من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة رومة
ومدينة رومة في سهل من الأرض تحيط بها الجبال على بعد والمطلّ عليها منها جبل غوديه بينه وبينها ستّة أميال. ودور مدينة رومة [أربعون] ميلا، وقطرها اثنا عشر ميلا يشقّها نهر يسمّى تيبروس وينقسم قسمين، ثمّ يلتقيان آخرها. وفي وسط مدينة رومة حصن يقال له منت أرقوط في صخرة مرتفعة منيعة، ولم يطق بهذا الحصن عدوّ قطّ. ورومة قد تغلّب عليها
مرّات. وبين رومة والبحر الشّامي اثنا عشر ميلا، وكذلك بينها وبين البحر الجوفي.
وأهل مدينة رومة أجبن خلق الله. ويدبّر أمرهم برومة البابه. ويجب على كلّ ملك من ملوك النصارى إذا اجتمع بالبابه أن ينبطح على الأرض بين يديه، فلا يزال يقبّل رجل البابه ولا يرفع رأسه حتّى يأمره البابه بالقيام.
وكانت رومة القديمة تسمّى رومة باكية أي عجوز. وكان النهر يعترضها، فبنى يوانش الأسقف خلف الوادي مدينة أخرى، فلذلك صار النهر يشقّها.
وفرش النهر بلبن الصفر وألصقه بالقصدير والرصاص وألبست حيطانه بمثل ذلك. وفي داخل مدينة رومة كنيسة شنتا باطر وفيها صورة قار له من ذهب بلحيته وجميع هيئته وهو في خلق عبوس قد رفع عن الأرض في خشبة مصلوبا. وفي وسط الكنيسة صورة أخرى لبعض ملوكهم من ذهب أيضا.
ولهذه الكنيسة أربعة أبواب من فضّة سبكا واحدا، كلّها مسقّفة بقراميد الصفر ملصقة بالقصدير وحيطانها كلّها نحاس أصفر رومي وأعمدتها وأساطينها من بيت المقدس، وهي في غاية من الحسن والجمال. ويزار في هذه الكنيسة مخلبان من مخالب العنقاء- وهم يسمّونها الغديقة- طول كلّ مخلب منها اثنا عشر شبرا. وداخل هذه الكنيسة بيت بني باسم بطرس وبولس الحواريّين، وطول هذه الكنيسة ثلاثمائة ذراع وسمكها [مائتا ذراع].
ذكر شيء من سير الروم وأخبارهم ومذاهبهم
وأهل رومة أجمعون يحلقون لحاهم كلّها ويحلقون أوساط هامهم ويزعمون أنّ كلّ من لم يحلق لحيته لم يكن نصرانيا خالصا. ويقول علماؤهم إنّ سبب ذلك أنّ شمعون الصفا جاءهم والحواريّون وهم قوم مساكين ليس بيد كلّ واحد منهم إلّا عصا وجراب، قالوا: ونحن ملوك نلبس الديباج ونقعد على كراسي الذهب، فدعونا إلى النصرانية فلم نجبهم وأخذناهم وعذبناهم وحلقنا رؤوسهم ولحاهم، فلمّا ظهر لنا صدق قولهم حلقنا لحانا كفّارة لما ركبنا من حلق لحاهم.
وإنّما صار النصارى يعظّمون يوم الأحد لأنّهم يزعمون أنّ المسيح قام في القبر ليلة الأحد وارتفع إلى السماء ليلة الأحد بعد اجتماعه مع الحواريّين. وهم لا يرون الغسل من الجنابة ولا وضوء عندهم للصلاة، وإنّما عبادتهم النية، ولا يأخذون القربان حتّى يقولوا: هذا لحمك ودمك، يريدون المسيح، وليس بخمر وليس بخبز. والسكر عندهم حرام، ولا يتكلّم أحد إذا أخذ القربان حتّى يغسل فمه، وإذا تقرّبوا قبّل بعضهم بعضا وتعانقوا. ولا يتزوّج أحد منهم أكثر من امرأة واحدة ولا يتسرّى عليها، فإن زنت باعها وإن زنى باعته، وليس لهم طلاق. ويورثون النساء جزءين والذكور جزءا، ومن سنّتهم ألّا يلبس الخفاف الحمر إلّا ملك.
وهم يخفّفون في الحكم على الشريف ويثقلون على الوضيع حتّى يبلغ به البيع. ومن أحكامهم أنّ من زنى بأمة غيره فلا شيء عليه إذا زنى بها خارج الدار كأنّه لم يأت ريبة، وإن زنى بها في دار سيّدها فعليه حدّ معروف ومن أولد عندهم أمة فولده زنيم ولا يجوز لذلك الولد عندهم رتبة القسيسية، ولا يرث أباه إذا كان له ولد من حرّة وولد الحرّة يحيط بميراثه، وإن لم يكن له ولد غير ولد الأمة ورثه.
وهم يفطرون في صومهم (في كلّ جمعة يومين) وهما يوم السبت ويوم الأحد، وأمر الصوم عندهم خفيف ليس بالشّديد اللّزوم، وإنّما أصله عندهم الصوم الّذي صامه المسيح بزعمهم استدفاعا لإبليس، وكان صومه أربعين يوما كاملا موصولة بلياليها في قولهم، وهم لا يصومون يوما كاملا ولا ليلة كاملة، ومن كان بين المسلمين منهم يؤخّر الفطر حياء منهم، وهم في موضع مملكتهم لا يصومون إلّا نصف النهار أو نحوه. والمواظب منهم للصلاة والجماعات من شهد الكنيسة يوم الأحد وليلته وأيّام القرابين السبعة، ولو غاب عنها عمره كلّه ولم يطعن بذلك عليه طاعن ولا عابه بذلك عائب.
وليس يشتمل مصحف النصارى الّذي هو ديوان فقههم وكنز علمهم وعليه معوّلهم في أحكامهم واعتمادهم في شرائعهم إلّا على خمسمائة وسبع وخمسين
مسألة، ومن هذه المسائل على قلّتها مسائل موضوعة لا معنى لها ولا حاجة بهم إلى تفسيرها، لم يقع في سالف الزمان ولا يقع في عابره.
وليست سنّتهم مأخوذة من تنزيل ولا رواية عن نبي، وإنّما جميعها عن ملوكهم. وإيمانهم الذي لا يعدونه بالله الّذي لا يعبد غيره ولا يدان إلّا له، وإلّا فخلع النصرانية وبرئ من المعمودية وطرح على المذبح حيضة يهودية، وإلّا فلعنه البطريق الأكبر والشمامسة والديرانيون وأصحاب الصوامع ومقرّبة القربان، وإلّا فبرئ من الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا الّذين خرجوا من بيوتهم حتّى أقاموا دين النصرانية، وإلّا فشقّ الناقوس وطبخ به لحم حمل وأكله يوم الاثنين مدخل الصوم، وإلّا فلقي الله بعمل إسحاق طهربا اليهودي (كمل ثلث الديوان والحمد لله).
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع