من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)
نابغة بني جعدة الطويل
خليليّ عُوجا ساعَةً، وَتَهَجَّراولُوما على ما أَحْدثَ الدهرُ، أَوْ ذَرَا
ولا تَجْزَعا إنّ الحياةَ دَميمةٌ،فَخِفّا لِرَوْعاتِ الحوادثِ، أو قرا
وإنْ جاءَ أَمْرٌ لا تُطيقان دَفْعَهُ،فَلاَ تَجْزَعا ممّا قضىَ اللَّهُ، وَاصْبِرا
أَلمْ تَرَيا أَنّ المَلامَةَ نَفْعُهاقَليلٌ، إذا ما الشيْءُ وَلّى وَأَدْبَرا
تَهيجُ البُكَاءَ والنّدَامَةَ ثُمّ لاتُغيّر شَيئاً، غَيْرَ ما كان قُدّرا
أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، إذ جاءَ بِالهُدى،وَيَتْلو كِتاباً كالمجرّةِ نيِّرا
خَليليّ قد لاقَيْتُ ما لمْ تُلاقِيِا،وَسيّرتُ في الأحياءِ ما لم تُسيِّرا
تذكرْتُ، والذكرى تَهيجُ لذي الهَوَى،ومن حاجةِ المَحْزونِ أن يتذكّرا
نَدامايَ عِنْدَ المُنْذِرِ بْن مُحرِّقٍ،أرى اليَوْمَ مِنْهُم ظاهر الأرض مقفرا
كُهُولاً وشُبّاناً، كأَنّ وجوهَهُمدَنَانيرُ ممّا شِيفَ في أرضِ قَيْصَرَا
وما زِلْتُ أَسْعى بَيْنَ بابٍ ودارِهِ،بِنَجْرَانَ، حتى خِفْتُ أن أَتَنَصّرا
لدى مَلِكٍ مِنْ آل جَفْنَةَ، خَالُهوَجَدّاهُ منْ آل امرِيء القيسِ أزهرَا
يُدِيرُ عَلَيْنَا كأسَهُ وشِواءَهُمَناصِفُهُ والحَضْرَميَّ المُحَبَّر
رحيقاً عِراقيّاً، وَرَيطاً شآمياً،ومُعتصَراً من مِسكِ دارِينَ أذْفَرا
وتيهٍ عَلَيْها نَسْجُ ريحٍ مَريضَةٍقطعْتُ بِحَرْجوجٍ مسانَدَةِ القَرا
خَنُوفٍ مَرُوحٍ تُعجِلُ الوُرْقَ، بَعْدَماتُعَرِّسُ تشكُو آهَةً وَتَذَمُّرا
وتُعْبِرُ يَعْفُورَ الصّرِيمِ كِناسَهوتُخرِجُهُ طوراً، وإن كان مَظهَرَا
كَمُرْقِدَةٍ فَردٍ مِنَ الوحشِ حُرّةٍأَنَامَتْ بِذي الذئبين بالصّيفِ جُوذُرا
فَأَمْسَى عَلَيْهِ أَطْلَسَ اللْوِنِ شَاحِياً،شَحيحاً تُسمّيهِ النّباطيَّ، نَهسرَا
طَويلُ القَرَا، عاري الأشاجع، مارِدٌ،كشَقّ العصا فُوه، إذا ما تضَوّرا
فَبَاتَ يُذكّيهِ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ،أَخُو قَنَصٍ يُمسي وَيُصْبِحُ مُقفِرا
فَلاقَتْ بَياناً عِندَ أَوّل مَرْبَضٍإهاباً، وَمَعبوطاً من الجَوْفِ أَحْمَرَا
وَوَجْهاً كَبُرْقوعِ الفَتاة مُلمَّعاً،وَرَوقَين لَمّا يعدوَا أن تقمّرا
فَلَمّا سَقاها اليأَسَ وَارتَدّ همُّهاإليها، ولمْ يترُكْ لها مُتأخِّرا
أُتيحَ لها فَرْدٌ خَلا بَيْنَ عالجٍوَبَيْنَ حِبالِ الرَّمْلِ في الصَّيْفِ أَشْهُرا
كسا دَفْعُ رِجْلَيْها صَفِيحَةَ وَجْهِهِ،إذا انجرَدَتْ، نَبْتَ الخزامى المُنوَّرا
وَوَلَّتْ بِهِ رُوحٌ خِفافٌ، كأنّهاخَداريفُ تُزجي ساطعَ اللّونِ أَغبرا
كأصداف هِنديَّين صُهبٍ لِحاؤها،يَبيعونَ في دَارِينَ مِسْكاً وعَنْبَرا
فَبَاتَتْ ثَلاثاً بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ،بَكَرّ البكور أنْ يُضاف وَيُجْبَرَا
وباتَتْ كأنْ كَشْحٌ لها طيَّ رِيطةٍ،إلى راجحٍ من ظاهرِ الرمل أَعْفَرا
تلألأُ كالشِّعري العَبورِ، تَوَقّدَتْ،وكانَ عماءً دونَها فَتَحَسّرا
وَعَاديةٍ سَوم الجرادِ شَهِدتُهافكفّلْتُها سِيداً أَزلَّ مُصدَّرا
شَدِيدُ قِلاتِ المَرْفِقَينِ، كَأنّمابه نَفَسٌ، أَوْ قَدْ أَرَادَ لِيزفِرا
ويُعلي وَجيفُ الأرْبَعِ السّود لحمَهُ،كما بنيَ التّابُوتُ أحزَمَ مُجْفَرا
فلمّا أتى لا يُنقِصُ القَوْدُ لَحمَهنَقَصْتُ المَدِيدَ والشّعِيرَ لِيَضْمُرا
وكانَ أَمَامَ القَوْمِ مِنْهُمْ طَليعةٌ،فأربَى يَفاعاً من بعيد، فبشّرا
ونهْنَهْتُه حَتّى لَبست مَفاضَةًمُضاعَفةً كالنَّهي رِيحَ، وأمطرا
وَجمّعْتُ بَزّي فوْقَهُ، وَدَفَعْتُه،ونأنأتُ مِنْهُ خشيَةً أن يُكسَّرا
وَعَرّفْتُهُ في شِدّةِ الجَرْيِ باسمِهِ،وأشْلَيْتُهُ حتى أرَاخَ وَأَبْصَرَا
فَظَلّ يُجاريهم كأنّ هُوِيَّهُهُوِيُّ قَطاميً مِنَ الطيرِ أَمْعَرَا
أَزُجُّ بِذَلْقِ الرّمْحِ لَحْيَيْهِ، سابقاًنَزَائعَ ما ضمّ الخميسُ وضَمّرا
لَهُ عُنُقٌ في كاهِلٍ غيرِ جَانِبٍ،ولَجّ بِلَحْيَيْهِ ونَحّى مُدْبِرا
وبَطنٌ كَظَهْرِ الترْسِ لو شُلَّ أرْبعاًلأصبَحَ صِفْراً بَطْنُهُ ما تَجَرْجَرا
فأُرْسِلَ في دُهمٍ كأنَّ حَنِينَهافَحيحُ الأفاعي أُعْجِلتْ أن تَحَجّرا
لَهَا حَجَلٌ قُرْعُ الرّؤُوسِ، تَحَلَّبَتْعلى هَامِهِ، بالصّيْفِ، حتى تموّرا
إذا هِيَ سِيقَتْ دَافَعَتْ ثَفِناتِهاإلى شَرَرٍ تري مِراراً مُقترا
وَتغمِسُ في الماءِ الذي باتَ آجناً،إذا وَرَدَ الرّاعي نَضِيحاً مُحَبَّرا
حَنَاجِرُ كَالأقْمَاعِ فَحّ حَنينُها،كما نَفَخَ الزَّمّارُ، في الصّبح، زَمخَرا
وَمَهْمَا يَقُلْ فِينَا العدُوّ، فإنّهُميقولون مَعْرُوفاً، وآخرَ مُنكرا
فما وَجَدَتْ مِنْ فِرْقَةٍ عَرَبِيّةٍكَفيلاً، دَنَا مِنّا، أعَزَّ وأَنْصَرَا
وَأَكْثَرَ مِنّا ناكِحاً لِغَريبةٍ،أُصِيبَتْ سِباءً، أو أرادَتْ تخَيُّرا
وَأَسْرَعَ مِنّا إن أَرَدْنَا انْصِرَافَهُ،وَأَكْثَرَ مِنّا دَارِعِينَ وَحُسَّرَا
وَأَجْدَرَ أَنْ لا يَتْرِكوا عَانِياً لَهُم،فَيَغْبُرَ حَوْلاً في الحديد مكفَّرا
وقد آنَسَتْ مِنّا قُضاعةُ كالئاً،فأضْحَوا بِبَصري يَعصُرونَ الصّنوْبرا
وكِندةُ كانت بالعقيقِ مُقِيمةً،ونَهدٌ، فكُلاً قد طَحَرناه مَطحَرا
كِنانةٌ بينَ الصّخْرِ والبَحْرُ دَارُهم،فأحجرَها إذ لم تجِدْ متأخَّرا
ونحنُ ضربنا بالصَّفا آل دارِمٍ،وحسّانَ وابْنَ الجَوْنِ ضَرْباً مُنَكَّرا
ضَرَبْنا بطونَ الخَيْل حتى تَنَاوَلَتْعَمِيدَي بَني شَيْبَان: عمراً ومُنْذِرا
وعلقمةَ الجعفيّ أَدْرَكَ رَكْضُنَابِذي النّخْل، إذ صَامَ النهارُ وَهَجّرا
أَرحنَا مَعَدّاً من شَرَاحيلَ، بَعْدَمارَوِينَ نَجيعاً من دمِ الجَوْفِ أحْمَرَا
وَمِنْ أَسَدٍ أَغْوَى كُهولاً كَثيرةًبنَهَي غُرَاب، يَوْم ما عُوّجَ الذَّرا
وَتُنْكِرُ يَوْمَ الرّوْعِ لَوْ أَنّ خَيْلَنا،مِنَ الطعنِ، حتى تَحْسِبَ الجَون أشقرا
وَنَحْنُ أُناسٌ لاَ نُعَوّدُ خَيْلَنا،إذا ما التقينا، أن تَحيدَ وَتَنفُرا
وما كانَ مَعْرُوفاً لَنَا أَنّ نَرُدّهَاصِحاحاً، ولا مُسْتَنْكَراً أن تُعقَّرا
بَلَغْنَا السّما مَجْداً وَجُوداً وَسُودَداً،وإنّا لَنَرْجو، فَوْقَ ذَلِكَ، مَظهرا
وكلُّ مَعَدّ قَد أَحَلّتْ سُيُوفَنَاجَوَانِبَ بَحْرٍ، ذي غَوَارِبَ، أَخْضَرا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَنْذَرْتُ أَزْداً أُناتَها،لَتَنْظُرَ في أَحْلامها وَتُفَكِّرا
وأعرَضْتُ عَنْها حِقبةً، وَتَرَكْتُها،لأبْلغَ عُذْراً عِنْدَ رَبيّ، فأُعذرا
وما قُلْتُ حتّى نالَ شَتْمٌ عَشيرَتينُفَيْلَ بن عَمْرو والوَحِيدَ وَجَعْفَرا
وَحَيّ أبي بَكْرٍ، وَلاَ حَيَّ مِثْلُهُم،إذا بَلَغَ الأمْرُ العَمَاسَ المُدَمِّرا
وَلاَ خَيْرَ في حِلْم، إذا لَمْ يَكُنْ لَهُبَوَادرُ تَحْمي صَفْوَهُ أن يُكدَّرا
وَلاَ خَيْرَ في جَهْلٍ، إذا لَمْ يَكُنْ لَهُحَلِيمٌ، إذا ما أَوْرَدَ الأمْرَ أصدرا
إذا افْتَخَرَ الأزديُّ يَوْماً، فَقُلْ لَهُتَأَخّرْ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَكَ اللَّهُ مَفْخَرا
فإنْ تَرِدِ العُلْيا، فَلَسْتَ بِأَهْلِها،وإنْ تَبْسُط الكفّيْنِ بالمجدِ تَقْصُرا
إذا أدلجَ الأزديُّ أدلجَ سارِقاً،فأصْبَحَ مخطوماً بلومٍ مُعَزَّرا
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع