تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

مدينة إيليا

هي مدينة مصّرت في مفازة من الأرض والجبال محيطة بها، والمدينة في غربي المسجد. وماء إيليا من الأمطار ولداود ﵇ بها حياض مصهرجة فيها مياه الأمطار للشّفاء. وخارجها بساتين ومزارع وأشجار وكرم وزيتون، وليس بها من شجر النخل إلّا واحدة ويقال إنّها المذكورة في التنزيل في شأن مريم وهي منحنية، ويقال إنّها غرست منذ زيادة على ألف سنة.

والأرض المقدّسة أربعون ميلا في مثلها، فأمّا البيت المقدّس فإنّ أوّل من بناه وأري موضعه يعقوب، وقيل داود على اختلاف من الناس. وكان من بناء داود ﵇ له إلى وقت تخريب بخت نصر إيّاه وانقطاع دولة بني إسرائيل أربعمائة سنة وأربع وخمسون سنة، فلم يزل خرابا إلى أن بناه ملك من ملوك طوائف الفرس يقال له كوشك، ثمّ تغلّبت ملوك غسّان على الشام بتمليك ملوك الروم لهم ودخولهم في نصرانيتهم إلى أن جاء الله بالإسلام، وملك الشام منهم جبلة بن الأيهم، ففتح الله الشام على المسلمين زمن عمر بن الخطّاب رضه، وكان أبو عبيدة قد كتب إلى بطارقة إيليا يدعوهم إلى الإسلام أو أداء الجزية، فالتووا عليه، فنزل عليهم وحاصرهم حصارا شديدا. فلمّا رأوا ذلك سألوه الصلح على الجزية، فأجابهم إلى ذلك.

قالوا: فأرسل إلى خليفتك عمر فيكون هو الّذي يعطينا العهد ويكتب لنا الأمان فإنّا لا نرضى إلّا به. فاستوثق منهم [أبو عبيدة بالأيمان المغلّظة إن قدم

أمير المؤمنين فأعطاهم الأمان ليقبلوا ذلك منه]. وخاطب عمر رضه [بما دعوا إليه وباستيثاقه منهم]. قال: ثمّ سار عمر [رضه نحو إيليا وخرج المسلمون يستقبلونه، فخرج أبو عبيدة رضه بالناس، وأقبل عمر رضه على جمل له عليه رحل ملبّس جلد كبش حولي حتّى انتهى إلى مخاضة، فأقبلوا يتبادرونه حتّى نزل عن بعيره وأخذ بزمامه وهو من ليف، ثمّ دخل بين يديه حتّى صار إلى أصحاب أبي عبيدة ﵄، فإذا معهم برذون يجنبونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين اركب هذا البرذون فإنّه أحجى بك وأهون عليك في ركوبه، ولا نحبّ أن يراك أهل الذمّة في مثل هذه الهيئة، واستقبلوه بثياب بيض. فركب البرذون وترك الثياب، فلمّا هملج به نزل عنه وقال: خذوا هذا عنّي فإنّه شيطان. فقالوا: يا أمير المؤمنين لو لبست هذه الثياب البيض وركبت هذا البرذون لكان أجمل في المروءة وأحسن في الذكر. فقال عمر رضه: ويحكم لا تعتزّوا بغير ما أعزّكم الله به فتذلّوا. ثمّ مضى ومضى المسلمون فيهم أبو الأعور السلمي قد لبسوا ثياب الروم من الديباج وغيره. فقال عمر رضه: احثوا في وجوهكم التراب حتّى ترجعوا إلى هيئتنا وسنّتنا، وأمر بدلك الديباج فخرق. فقال له يزيد بن أبي سفيان: يا أمير المؤمنين إنّ الدوابّ والسلب عندنا كثير والعيش رفيع والسعر رخيص وحال المسلمين كما تحبّ، فلو أنّك لبست هذه الثياب البيض وركبت هذه المراكب الفره وأطعمت المسلمين من هذا الطعام الكثير لكان أبعد في الصّيت وأعظم في أعين الأعاجم. فقال له عمر رضه: يا يزيد لا والله لا أتزيّن للنّاس بما يشينني عند الله ﷿ ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس ويصغر عند الله ﷿. ثمّ أرخى إلى إيليا]، فخرج إليه [أبو الجعيد] فصالحه، وكتب لهم عمر كتابا أمّنهم فيه على أنفسهم [وذراريهم ونسائهم وأموالهم وكنائسهم واشترطوا أن لا يساكنهم اليهود فيها].

فلمّا قبضوا كتاب الصلح فتحوا للمسلمين أبواب إيليا، فدخل عمر رضه [والمسلمون معه: وسخر عمر رضه] أنباط أهل فلسطين في كنس بيت المقدس وكانت فيه مزبلة عظيمة. وجاء عمر ومعه كعب فقال: يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: اذرع من الحائط الّذي يلي وادي جهنّم كذا وكذا ذراعا ثمّ احفر فإنّك تجدها. قال: وهي يومئذ مزبلة.

قال: فحفروا فظهرت. فقال عمر لكعب: أين ترى أن نجعل قبلة المسجد؟

قال: اجعلها خلف الصخرة فتجمع القبلتين قبلة موسى وقبلة محمّد ﷺ.

قال: يا أبا إسحاق [ضاهيت اليهود]، خير المساجد مقدمها. قال: فبنى القبلة في مقدم المسجد. ثمّ بنى عبد الملك بن مروان مسجد بيت المقدس سنة سبعين وحمل إلى بنيانه خراج مصر لسبع سنين، وبنى القبّة على الصخرة وجعل في أعلى القبّة ثمانية آلاف صفيحة من نحاس مطلية بالذهب في كلّ صفيحة سبعة مثاقيل ونصف من ذهب، وأفرغ على رؤوس الأعمدة مائة ألف مثقال ذهبا وخارج القبّة كلّها صفائح الرصاص وعليها صفيحة ...

وهي ثلاث قباب متجاورة: قبّة الصخرة وقبّة المعراج وقبّة السلسلة الّتي كانت في زمن داود ﵇، وفيها قال الشاعر:

مضى مع الوحي زمان العلىوارتفع الجود مع السلسلة

ويقال إنّ الّذي بنى قبّة بيت المسجد وجدّدها سعيد بن عبد الملك بن مروان، وكان يعرف بسعيد الخير وهو الّذي حفر نهر سعيد بالفرات، وعليه

قرى كثيرة. وطول مسجد بيت المقدس بالذراع الملكي ويقال إنّه ذراع سليمان ﵇ وهو ثلاثة أشبار-[سبعمائة وخمس وخمسون ذراعا]، وعرضه [أربعمائة وخمس وخمسون ذراعا]، وفيه من الخشب السقف. وفيه خمسون بابا منها باب محمّد ﷺ. وفي المسجد سبعة محاريب منها محراب مريم ومحراب يعقوب ومحراب زكريا الّذي بشرته فيه الملائكة. وفيه كرسي سليمان الّذي يدعو عليه، وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجا للماء، وفيه من سلاسل النحاس للقناديل ... وفيه خمسة آلاف قنديل [توقد فيه ليلة كلّ جمعة]، وفي السلاسل ثلاثة وأربعون رطلا بالشامي، والرطل الشامي أربعة أرطال وأربع أواق بالفلفلي.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.