تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر مدينة سجلماسة

ومدينة سجلماسة بنيت سنة أربعين ومائة، وبعمارتها خلت مدينة تدغة وبينهما يومان وبعمارتها خلت زيز أيضا. ومدينة سجلماسة مدينة سهلية أرضها سبخة، حولها أرباض كثيرة وفيها دور رفيعة ومبان سرية ولها بساتين كثيرة، وسورها أسفله مبني بالحجارة وأعلاه بالطوب، بناه أليسع أبو منصور

بن أبي القاسم من ماله لم يشركه في الإنفاق عليه أحد، أنفق فيه ألف مدى طعام، ولها اثنا عشر بابا ثمانية منها حديد. وكان بناء أليسع له سنة تسع وتسعين ومائة، وارتحل إليها (سنة مائتين) وقسمها على القبائل على ما هي عليه اليوم. وهم يلتزمون النقاب، فإذا حسر أحدهم عن وجهه لم يميّزه أحد من أهله.

وهي على نهرين وعنصرهما من موضع يقال له أجلف تمدّه عيون كثيرة، فإذا قرب من سجلماسة تشعّب نهرين يسلك شرقيّها وغربيّها. وجامعها متقن البناء بناه أليسع فأجاده، وحمّاماتها رديئة البناء غير محكمة العمل. وماؤها زعاق وكذلك جميع ما ينبط من الماء بسجلماسة، وشرب زروعهم من النهر في حياض كحياض البساتين، وهي كثيرة النخيل والأعناب وجميع الفواكه، وزبيب عنبها المعرّش الّذي لا تناله الشمس لا يزبّب إلّا في الظلّ ويعرفونه بالظلّي، وما أصابته الشمس منه زبّب في الشمس.

ومدينة سجلماسة في أوّل الصحراء لا يعرف في غربيّها ولا في قبليّها عمران، وليس بسجلماسة ذباب ولا يتجذّم من أهلها أحد، وإذا دخلها مجذّم توقّفت عنه علّته. وأهل سجلماسة يسمّنون الكلاب ويأكلونها كما يصنع أهل مدينة قفصة وقسطيلية، ويأكلون الزرع إذا أخرج شطأه وهو عندهم مستطرف. والمجذّمون عندهم هم الكنّافون، والبنّاؤون عندهم يهود لا يتجاورهم هذه الصناعة.

ومن مدينة سجلماسة تدخل إلى بلاد السودان إلى غانة، وبينها وبين مدينة غانة مسيرة شهرين في صحراء غير عامرة إلّا بقوم ظاعنين لا يطمئنّ بهم منزل، وهم بنو مسوّفة من صنهاجة، ليس لهم مدينة يأوون إليها إلّا وادي درعة، وبين سجلماسة ووادي درعة مسيرة خمسة أيّام.

وملك بنو مدرار سجلماسة مائة سنة وستّين سنة، وكان فيها أبو القاسم سمجو بن واسول المكناسي أبو أليسع المذكور، وجدّ مدرار لقي بإفريقية عكرمة مولى ابن عبّاس وسمع منه، وكان صاحب ماشية وكان كثيرا ما ينتجع موضع سجلماسة، فاجتمع إليه قوم من الصفرية. فلمّا بلغوا أربعين رجلا قدّموا على أنفسهم عيسى بن مزيد الأسود وولّوه أمرهم، فشرعوا في بنيان سجلماسة، وذلك سنة أربع ومائة.

وذكر آخرون أنّ مدرارا كان حدّادا من ربضية الأندلس، فخرج عند وقعة الربض فنزل منزلا بقرب سجلماسة، وموضع سجلماسة إذ ذاك براح يجتمع فيه البربر وقتا ما من السنة يتسوّقون لقرب. وكان مدرار يحضر سوقهم بما يعدّ لها من آلات الحديد، ثمّ ابتنى بها خيمة وسكنها وسكن البربر حوله، فكان ذلك أصل عمارتها، ثمّ تمدّنت. والأوّل أصحّ في عمارتها. وأمّا مدرار فلا شكّ فيه أنّه كان حدّادا لأن ولده القائمين بأمر سجلماسة قد هجوا بذلك.

فأوّل من وليها عيسى بن مزيد، ثمّ أنكر أصحابه الصفرية عليه أشياء.

فقال أبو الخطّاب يوما لأصحابه في مجلس عيسى: السودان كلّهم سرّاق حتّى هذا، وأشار إلى عيسى. فأخذوه وشدّوه وثاقا إلى شجرة في رأس جبل وتركوه كذلك حتّى قتله البعوض، فسمّي ذلك الجبل جبل عيسى إلى اليوم. ووليهم خمسة عشر عاما.

ثمّ ولّوا أبا القاسم سمجو بن مزلان بن نزول المكناسي، فلم يزل واليا عليهم إلى أن مات فجأة في آخر سجدة من صلاة العشاء سنة ثمان وستّين، فكانت ولايته ثلاث عشرة سنة.

ووليها ابنه أبو الوزير ألياس بن أبي القاسم إلى أن قام عليه أخوه أبو المنتصر أليسع فخلعه سنة أربع وسبعين ومائة. فولي أبو المنتصر، وكان جبّارا عنيدا فظّا غليظا، فظفر بمن عانده من البربر وذلّلهم وأخذ خمس معادن درعة وأظهر الصفرية، وبنى سور سجلماسة على ما تقدّم، وتوفّي سنة ثمان ومائتين. وولي ابنه مدرار المنتصر بن أليسع- ومدرار لقب- فلم يزل واليا إلى أن اختلف الأمر بين ولديه ميمون المعروف بابن أروى بنت عبد الرحمان بن رستم وابنه ميمون أيضا المعروف بابن ثقية. فتنازعا الأمر بينهما وتقاتلا

ثلاثة أعوام، ومال مدرار مع ابنه ميمون بن الرستمية فأخرج ميمون بن ثقية من سجلماسة. (وولّى ابن الرستمية وخلع أباه، ثمّ قام عليه أهل سجلماسة فخلعوه وأرادوا تقديم ميمون بن ثقية). فأبى أن يتآمر على أبيه فأعادوا أباه مدرارا. ثمّ أنس أهل سجلماسة أنّه استدعى ابنه ابن الرستمية فيمن أطاعه من درعة ليوليه، فحاصروا مدرارا وخلعوه وقدّموا ابنه ابن ثقية وهو المعروف بالأمير، (فلم يزل عليهم واليا إلى أن مات سنة ثلاث وستّين ومائتين، وفي إمرته مات مدرار أبوه مخلوعا.

ووليها محمّد بن ميمون الأمير) إلى أن توفّي في صفر سنة سبعين. فوليها أليسع بن المنتصر بن أبي القاسم إلى أن فرّ عنها لمّا تغلّب عليها أبو عبد الله الشيعي في ذي الحجّة، وذلك سنة سبع وتسعين ومائتين. وولّى عليها الشيعي إبراهيم بن غالب المزاتي، فقتله أهل سجلماسة ومن كان معه من رجال الشيعي بعد خمسين يوما. ووليها واسول وهو الفتح بن الأمير ميمون، وذلك في ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين. وتوفّي في رجب سنة ثلاثمائة. فوليها أخوه أحمد إلى أن حاصره فيها مصالة بن حبوس وافتتحها عنوة فقتله، وذلك في المحرّم سنة تسع وثلاثمائة. وولّى مصالة أمرها المعتزّ بن محمّد بن سارو بن مدرار إلى أن توفّي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.

ووليها بعده ابنه محمّد بن المعتزّ إلى أن توفّي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.

ووليها ابنه أبو المنتصر سمجو بن محمّد وهو ابن ثلاث عشرة سنة، تدبّر أمره جدّته فمكث كذلك شهرين، وقام عليه ابن عمّه محمّد بن الفتح بن الأمير فحاربه وتغلّب عليه وأخرجه وتملّك سجلماسة.

وكان محمّد بن الفتح سنّيّا على مذهب المالكية يحسن السيرة ويظهر العدل، إلّا أنّه تسمّى بأمير المؤمنين سنة اثنتين وأربعين وتلقّب بالشاكر لله وضربت بذلك الدراهم والدنانير، فمكث كذلك إلى أن قربت منه عساكر أبي تميم معدّ مع قائده جوهر الكاتب، فخرج عن سجلماسة بأهله وماله وولده وخاصّته وصار بتاسجدالت حصن منيع على اثني عشر ميلا من سجلماسة. ودخل جوهر سجلماسة وملكها، وذلك سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. وخرج محمّد من الحصن في نفر يسير من أصحابه إلى سجلماسة ليتعرّف الأخبار مستترا، فعرفه قوم من مطغرة في بعض الطريق فأخذوه فأتوا به إلى جوهر في رجب من ذلك العام.

ويزرع بأرض سجلماسة عاما ويحصد من تلك الزريعة ثلاثة أعوام لأنّه بلد مفرط الحرّ شديد القيظ، فإذا يبس زرعهم تناثر عند الحصاد، وأرضهم متشقّقة فيرفع ما تناثر منه في تلك الشقوق، فإذا كان في العام الثاني حرث بلا بذر وكذلك في الثالث. وقمحهم رقيق صيني، يسع المدّ منه مدّ النبي ﷺ خمسة وسبعين ألف حبّة، ومديهم اثنا عشر قنفلا، والقنقل ثماني زلافات، والزلافة ثمانية أمداد بمدّ النبي ﵇.

ومن الغرائب عندهم أنّ الذهب جزاف عدد بلا وزن والكراث يتبايعونه وزنا لا عددا.

ومن سجلماسة إلى مدينة القيروان ستّ وأربعون مرحلة، وقال محمّد بن يوسف ثلاث وخمسون مرحلة. فمن سجلماسة إلى قرار الأمير لبني مدرار، إلى حصن ابن مدرار، إلى جبل أكسرايغ

، إلى مدينة أمسكور

لمطماطة وهم على مداراة لصاحب سجلماسة، (وقد تقدّم ذكرها، وبينها وبين سجلماسة)

خمس مراحل، ومنها إلى مدينة جراوة ستّ مراحل في عامر وغامر، منها موضع يعرف بالصدور

منه يخرج الطريق إلى مدينة مليلة، وهو موضع معروف قريب من العمارة على ماء طيّب، ثمّ من جراوة إلى القيروان كما تقدّم.

فأمّا الطريق من سجلماسة إلى مدينة مليلة فمن سجلماسة إلى الصدور كما ذكرنا، ثمّ إلى أجرسيف قرية عامرة على نهر ملوية. إلى جراوة

موضع كثيرا ما ينزله البربر بالأخصاص، ويروى (فيه حدثان وأنّ بني أميّة)

سيعمّرونه، إلى قلوع جارة وهي مدينة عامرة في جبل على ماء ملح (وقد تقدّم ذكرها)

، إلى مدينة مليلة. فذلك خمس عشرة مرحلة، وقد تقدّم ذكر مليلة

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.