تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

جزيرة صقلّية

وجزيرة صقلّية سمّيت باسم شيقلوا أخي إيطال الّذي (به سمّيت إطالية). [وكانت تعرف قبل تري قريا، ومعناه باللسان الإغريقي:

ثلاثة في أربعة، وإنّما ذلك لثلاثة مواضع مشرفة فيها وهي: بلرم الّتي هي قاعدتها وباجنة وليوام. وبين صقلّية وبلد إيطالية خليج من البحر. وقال أرشيوس: عرض جزيرة صقلّية مائة وسبعة وخمسون ميلا وطولها مائة وسبعة وسبعون ميلا. وقال غيره: دور صقلّية الّذي يحيط بها خمسمائة ميل].

وطولها من جبل بلرمه إلى جبل بحيتة (؟) وعرضها من جبل بجيشة إلى جبل

اليبو (؟) [عند مرسى علي]. ويذكر أنّها مثلّثة الشكل. [وقال بعضهم: لا أدري جزيرة في البحر أكثر منها بلادا ولا عمارة أقطار. فالثلث الشرقي منها من مسينى إلى جزيرة الأديب مائتا ميل، ومن جزيرة الأديب إلى طرابنش أربعمائة ميل وخمسون ميلا، وهو الوجه الجنوبي، والوجه الثالث من طرابنش إلى الحراش اثنان وخمسون ميلا]. وهي كثيرة الزرع والضرع والفواكه. وبلرمه قاعدتها في شمال الجزيرة على سبع ليال من المجاز.

وبجزيرة صقلّية البركان العظيم الّذي لا يعلم في العالم أشنع منظرا منه ولا أغرب جبلا، وهو في جزيرتين شمالا من هذه الجزيرة، وإذا هبّت الريح الجوفية سمع له دوي هائل كالرعد القاصف. وكان قوفوريوش الفيلسوف قد شخص من مدينة صور إلى صقلّية لينظر إلى البركان ويعاين فعل الطبيعة هناك ويخبر عنه وعن العاقبة بقول واضح، فمات بها وقبره معروف، وقبر جالينوس أيضا هناك معلوم، وكان قد شخص من مدينة رومة يريد الشام ليلقى أصحاب عيسى ﵇.

وبصقلّية [مياه حامضة وبها] معدن الكبريت الأصفر [الّذي لا يوجد بموضع مثله، وهو بجزيرة البركان، وله قطّاعون عاملون بتناول ذلك قد تمرّطت شعورهم وتصلّبت أظفارهم. ويذكرون أنّهم يجدونه في بعض الأزمنة سيّالا متميّعا فيجدون له في الأرض مواضع يجتمع فيها. ثمّ يجدونه في غير ذلك الأوان قد تحجر وحمض فيقطعونه بالمعاول]. وبجزيرة صقلّية

آبار ثلاث عند قلعة مينا من إقليم سرقوسة يخرج منها في وقت معلوم من السنة زيت النفط، وذلك في شهر شبّاط وشهرين بعده. [وينزل من البرّ على درك ويرقى على درك آخر، ويخمّر الرجل الّذي يدخل البئر رأسه ويسدّ مسامّ أنفه، وإن تنفّس في أسفل البئر هلك من ساعته، وما أخرج منه وضع في قصار فيعلو الدهن منه] وذكر [بعض] المؤرّخين أنّ جزيرة صقلّية كان يسكنها في قديم الدّهر أمّة مهملة تأكل الناس، ويقال إنّه كان فيها جنس من المسوخ بعين واحدة في وسط جباههم يسمّون حقلوفس. ولم تزل صقلّية على قديم الدهر كثيرة الفتن والحروب، وفي السنة التي بويع فيها علي بن أبي طالب ﵁ صار قسطنطين بن هرقل في ألفي مركب يريد بلاد المسلمين، فسلّط الله تعالى عليهم عاصفا من الريح فأغرقهم، فنجا بنفسه قسطنطين، فلمّا أتى صقلّية صنعوا له حماما ودخله وقتلوه فيه. ولصقلّية مدن كثيرة ونهران يطردان من عين واحدة يقال لأحدهما أوطشوم وللآخر القارم.

وبصقلّية جزيرتا البركان الواحدة كبيرة والأخرى صغيرة، وفي هاتين الجزيرتين تتّقد النار أبدا، فيرى فيهما لهب النار بالليل ودخانه بالنهار.

ومن العجائب أنّ النار في إحدى الجزيرتين حديثة ولم تكن بها من قبل.

وهاتان الجزيرتان وما يليهما تسمّى جزائر أوليا، سمّيت باسم (أوليس بن يكيو) الّذي ذكرت فلاسفة الجاهلية أنّه كان أميرا لتلك الجزائر وكان

يعلّم أهلها بما يحدث في الرياح لتجارب حفظها، فاتّخذوه إلها. وبصقلّية غرائب يطول ذكرها.

وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين فزع فيمة البطريق النصراني قائد صاحب صقلّية إلى زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، فقرّب عليه أمر صقلّية والظفر بها، فولّى زيادة الله أسد بن الفرات القاضي الفقيه على جيش إفريقية من قريش والعرب والبربر وغيرهم وأقرّه على القضاء مع القيادة. وخرج أسد في حفل عظيم وجمع كثير وعدّة كاملة، وذلك في شهر ربيع الأوّل من العام المذكور، وكان فصوله من مدينة سوسة في سبعين مركبا يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأخر، ووصل إلى مرسى مازر يوم الثلاثاء [بعده، وكانت طريقه من المرسى على قلعة بلّوط، ثمّ على قرى الرّيش، ثمّ صار إلى قلعة الدبّ سمّيت بذلك لأنّهم أصابوا فيها دبّا أنيسا، ثمّ إلى قرية الطواويس، وسمّيت بذلك لأنّهم أصابوا فيها طاووسا، ثمّ إلى معركة بلاطة، وهناك ظهر لهم جمع الروم فنازلهم فانهزم المشركون وأصيب لهم كراع وسلاح، ولذلك سمّيت معركة بلاطة، وهو اسم ملك النصارى]. ثمّ رحل إلى حصون الروم وقراهم [يغير ويسبي]، وبثّ السرايا في جميع الجزيرة وكثرت المغانم عند المسلمين وصاروا في رغد من العيش، [وسارع الناس إلى إمدادهم من إفريقية والأندلس]، وحاصر أسد مدينة سرقوسة وقاتلهم برّا وبحرا وأحرق مراكبها وقتل جماعة من أهلها.

ومات أسد بن الفرات ﵀ سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو محاصر لسرقوسة، ووقع الموتان على عسكر المسلمين.

وولّوا على أنفسهم ابن الجواري وأمدّتهم مراكب من إفريقية فيها رجل يسمّى عمروس، فخرج إليهم قسطنطين صاحب صقلّية وهو نازل بلرمه في عسكر جرّار، فحفر لهم المسلمون حفرا وغيّبوها بالكلإ والعشب، ثمّ استطردوا لهم عند اللقاء حتّى تساقطوا في تلك الحفر، فكان ممّن سقط منهم قسطنطين وابنه. فأسر قسطنطين وقد أثخن جراحا، ففدي من المسلمين بفداء جزيل، فأحمله أهله فمات بالحمة، فحملوه ودفنوه بمرسى الطين وبنوا على قبره الكنيسة الّتي بالمرسى.

وكان بعد ذلك فيها ولايات كثيرة وحروب مع الروم يطول ذكرها.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.