تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر بلاد الروم وجملة من أخبارهم

كانت رومة دار مملكتهم ونزلها من ملوكهم تسعة وعشرون ملكا، ثمّ نزل نقمودية منهم ملكان، ثمّ انتقلت مملكتهم إلى رومة فنزلها ملكان، ثمّ ملك بها قسطنطين الأكبر فانتقل إلى بزنطية وبنى عليها سورا وسمّاها القسطنطينية.

ولها نحو مائة باب، وطولها من الباب الشرقيّ إلى الباب الغربيّ ثمانية وعشرون ميلا، وقيل اثنا عشر فرسخا في مثلها، وفرسخهم ميل ونصف. ودور قصر الملك فرسخ يحيط به سور منيف وله ثلاثة أبواب.

وعلى مقربة منه كنيسة الملك، لها عشرة أبواب أربعة منها ذهب وستّة من فضّة، وفي المقصورة الّتي يصلّي فيها الملك موضع أربع أذرع في أربع أذرع مرصّع بالدرّ والياقوت ... والأرقنا آلة من خشب مربّعة على هيئة المعصرة يغشّى بأدم وثيق ثمّ تجعل فيه ستّون أنبوبة قد غشيت تلك الأنابيب بالذهب فوق الأدم لا يتبيّن منها إلّا اليسير، وهي على مقادير مختلفة في الطول ليست متساوية، و [توضع] ثلاثة صلبان فوق الآلة: صليب في طرفها وصليب في وسطها وصليب على الطرف الثاني. وفي جانب هذه الآلة المربّعة ثقب يجعل فيه منفخ مثل كور الحدّادين ورجلان ينافخان ذلك المنفخ لا يفتران، ويقوم الأستاذ فيحسب على تلك الأنابيب. وهذه الآلة من أجلّ ما عندهم، تسمع منها أصوات غريبة مطربة ومتحدّثة وملوكهم لا يستغنون عنها في أكثر أحوالهم وهي من الغريب المتعذّر، والله أعلم.

وإذا أراد الملك الخروج إلى هذه الكنيسة العظمى فرش له في طريقه من باب القصر إلى الكنيسة حصر وفوق الحصر ضروب الرياحين الطيّبة، وتزيّن حيطان دور المدينة يمنة ويسرة بالديباج وضروب ثياب الحرير. ويخرج بين يديه عشرة آلاف شيخ عليهم كلّهم ديباج أبيض. ثمّ يخرج بعدهم عشرة آلاف خادم عليهم ديباج في لون السماء في أيديهم الطبرزينات الملبّسة بالذهب. ثمّ يخرج بعدهم خمسة آلاف من فتيان الصقالبة أوساط عليهم ملاحم خراسانية بيض بأيديهم كلّهم صلبان الذهب، ثمّ يخرج من بعدهم

عشرة آلاف غلام أتراك وخزر عليهم أقبية مذهّبة بأيديهم رماح وأترسة ملبّسة بالذهب. ثمّ يخرج بعدهم مائة بطريق عليهم ثياب منسوجة بالذهب في يد كلّ واحد منهم قضيب من ذهب. ثمّ يخرج مائة غلام عليهم ثياب مشهّرة مرصّعة باللؤلؤ يحملون تابوتا من ذهب فيه كسوة الملك لصلاته.

ثمّ يخرج رجل بين يديه يقال له الرحوم يسكت الناس. ثمّ يخرج شيخ بيده طست وإبريق من ذهب مرصّعان بالدرّ والياقوت. ثمّ يخرج الملك ماشيا وعليه ثياب الأكسيمون، وهو ثياب من الإبريسم منسوجة بالجوهر كلّها، وخفّه مرصّع بالدرّ والياقوت، وفي يد الملك حقّة من ذهب فيها تراب، فكلّما خطا خطوة يقول له الوزير بلسانهم: من رموت نسابطر، تفسيره: اذكر الموت والبلى. فإذا قال له ذلك وقف الملك وفتح الحقّ ونظر إلى التراب وقبّله وبكى. فيسير كذلك حتّى ينتهي إلى باب الكنيسة، فيقدّم الرجل الطست والإبريق فيغسل الملك يده ويقول للوزير: إنّي بريء من دماء الناس كلّهم والله لا يسألني عن دمائهم وإنّي قد جعلتها في عنقك.

ويخلع ثيابه الّتي عليه على وزيره ويقول له: دن بالحقّ، ويأمر فيه أن يدار به على أسواق القسطنطينية ويقال له: دن بالحقّ كما قال لك الملك.

ويلبس الملك الثياب الّتي يدخل بها الكنيسة ويأمر بإدخال [أسارى] المسلمين الكنيسة فينظرون إلى تلك الزينة فينادون: أطال الله بقاء الملك سنين كثيرة، ويقولون ذلك ثلاث مرّات. ويساق خلف الملك ثلاثة من الخيل تقاد، [ويقول بعضهم إنّها] لا تكون إلّا شهباء يقال إنّها من نسل خيل كانت للإسكندر توارثها ملوك اليونانيّين ثمّ ملوك الروم لمّا غلبوا

على المملكة، عليها سروج قرابيسها من الزمرّد الأخضر والياقوت الأحمر، وركبها وألبابها وما اتّصل بها مرصّعة من الحجارة بمثل ذلك. [وأجلتها من الديباج المرصّع بالدرّ والياقوت، فيدخلونها الكنيسة ولها بها لجام معلّق، وهم يقولون إنّ دابّة منها متى أخذت تلك اللجام في فيها ظفروا ببلاد الإسلام. فتجيء الدابّة منها فتشمّ اللجام ثمّ تقهقر ولا تقدم عليه. ويقال إنّها من نسل دوابّ كانت لأوقنطاب]. قال أبو سعيد الفارقي: رأيتهم يحملون بين يدي الملك سيوفا عدّة تنسب إلى الإسكندر طول كلّ سيف منها ثمانية أشبار وهي مرصّعة كلّها بنفيس الجوهر، فإذا انقضت نواميس شرعهم عاد الملك على الهيئة الأولى إلى قصره.

وباب الذهب منها في الجانب الجنوبي ومنه يأخذ إلى رومية. وفيها عجائب يكاد السامع أن لا يقبلها، وفيها من الذهب والجواهر في أبوابها وأسرّتها وجميع أمورها.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.