من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة أودغست
وهي مدينة كبيرة آهلة رملية يطلّ عليها جبل كبير موات لا ينبت شيئا، بها جامع ومساجد كثيرة آهلة في جميعها المعلّمون للقرآن، وحولها بساتين النخل، ويزدرعون فيها القمح بالفوس ويسقى بالدلاء يأكله ملوكهم وأهل اليسار منهم، وسائر أهلها يأكلون الذرّة، والمقاثي تجود عندهم. وبها شجيرات تين يسيرة ودوال يسيرة أيضا، وبها جنان حناء لها غلّة كبيرة، وبها آبار عذبة والغنم والبقر أكثر شيء عندهم، يشترى بالمثقال الواحد عشرة
أكبش وأكثر. وعسلها أيضا كثير يأتيها من بلاد السودان. وهم أرباب نعم جزيلة وأموال جليلة، وسوقها عامرة الدهر كلّه لا يسمع الرجل فيها كلام حليسه لكثرة جمعه وضوضاء أهله. وتبايعهم بالتبر وليس عندهم فضّة.
وبها مبان حسنة ومنازل رفيعة، وهو بلد وبيء ألوان أهله مصفرة وأمراضهم الحميات والطحال لا يكاد يخلو من إحدى العلّتين أحد منهم.
ويجلب إليها القمح والثمر والزبيب من بلاد الإسلام على بعد. وسعر القمح عندهم في أكثر الأوقات القنطار بستّة مثاقيل وكذلك الثمر والزبيب. وسكّانها أهل إفريقية وبرقجانة ونفوسة ولواتة وزناتة ونفزاوة، هؤلاء أكثرهم، وبها نبذ من سائر الأمصار. وبها سودانيات طبّاخات محسنات تباع الواحدة منهنّ بمائة مثقال وأكثر، تحسن عمل الأطعمة الطيّبة من الجوزينقات والقطائف وأصناف الحلوات وغير ذلك. وبها جوار حسان الوجوه بيض الألوان منثنيات القدود لا تنكسر لهنّ نهود، لطاف الخصور ضخام الأرداف واسعات الأكتاف ضيّقات الفروج المستمتع بإحداهنّ كأنّه يتمتّع ببكر أبدا.
قال محمّد بن يوسف: أخبرني أبو بكر أحمد بن خلوف الفاسي شيخ من أهل الحجّ والخير قال: أخبرني أبو رستم النفوسي وكان من تجّار أودغست أنّه رأى منهنّ امرأة راقدة على جنبها، وكذلك يفعلن في أكثر حالهنّ إشفاقا من الجلوس على أردافهنّ، ورأى ولدها طفلا يلاعبها ويدخل من تحت خصرها
وينفذ من الجهة الأخرى من غير أن تتجافى له شيئا لعظم ردفها ولطف خصرها. والحيوان الّذي يعمل منه الدرق حوالي أودغست كثير جدّا.
ويتجهّز إلى أودغست بالنحاس المصنوع وبثياب مصبّغة بالحمرة والزرقة مجنّحة، ويجلب منها العنبر المخلوق الجيّد لقرب البحر المحيط منهم. والذهب الإبريز الخالص خيوطا مفتولة، وذهب أودغست أجود ذهب الأرض وأصحّه.
وكان صاحب أودغست في عشر الخمسين وثلاث مائة تين يروتان بن ويسنو بن نزار رجل من صنهاجة، وكان قد دان له أزيد من عشرين ملكا من ملوك السودان كلّهم يؤدّون إليه الجزية، وكان عمله مسيرة شهرين في مثلها في عمارة يعتد في مائة ألف نجيب، (واستمدّه معدّ بن ملك ماسين على) ملك أوغام فأمدّه بخمسين ألف نجيب، فدخلت بلاد أوغام (وعساكره غافلة)، فغنمت البلد وأحرقته. فلمّا نظر أوغام إلى ما حلّ ببلده هان عليه الموت (فرمى بدرقته) وثنى رجله عن دابّته وجلس عليها، فقتلته أصحاب تين يروتان. فلمّا عاينت نساء أوغام إليه قتيلا تردين في الآبار وقتلن أنفسهنّ بضروب القتل أسفا عليه وأنفة من أن يملكهنّ البيضان.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع