من «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي البشاري (ت نحو ٣٨٠هـ)
ذكر جيحون وما عليه
هذا نهر يشقّ الإقليم ويفيض في بحيرة خوارزم وعليه كور جليلة ومدن عدّة وينشعب منه انهار كثيرة ويقلب اليه الأنهار الستّة فاما الكور فالختل ثم قواديان ثم خوارزم واما المدن فترمد ثم كالف ثم نويده ثم زمّ ثم فربر ثم آمل وسنصف الجميع قبل شروعنا في شرح كور خراسان لان من الناس من يسمّى هذه المواضع ما وراء النهر وسائر هيطل بلد العجم الى حدّ الترك ومنهم من جعل خوارزم من جانب هيطل وانّما أكبر مدنها بخراسان فاحترزنا بهذا التفصيل عن هذه المقالات وباللَّه التوفيق فاما خوارزم فهي كورة على حافتي جيحون قصبتها العظمى بهيطل ولها قصبة اخرى بخراسان وهم يخالفون أهل الجانبين في الرسوم واللسان والخلق والطباع وهي كورة جليلة واسعة كثيرة المدن ممتدّة العمارة على عمل بلاد الروم وسجستان وكازرون لا ينقطع المنازل والبساتين كثيرة المعاصر والمزارع والشجر والفواكه والخيرات مفيدة لأهل التجارات أهل فهم وعلم وفقه وقرائح وأدب واقلّ امام في الفقه والأدب والقرآن لقيته الّا وله تلميذ خوارزمىّ قد
تقدّم وزجا الّا ان فيهم انغلاقا ولا لهم ظرف ولا لباقة ولا آئين ولا لطافة رغفانهم صغار وفراسخهم كبار قد رزقهم الله تعالى الرخص والخصب وخصّهم بصحّة القراءة والذهن أهل ضيافة ونهمة في الاكل وبأس وشدّة في الحرب ولهم خصائص وعجائب، ويقال ان ملك الشرق في القديم قد غضب على اربعمائة رجل من أهل مملكته وخاصّة الحاشية فامر بحملهم الى موضع منقطع عن العمارات بحيث يكون على مائة فرسخ منها فاتّفق ذلك بموضع كاث فلمّا كان بعد مدّة مديدة بعث أقواما يعطونه خبرهم فلمّا صاروا اليهم وجدوهم احياء قد بنوا لأنفسهم كخاخات وراؤهم يصيدون السمك ويتقوّتون به وإذا ثمّ حطب كثير، قال فلمّا رجعوا الى الملك اعلموه بذلك قال فما يسمّون اللحم قالوا خوار قال والحطب قالوا رزم قال فانّى قد اقررتهم بتلك الناحية وسمّيتها خوارزم وامر ان يحمل اليهم اربعمائة جارية تركيّات فإلى اليوم قد بقي فيهم شبه من الترك، قال وقد كان الملك لمّا نفاهم الى خوارزم شقّ اليهم نهرا من عمود جيحون يعيشون به وكان العمود ينتهى الى مدينة خلف نسا يقال لها بلخان، قال فوقع اليهم أمير تلك المدينة قال فرأى قوما فيهم جلادة فنادم ملكهم ولاعبه فقمره الخوارزمىّ وقد كان الدست على ان يعطيهم ثقبة النهر يوما وليلة فوفى له فلمّا أرسله غلب الماء ولم يمكن حبسه وبقي الى اليوم فشقّوا منه أنهارا وبنوا عليه مدنا وخربت بلخان وسمعت طائفة من أهل نسا وأبيورد يذكرون انهم يذهبون الى بلخان ويحملون من ثمّ بيضا كثيرا، قالوا وابقار ودوابّ قد توحّشت، قلت فلم رءوسكم مخالف رءوس الناس قالوا ان قدماءنا فعلوا ثلاثة أشياء غلبوا بها أهل البلدان اما الواحدة فإنهم كانوا يغزون الترك فياسرونهم وفيهم شبه من الترك فما كانوا يعرفون فربّما وقعوا
الى الإسلام فبيعوا في الرقيق فأمروا النساء إذا ولدن ان يربطن أكياس الرمل على رءوس الصبيان من الجانبين حتّى ينبسط الرأس فبعد ذلك لم يسترقّوا وردّ من وقع منهم الى الكورة والثانية جعلوا الدرهم اربعة دوانق لئلّا يخرجها التجار من عندهم فإلى اليوم الفضّة تحمل إلينا ولا تخرج من عندنا وأنسيت الثالثة واعلم ان مثل خوارزم في إقليم المشرق كسجلماسة في المغرب وطباع خوارزم كالبربر وهي ثمانون في ثمانين متّصلة المنازل غزيرة الأنهار معدن السمك والأغنام ومطرح الغزّ والأتراك اسم قصبتها الكبرى كاث ومن مدنها الهيطليّة غردمان وايخان أرذخيوه نوكفاغ كردر مزداخكان جشيرة سدور زردوخ قرية براتكين مدكمينية واسم قصبتهم
الخراسانيّة الجرجانيّة ومن مدنها نوزوار زمخشر روزوند وزارمند دسكاخان خاس وخشميثن مداميثن خيوه كردرانخلس هزاراسب جكربند وجاز درغان جيت جرجانيّة الصغرى جيت اخرى سدفر مسلسان كاردار اندرستان كاث يسمّونها شهرستان وهي على الشطّ نحو نيسابور وهي شرقىّ النهر لها جامع في وسط الأسواق على أساطين حجارة سود الى قامة ثم فوقها سواري الخشب ودار الامارة وسط البلد ولهم قهندز قد خرّبه النهر ولهم انهار في البلد وهو نفيس ذو علماء وأدباء ومياسير وخيرات وتجارات بنّاءون حذاق وقرّاء ليس مثلهم بالعراق وحسن نغم وجودة قراءة ومنظر وخبر الّا انها في
كلّ حين يغلب عليها النهر ويتأخّرون عن الشطّ اوسخ من أردبيل كثيرة الميازيب الى الطريق عامّة تغوّطهم في الشوارع ويجمعون البلاذات في الحفائر ثم ينقلونها الى السواد في المشافل لا يمكن الغريب ان يظهر الّا ان يضيء النهار من كثرة البلاذات وهم يدوسونها بأرجلهم الى الجماعات طبع غليظ وخلق بغيض واكل فاحش وبلد وحش وغردمان عليها حصن وخندق ملآن من الماء سعته رمية سهم لها بابان وايخان عليها حصن وخندق وعلى الأبواب عرّادات وأرذخيوه على فم البرّيّة عليها حصن بباب واحد تحت جبل ونوكفاغ حولها نهر من جيحون الى البرّيّة وهي حصينة، وكردر أكبر وأحصن مزداخكان كبيرة حولها اثنا عشر ألف حصن ورستاق واسع وجشيرة كبيرة عليها حصن وسدور على حافة جيحون بحصن وربض والجامع وسط البلد في الحصن وزردوخ كبيرة عليها حصن ولها ربض وقرية براتكين كبيرة في مفازة بقرب الجبل ومن ثمّ تحمل الحجارة ولها سوق عامر الجامع فيه بنيانهم من طين ليّن جيّد، وسائر المدن عامرة محصّنة الّا ان مزداخكان أكبرهنّ تقارب الجرجانيّة في الرقعة عليها بما يدور حصن الجرجانيّة هي قصبة ناحية خراسان على جيحون حتّى ان الماء يمسّ جوانبها وقد احتالوا في ردّه بالخشب والحطب حتّى عاد شرقا وعمل عملا عجيبا ثم عطف بالماء في المفازة الى قرية فراتكين وصار من ناحية واحدة وشقّوا منه أنهارا لشربهم على أبواب البلد ولا تدخلها من ضيق الموضع وهي كلّ يوم في زيادة وعلى باب الحجّاج قصر بناه المأمون عليه باب ليس بجميع خراسان اعجب منه وقد بنى ابنه عليّ آخر قدّامه على بابه سهلة
تشاكل سهلة بخارا فيها تباع الأغنام وللبلد اربعة أبواب ونوزوار صغيرة عليها حصن وخندق وأبواب حديد والجادّة تشقّها لها بابان وجسر يرفع كلّ ليلة وعلى باب المدينة الغربىّ حمّام ليس بالإقليم مثله والجامع في الأسواق مغطّى كلّه الّا قليلا وزمخشر صغيرة عليها حصن وخندق ومحبس وأبواب محدّدة والجسور ترفع كلّ ليلة والجادّة تشقّ البلد والجامع ظريف بطرف السوق وروزوند متوسّطة في الرقعة محصّنة بخندق والجادّة فيها أيضا والجامع على طرف السوق وشربهم من عين لهم وخيوه على فم المفازة رحبة على شعبة من النهر بها جامع عامر، وكذلك كردرانخلس وهزاراسب بأبواب خشب وخندق وجكربند مثل خيوه على الشطّ كثيرة الشجر والبساتين سوقها كبير عامر الجامع في طرفه والجادّة تشقّها وجاز كبيرة بحصن وخندق واسع وجسور والمدينة من الدرب الى الدرب والجادّة على معزل منه والجامع على طرفه ودرغان أكبرهنّ بعد الجرجانيّة لها جامع حسن ليس بالناحية مثله فيه جواهر رفيعة وتزاويق حسنة على الشطّ لها خمس مائة كرم مذكورة طول موضع الكروم فرسخان ممتدّة على الشطّ معدن الزبيب وجيت كبيرة واسعة الرساتيق في المفازة وهي ثغر محصّنة على حدّ الغزّ ومنها المدخل اليهم قواديان كورة صغيرة تتّصل بجيحون وتتاخم الصغانيان، وبينها وبين خوارزم مدن لكنّا قدّمنا الكور على المدن لأنّ أكثر غرضنا في هذا الكتاب البيان والإيضاح لا الترتيب وليس لأحد ان يأخذ علينا فيه الترتيب الّا في الكور فانّا قد اجتهدنا في ترتيبها حتّى لا يجد أحد علينا في ذلك
طريقا الّا ان يكون مغفلا ونظر في كتابنا رجل من الفقهاء وقد كان دوّخ خراسان فلمّا بلغ الى كور ما وراء النهر قال ليست اشروسنة بين الشاش وسمرقند قلت له إذا خرج الرجل من سمرقند يريد الشاش اليس طريقه على زامين وساباط قال بلى قلت فهما من مدن اشروسنة وقد صحّ الترتيب فإذا به قد ذهب الى القصبة ولم يعتبر الخطّة، ولقواديان ثلاث مدن شديدة العمارة يتخلّلها شعب تقلب في جيحون كثيرة الجبال طيّبة أكبر مدنها بيز ليست بواسعة الرقعة الجامع وسط الأسواق عليها حصن بأربعة أبواب، وسكارا قريبة من الجبل الجامع وسط البلد، واوزج على شطّ جيحون عامرة نزيهة، وبورم نائية رحبة طيّبة ذات انهار وخير ورخص الختّل كورة واسعة كثيرة المدن منهم من ينسبها الى بلخ وذلك خطأ لأنها خلف جيحون واضافتها الى هيطل أوجب ولهذه المقالات افرزنا ما على النهر من الأعمال ليكون الاحتجاج فيه واحدا وهي اجلّ من الصغانيان وأوسع خطّة وأكبر مدنها وأكثر خيرا وهي على تخوم الإقليم السنديّة قد سمّى القصبة هلبك ولها من المدن مرند انديجارغ هلاورد لاوكند كاربنك تمليات اسكندرة منك فارغر بيك هلبك هي قصبة الختّل وبها مستقرّ
السلطان تكون أصغر من الصغانيان الجامع وسط البلد شربهم من نهر عذيبىّ ومن غيره ومرند آهلة عامرة وانديجارغ صغيرة قريبة من جيحون شربهم من انهار تغيض اليه وهلاورد هي اجلّ من هلبك كبيرة كثيرة الفواكه خصبة جدّا واسكندرة على جبل في غاية العمارة ومنك أكبر مدائن الكورة وسائر المدن على ما وصفنا وترمذ هي اجلّ مدينة على جيحون نظيفة طيّبة أحد العرصات مفروشة أسواقها بالآجرّ والماء يسطع جانبيها ويقلع المراكب اليها من كلّ جانب وعليها حصن ولها قهندز والجامع في الحصن والقهندز خارج منه له باب وللمدينة ثلاثة أبواب ولها ربض وسرادقات وهي أوّل المدائن من أعلى النهر وكالف من نحو المغرب على الشطّ بها مسجد في رباط ذي القرنين يقابله بهيطل رباط ذي الكفل وليس على جيحون موضع يمكن ان يتّخذ به بلد ذو جانبين على عمل بغداد وواسط غير كالف لتشمّر النهر ثمّ وخلوّه من البثق والرمل وزمّ مدينة كبيرة على الشطّ والجامع وسط الأسواق وهي مغطّاة شربهم من جيحون ويدخل الماء أيّام الحصاد الى وسط البلد ونويده مدينة صغيرة من جانب هيطل الجامع وسط البلد وفربر من نحو هيطل بعد فرسخ قليلة الضياع رخيصة الخراج حسنة الأعناب ضيّقة المياه لها قهندز عامر وبها رباطات حسنة والجامع على باب المدينة من نحو بخارا والمصلّى خارج الباب وثمّ رباط لنصر بن احمد فيه ضيافة لأبناء السبيل وآمل عامرة وكلّ مدن هذا الإقليم عامرة ومن الخيرات مملوءة وهذه على فرسخ من النهر من نحو خراسان كثيرة الضياع غالية الخراج غزيرة المياه حسنة
الضياع على طرف الرمال مظلّلة الأسواق معدن الأعناب النفيسة جامعها على نشرة وآبارها قريبة
النص من طبعة مكتبة مدبولي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع