من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
طول بيت المقدس
ذراعا بذراع الملك وهو ستّ قبضات، وعرضه ... ويسرح فيه من القناديل ... وعدد أبوابه ... وعدد ما فيه من الآباط والعمد ... وعدد العمد الّتي في داخل الصخرة ... وقناديلها ... من نحاس وعشرة من فضّة كبار، وكلّ واحد عمل عند النبي ﷺ، وفي وسط القبّة حبل معلّق فيه قنديل من فضّة بعضها منظومة بالجوهر. وهذه صفته: (انظر الصورة في الصفحة التالية).
وبإيليا الكنيسة العظمى الّتي وسطها صيهون، وهي العتيقة وهي الّتي يتعبّد فيها داود وفي وسطها قبر المسيح بزعمهم. فإذا كان يوم عيدهم ويوم السبت الكبير يخرج الناس من موضع القبر إلى الصخر، وحوالي السطح درابزين من أبنوس يشرفون منه على موضع القبر وكلّهم يتضرّعون إلى الله ﷿ من وقت الأولى إلى المغرب، والإمام الّذي يؤمّ بالناس في المسجد الجامع قاعد مع الأمير، فهم على هذا حتّى يروا نارا بيضاء تخرج من جوف القبر، فيفتح السلطان الباب عن القبر ويدخل وفي يده شمعة فيوقدها في تلك النار فيرفعها إلى الإمام فيأتي الإمام بتلك الشمعة إلى المسجد الجامع فيشعل بها
القناديل، فإذا تداولت تلك الشمعة ثلاث أيد اتّقدت كلّها وصارت نارا للعالمين. ويكتب الأمير بخبر ذلك إلى السلطان ويعلّمه أنّ النار نزلت في وقت كذا وكذا من يوم كذا، فإذا نزلت تلك النار وقت الأولى من ذلك [اليوم] كان دليلا على أنّ السنة تكون خصيبة، وإذا تأخّرت ونزلت وقت العصر دلّت على أنّ السنة [تكون] قحطة. وهذه النار تنزل في يوم فصحهم.
قال المؤلّف: هكذا نقل بعض المؤرّخين وهو أمر غير صحيح، وإنّما كانت هذه حيلة وناموس عمل من نواميس أسقف بيت المقدس، فكان يعمد إلى خيط إبريسم رقيق طويل فيدخله من وراء الحائط إلى القبر ويخرج من القبر إلى سرج الثريا وهو مدهون بالبلسان وتشتعل النار فيه من وراء الحائط بغلافين قد اتّخذهما لا صبعيه من خشب نوري، وتسري النار في البلسان حتّى يتّقد منها السراج. ففضحه علي بن إبراهيم الوزير أيّام كونه هناك وكشف للناس وجه حيلته وضرب في عنفه فبطلت النار من ذلك الوقت.
ويتّصل بهذه الكنيسة كنيسة يقال لها كنيسة قسطيص، وبغربيّها كنيسة يقال لها الجسمانية. وعلى فرسخ منها ممّا يلي قبلتها في مستو من الأرض بيت لحم، وبه ولد المسيح ﵇ وبه النخلة الّتي ساقطت على مريم رطبا جنّيّا والسري الّذي جعله الله تحتها فشربت منه وتطهّرت، والمهد الّذي جعلت فيه المسيح، وهو حوض أبيض غسلته فيه. وهو قريب من العين.
وعلى فرسخ من مدينة الطبرية قرية يقال لها المجدل فيها كنيسة مريم، فيها السبعة المجانين الّذين أبرأهم المسيح ﵇ يقال لها الطابقان، وهناك بارك عيسى ﵇ على خمسة أرغفة وسمكتين وأطعم منها خمسة آلاف من أصحابه وفضل منها اثنا عشر زنبيلا. ومنها على فرسخ مسجد الخضر وتحته قناة ماء يجري حتّى ينصبّ في البحيرة. ومنها على أربعة فراسخ مسجد بناه عمر بن عبد العزيز ﵀ وتحته الجبّ الّذي ألقي فيه يوسف ﵇. ومنها على فرسخين مدينة يقال لها بانياس، وها هنا ينبع ماء نهر الأردنّ وعليه الأرحاء، ويذكرون أنّها كانت تقف يوم السبت فلا تطحن، وكان انخسف نصفها وتعلّق الناس بالمسيح أن ترفع فأبى ورفع رجله حتّى انخسف نصف الأرحاء. وفيها أحيا المسيح بنت أدران الملك بعد عشرة أيّام، وعمل العجائب في تلك المدينة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع