من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
فضائل بيت المقدس ثلاث
إنّ رسول الله ﷺ قال لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيليا. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص في هذه الآية: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ
، قال: هو سور بيت المقدس.
وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لمّا فرغ سليمان بن داود من بنيان بيت المقدس سأل الله ثلاث خصال: سأل الله أيّما عبدا خرج من بيته لا يعمر إلّا الصلاة في هذا المسجد أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، فنرجو أنّ الله قد أعطاه ذلك. وسأله حكما يوافق حكمه فأعطاه ذلك. وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه.
وعن كعب قال: من أتى بيت المقدس فصلّى عن يمين الصخرة وشمالها ودعا عند موضع السلسلة وتصدّق بما قلّ أو كثر استجيب دعاؤه وكشف عنه حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه.
وعن أبي العالية: إلى الأرض الّتي باركنا فيها للعالمين قال: من بركتها أنّ كلّ ماء عذب إنّما يخرج من أصل صخرة بيت المقدس، يعني عين سماميح. والله إنّ مخرجها لمن تحت صخرة بيت المقدس وهي عين في وسط البحرين.
وسئل عبادة بن الصامت ورافع بن حريج وكانا عقبتين بدرقين، فقيل لهما:
أرأيتما ما يقول الناس في هذه الصخرة؟ أشيء له أصل فنأخذ به أم شيء إنّما يوخذ من أهل الكتاب فندعه؟ فقال كلاهما: سبحان الله، فمن يشكّ في أمرها؟ إنّ الله تعالى لمّا استوى إلى السماء قال: بصخرة بيت المقدس هذا مقامي وموضع عرشي يوم القيامة ومحشر عبادي، وهذا موضع جنّتي عن يمينها وهذا موضع ناري عن يسارها وأنا ديّان الدّين، ثمّ استوى على العرش إلى عليين. وفيها أخبار كثيرة يطول وصفها.
وعبد الملك بن مروان هو الّذي بنى القبّة في أعلى الصخرة فأبرز الأموال ووكّل على ذلك رجاء بن حياة ويزيد بن سلام، وحشر لذلك الصنّاع وأمرهم أن يفرغوا عليها المال إفراغا دون أن ينفقوه إنفاقا. وتبقّى من المال بعد بنائها مائة ألف، فأمر بها عبد الملك جائزة لهما فكتبا إليه: نحن أولى أن نزيده من حلي نسائنا فضلا عن أموالنا، فصرّفها فيما شئت. فكتب إليهما: تسبك وتفرغ على القبّة، فما كان يقدر أحد أن يتأمّلها لما عليها من الذهب وكان لها
خفاءان خفاء من لبود وخفاء من أدم من فوقه تلبسها في الشتاء والصيف لتكنّها من الأمطار والرياح والثلوج.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع