من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر جملة من القول في الأمصار ومساحات الممالك
ذكر أنّ عمر لمّا استفتح البلاد من العراق والشام ومصر كتب إلى بعض حكماء العصر يسأله عن البلاد (وتأثير أهويتها وتربتها في سكّانها). فكتب إليه: أمّا الشام فتحت ركام وثجّ غمام تصفّي الألوان وترطب الأجسام وتبلد الأفهام. وأمّا أرض مصر فهواؤها راكد وحرّها متزايد تطوّل الأعمار وتسوّد الأبشار وتبلّد الفطن وتذكّي الإحن.
وأمّا أرض اليمن فتضعف الأجسام وتهذب الأحلام، مغايضها خصبة وأطرافها جذبة. وأمّا الحجاز فهواؤه حرور وليله بهور يشجّع القلوب
وينحف الجسوم وفي أهله غدر ولهم خبّ ومكر، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم وخطب جسيم من أمور»
تظهر وأحوال تبهر. وأمّا العراق فقلب الأرض ومسلك النور وقرار النظارة ولأهله أعدل الألوان وأصفى الأذهان.
وأمّا الجبال فتخشن الأجسام وتبلد الأفهام وتميت الهمم وتفسد الشيم. وأمّا خراسان فتعظّم الأبدان وتكبّر الهام وتلطّف الأفهام ولأهلها غوص وتفكير ورأي وتدبير.
وذكر أنّ معاوية سأل عبد الله بن الكوّاء فقال: أخبرني عن أهل البصرة.
فقال: يقاتلون معا ويدبرون شتّى. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة. فقال:
أنظر الناس في صغيرة وأوقعهم في كبيرة. قال: أخبرني عن أهل المدينة.
قال: أحرص الناس على فتنة وأعجزهم عنها. قال: فأخبرني عن أهل مصر. قال: لقمة لأكل. قال: فأخبرني عن أهل الحيرة. قال: كناسة بين حديقتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل. قال: قلادة وليدة فيها من كلّ خرز. قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: جنّة أمير المؤمنين ولا أقول فيهم شيئا. قال: لتقولنّ. قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق، لا يحسبون للسماء ساكنا. وروي أنّ عمرو بن العاص قال: أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم عنها، وأهل العراق أطلب الناس لعلم وأعلمهم بخلافه، وأهل مصر أعقل الناس صغارا وأحمقهم كبارا، وأهل الشام أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق.
وقال سليمان بن موسى: إذا كان الرجل علمه حجازي وسخاؤه عراقي واستقامته شامية فقد كمل.
وقال بعض الحكماء: أهل الحجاز أهل لهو ومعازف ومداعبة وتأنيث، وأهل
اليمن أهل غفلة وخفّة ولين، وأهل العراق أهل فكرة وفطنة وغدر وخبث وحيل وكثرة كلام، وأهل الشام أهل غفلة وسلامة صدور وعون للظلمة، وأهل مصر أهل غفلة ولين وقلب فطن، وأهل خراسان أهل غفلة وحرص وبخل وشجاعة، وأهل الهند أهل حكمة وشجاعة وحسن سيرة ولين، وأهل الصين أهل طيش وخفّة وجبن.
وقال بكر بن وائل عن محمّد بن مسلم يرفعه: قسم الحفظ عشرة أجزاء فتسعة في الترك وجزء في سائر الناس، وقسم البخل عشرة أجزاء فتسعة في فارس وجزء في سائر الناس، وقسم الكبر عشرة أجزاء فتسعة في الروم وجزء في سائر الناس، وقسم السخاء عشرة أجزاء فتسعة في السودان وجزء في سائر الناس، وقسم الشبق عشرة أجزاء فتسعة في الهند وجزء في سائر الناس، وقسم الحسد عشرة أجزاء فتسعة في العرب وجزء في سائر الناس.
وقال أيضا بعض الحكماء: لا ترى أمة أكمل من كوفية ولا أظرف من مدنية ولا أبرع كمالا من رومية ولا أحسن من أندلسية ولا أسحر بعينها من حبشية ولا أحسن قواما من سندية ولا أنجب للولد من خوشية ولا أعسر قفلا من خزرية.
فلمّا أراد عمر رضه النهوض إلى العراق سأل كعب الأحبار عنها فقال: يا أمير المؤمنين، لمّا خلق الله الأشياء لحق كلّ شيء بشيء، فقال العقل: إنّي لاحق بالعراق. فقال العلم: وأنا معك. فقال المال: فإنّي لاحق بالشام.
قالت الفتن: وإنّا معك. قال الخصب: إنّي لاحق بمصر. قال الذلّ: وأنا معك. قال الشّقاء: إنّي لاحق بالبوادي. قالت الصحّة: وأنا معك. وقال الحجاج: لمّا تبّوأت الأمور منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام. قال الطاعون: وأنا معك. قال النفاق: وأنا أنزل العراق. قالت النعمة: وأنا معك. قالت الصحّة: أنزل البادية. قالت الشقوة: وأنا معك.
وممّا خصّ به العراق مادّة الرافدين وهما دجلة والفرات، وكانت الأوائل تشبهه من العالم بالقلب من الجسد لتوسّطه الأرض ولأنّه من إقليم بابل الّذي سبقت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما تكون الحكمة من القلب.
وأشرف هذا الإقليم مدينة السلام، وقالوا: العراق لا جبلية ولا بحرية ولا شتاء كشتاء أرمينية ولا صيف كصيف عمان ولا صواعق كصواعق تهامة ولا جرب كجرب اليمن ولا طاعون كطواعين الشام ولا طحال كطحال البحرين ولا حمّى كحمّى خيبر ولا زلازل كزلازل صبرة ولا دمامل كدمامل الجزيرة ولا جنون كجنون حمص ولا هواء يختلف كهواء مصر الّتي لم يجعل الله ﷿ في أرزاق أهلها وأقواتهم نصيبا من الرحمة الّتي نشرها على عباده بالغيث الّذي جعله عمارة لبلاده وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.
وقالت الحكماء: عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان. وقال أبقراط: يداوى كلّ عليل بعقاقير أرضه، فإنّ الطبيعة تتطلّع إلى هوائها وتسرع إلى غذائها.
وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها.
وزعم الفزاري أنّ عمل أمير المؤمنين من أقصى خراسان- وهو فرغانة- إلى طنجة بالمغرب ثلاثة آلاف فرسخ في سبعمائة فرسخ (ومن الباب إلى بغداد ثلاثمائة فرسخ)، وعمل الصين في المشرق واحد وثلاثون ألف فرسخ في أحد عشر ألف فرسخ، وعمل الهند في المشرق أحد عشر ألف فرسخ في سبعة آلاف فرسخ، وعمل تبّت خمسمائة فرسخ في مائتين وثلاثين فرسخ، وعمل كابل شاه أربعمائة فرسخ في ستّين، وعمل الترك ألف فرسخ في خمسمائة فرسخ، وعمل الخزر واللّان سبعمائة في خمسمائة، وعمل برجان ألف وخمسمائة في سبعمائة، وعمل الصقالبة ثلاثة آلاف وخمسمائة في أربعمائة وعشرين، وعمل الأندلس ثلاثمائة فرسخ في مائة فرسخ، وعمل رومة ثلاثة آلاف فرسخ في سبعمائة فرسخ، وعمل إدريس الفاطمي ألف ومائتا فرسخ في مائة وعشرين فرسخا، وعمل فارس لابن المنتصر أربعمائة فرسخ في ثمانين فرسخا. عمل أنبية ألفان وخمسمائة فرسخ في ستّمائة فرسخ، وعمل غانة بلاد الذهب ألف فرسخ في ثمانين فرسخا، وعمل ورام مائتا فرسخ في ثمانين فرسخا، وعمل نخلة مائة وعشرون فرسخ في ستّين فرسخا، وعمل واخ ستّون في أربعين، وعمل البجاة مائتا فرسخ في ثمانين، وعمل النوبة ألف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة، وعمل الزنج تسعة آلاف وستّمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ، وعمل أسطوا لأحمد بن المنتصر [أربعمائة فرسخ في مائتين وخمسين فرسخا]، فذلك الطول اثنان وسبعون ألف فرسخ وأربعمائة فرسخ وثلاثون فرسخا، والعرض خمسة وعشرون ألفا ومائتان وخمسون فرسخا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع