ولا زرع ولا ضرع ولا حطب ولا شجر ولا عنب ولا ثمر يحمل اليهم الماء في المراكب ومن موضع على بريد يسمّى سويس على الجمال ماء آجن ردىّ ومن أمثالهم ميرة أهل القلزم من بلبيس وشربهم من سويس يأكلون لحم التّيس ويقدون سقف البيت هي أحد كنف الدنيا مياه حمّاماتهم زعاق وحشة ملولة والمسافة اليها صعبة غير ان مساجدها حسنة وبها قصور جليلة ومتاجر مفيدة هي خزانة مصر وفرضة الحجاز ومعونة الحاجّ واشترينا يوما بدرهم خطبا فاحتجنا له بدرهم حطبا، وهذه الكورة غير طيّبة ولا ارى في ذكر بقيّة مدائنها فائدة العبّاسيّة هي قصبة الريف عامرة طيّبة قديمة شربهم من النيل موضع الريف والخصب بنيانهم افرج من بنيان مصر بها أضداد تحمل اليها وجامع حسن من الآجرّ رفقة سريّة والمحلّة الكبيرة ذات جانبين اسم الجانب الآخر سندفا بكلّ جانب جامع وجامع المحلّة وسطها وجامع تلك على الشطّ لطيف وهذه اعمر وبها سوق زيت حسن والناس يذهبون ويجيئون في الزواريق شبّهتها بواسط ودميرة أيضا على الشطّ طويلة عامرة بها بطّيخ نادر الاسكندريّة قصبة نفيسة على بحر الروم عليها حصن منيع
وهو بلد شريف كثير الصالحين والمتعبّدين شربهم من النيل يدخل عليهم أيّام زيادته في قناة فيملأ صهاريجهم وهي شاميّة الهواء والرسوم كثيرة الامطار جامعة للاضداد جليلة الرستاق جيّدة الفواكه والأعناب طيّبة نظيفة بناؤهم من الحجارة البحريّة معدن الرخام وبها جامعان وعلى جبابهم أبواب تغلق بالليل كيلا يصعد منها اللصوص، وسائر المدن عامرات طيّبات وفي نواحيها خزنوب وزيتون ولوز ومزارع على البعل وثمّ يصبّ النيل في بحر الروم وهي مدينة ذي القرنين ولها قصبة عجيبة الفسطاط هو مصر في كلّ قول لانه قد جمع الدواوين، وحوى أمير المؤمنين،، وفصل بين المغرب وديار العرب واتّسع بقعته وكثر ناسه وتنضّر إقليمه واشتهر اسمه وجلّ قدره فهو مصر مصر وناسخ بغداد ومفخر الإسلام، ومتجر الأنام، واجلّ من مدينة السلام،، خزانة المغرب ومطرح المشرق وعامر الموسم ليس في الأمصار أهل منه كثير الاجلّة والمشايخ عجيب المتاجر والخصائص حسن الأسواق والمعايش الى حمّاماته المنتهى، ولقياسيره لباقة وبها،، ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه، ولا أحسن تجمّلا من اهله، ولا أكثر مراكب من ساحله،، أهل من نيسابور واجلّ من البصرة وأكبر من دمشق به اطعمة لطيفه، وادامات نظيفة،، وحلاوات رخيصة كثير الموز والرطب، غزير البقول والحطب، خفيف الما، صحيح الهوا،، معدن العلماء، طيّب الشتا،، أهل سلامة وعافية، ومعروف كثير وصدقه،، نغمتهم بالقرآن حسنه، ورغبتهم في الخير بيّنه،، وحسن عبادتهم في الآفاق معروفة قد
استراحوا من أذى الامطار، وأمنوا من غاغة الأشرار،، ينتقدون الخطيب والامام ولا يقدّمون الّا طيّبا وان بذلوا الأموال قاضيهم ابدا خطير، والمحتسب كالأمير، ولا ينفكّون ابدا من نظر السلطان والوزير،، ولولا عيوب له كثير، ما كان له في العالم من نظير،، وهو نحو ثلثي فرسخ طبقات بعضها فوق بعض وكانت جانبين الفسطاط والجيزة ثم شقّ بعض الخلفاء من ولد العبّاس خليجا على قطعة منها فسمّيت تلك القطعة الجزيرة لأنها بين العمود والخليج وسمّى خليج أمير المؤمنين منه شربهم ودورهم اربع طبقات وخمس كالمناير يدخل اليهم الضياء من الوسط وسمعت انه يسكن الدار الواحدة نحو مائتي نفس وانه لمّا صار اليها الحسن بن احمد القرمطيّ خرج الناس اليه فرآهم مثل الجراد فهاله ذلك وقال ما هذا قيل هؤلاء نظّارة مصر ومن ما يخرج أكثر، وكنت يوما أمشي على الساحل وأتعجّب من كثرة المراكب الراسية والسائرة فقال لي رجل منهم من اين أنت قلت من بيت المقدس قال بلد كبير أعلمك يا سيّدي أعزّك الله ان على هذا الساحل وما قد اقلع منه الى البلدان والقرى من المراكب ما لو ذهبت الى بلدك لحملت أهلها وآلاتها وحجارتها وخشبها حتّى يقال كان هاهنا مدينة، وسمعتهم يذكرون انه يصلّى قدّام الامام يوم الجمعة نحو عشرة آلاف رجل فلم اصدّق حتّى خرجت مع المتسرّعة الى سوق الطير فرأيت الأمر قريبا ممّا قالوا، وأبطأت يوما عن السعي الى الجمعة فألفيت الصفوف في الأسواق على أكثر من ألف ذراع من الجامع ورأيت القياسير والمساجد والدكاكين حوله مملوءة من
كلّ جانب من المصلّين وهذا الجامع يسمّى السفلانىّ من عمل عمرو بن العاص وفيه منبره حسن البناء في حيطانه شيء من الفسيفس على اعمدة رخام أكبر من جامع دمشق والازدحام فيه أكثر من الجوامع الستّ قد التفّت عليه الأسواق الّا ان بينها وبينه من نحو القبلة دار الشطّ وخزائن وميضاة وهو اعمر موضع بمصر وزقاق القناديل عن يساره وما يدريك ما زقاق القناديل والجامع الفوقانىّ من بناء بنى طيلون أكبر وابهى من السفلانىّ على أساطين واسعة مصهرجة وسقوفه عالية في وسطه قبّة على عمل قبّة زمزم فيها سقاية مشرق على فم الخليج وغيره وله زيادات وخلفه دار حسنة ومنارته من حجر صغيرة درجها من خارج والحدّ بين أسفل وفوق مسجد عبد الله قد بنى على مساحة الكعبة ويطول الوصف بنعت اسواقه وجلالته غير انه اجلّ أمصار المسلمين وأكبر مفاخرهم وأهل بلدانهم ومع هذه الكثرة اشتريت به الخبز الحوّارى ولا يخبرون غيره ثلاثين رطلا بدرهم والبيض ثمانية بدانق والموز والرطب رخيص يجيء ابدا اليه ثمرات الشام والمغرب أو تيسر الرفاق اليه من العراق والمشرق ويقطع اليه مراكب الجزيرة والروم تجارته عجيبة ومعايشة مفيدة وأمواله كثيرة لا ترى احلى من مائة ولا اوطأ من اهله ولا
أحسن من بزّه ولا ابرك من نهر، الّا انه ضيّق المنازل كثير البراغيث عفن كرب البيوت قليل الفواكه مياه كدرة وآبار وضرة ودور قذرة وبقّ منتن وجرب مزمن ولحوم عزيزة وكلاب كثيرة ويمين فظيعة ورسوم وحشة ابدا على خوف من القحط وانقطاع النهر وأشراف على الجلا، وتربّص بالبلا،، لا يتورع مشايخهم عن شرب الخمور، ولا نساؤهم عن الفجور،، للمرأة زوجان، وترى الشيخ سكران وفي المذهب حزبان، مع سمرة وقبح لسان والجزيرة خفيفة الأهلي الجامع والمقياس على طرفها عند الجسر ممّا يلي المصر وبها بساتين ونخيل ومتنزّه أمير المؤمنين عند الخليج بموضع يسمّى المختارة، والجيزة مدينة خلف العمود كانت الطريق اليها من الجزيرة على جسر الى ان قطعه الفاطميّ بها جامع وهي اعمر وأكبر من الجزيرة والجادّة منها الى المغرب ويلقى الخليج العمود تحت الجزيرة عند المختارة والقاهرة مدينة بناها جوهر الفاطميّ لمّا فتح مصر وقهر من فيها كبيرة حسنة بها جامع بهىّ وقصر السلطان وسطها محصّنة بأبواب محدّدة على جادّة الشام ولا يمكن أحدا دخول الفسطاط الّا منها لأنهما بين الجبل والنهر ومصلّى العيد من ورائها والمقابر بين المصر والجبل والعزيزيّة قد اختلّت وخربت عامّتها وكانت المصر في القديم وبها كان ينزل فرعون وثمّ قصره ومسجد يعقوب ويوسف وعين شمس مدينة على جادّة الشام كثيرة المزارع بها مسدّ النيل أيّام زيادته جامعهم في السوق والمحلّة مدينة على نهر الاسكندريّة بها جامع لطيف وليس بها كثير أسواق غير انها عامرة نزيهة الشطّ حسنة النهر يقابلها صندفا به جامع عامرة شبّهتها بواسط الّا انه ليس بينهما جسر يعبرون في المراكب وحلوان مدينة من نحو الصعيد ذات مغاير ومقاطع
وعجائب بها حمّام من فوقه حمّام آخر وسائر المدن على عمود النيل وخليجيه وأسوان قصبة الصعيد على النيل عامرة كبيرة بها منارة طويلة ولها نخيل وكروم كثيرة وخيرات وتجارات وهي من الأمّهات وإخميم مدينة كثيرة النخيل على بعض شعب النيل ذات كروم ومزارع منها كان ذو النون الزاهد وهذه الكورة أعلى ارض مصر وفيها يخرج النيل والقيّوم جليل به مزارع الارز الفائق والكتّان الدون ولها قرى سريّة تسمّى الجوهريّات والعلّاقى مدينة في آخر الكورة على طريق عيذاب واما الواحات فإنها كانت كورة جليلة ذات أشجار ومزارع والى اليوم يوجد فيها صنوف الثمار وأغنام ونعم قد توحّشت متّصلة بأرض السودان تمسّ طرف إقليم المغرب وبعض يجعلونها منه تنّيس بين بحر الروم والنيل بحيرة فيها جزيرة صغيرة قد بنيت كلّها مدينة وانّى مدينة هي بغداد الصغرى وجبل الذهب ومتجر الشرق والغرب لسواق ضريفة واسمك رخيصة وبلد مقصودة ونعم ظاهرة وساحل نزيه وجامع نفيس وقصور شاهقة ومدينة مفيدة رفقة الّا انها في جزيرة ضيّقة والبحر عليها كحلقة ملولة قذرة والماء في صهاريج مغلقة أكثر أهلها قبط والبلاذات تطرح الى الطرق وبها يعمل الثياب والاردية الملوّنة وثمّ موضع قد نصد فيه موتى تكفّر بعض على بعض ومقابر المسلمين وسط البلد دمياط تسير في هذه البحيرة يوما وليلة ربما لقيك ما حلو وازقّة ضيّقة الى مدينة اخرى وهي
أطيب وارحب وأوسع وأصلح واحزب وأكثر فواكه وأحسن بناء وأوسع ماء واحذق صنّاعا وارفع بزّا وأنظف عملا وأجود حمّامات وأوثق جدارات واقلّ اذايات من تنّيس عليها حصن من الحجارة كثيرة الأبواب وفيها رباطات كثيرة حزبة ولهم موسم كلّ سنة يقصدها المرابطون من كلّ جانب وبحر الروم منها على صيحة دور القبط على ساحله وثمّ يفيض النيل في البحر وشطا قرية بين المدينتين على البحيرة يسكنها القبط واليها ينسب هذا البزّ وطحا قرية بالصعيد يعمل بها ثياب الصوف الرفيعة ومنها كان الفقيه الامام ابو جعفر الازدىّ، ويصنع ببهنسة الستور والأنماط والكتّان الرفيع مزارعة ببوصير
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع