من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
دير القُصَير
في ديار مصر في طريق الصعيد بقرب موضع هناك يقال له حلوان، وهو على رأس جبل مشرف على النيل في غاية النزاهة والحسن، وفيه صورة مريم وفي حجرها المسيح في غاية إتقان الصنعة، وكان خمارويه بن أحمد بن طولون يكثر غشيانه وتعجبه تلك الصورة ويشرب عليها، وبنى لنفسه في أعلاه قبة ذات أربع طاقات هي مشهورة به، وأهل مصر ينتابونه ويتنزهون فيه لقربه من الفسطاط، وقد ذكره الخالدي في أديرة العراق فغلط لكون كشاجم
ذكره ونسبه إلى حلوان فظنّ أنه ليس في الدنيا موضع يقال له حلوان إلا التي في العراق، وفيما بلغني ثلاث وقد ذكرناها في موضعها، ومما يحقق كونه بمصر بعد أن ذكره الشابشتي في ديرة مصر قول كشاجم:
سلام على دير القصير وسفحهفجنات حلوان إلى النّخلات
منازل كانت لي بهنّ مآرب،وكنّ مواخيري ومنتزهاتي
إذا جئتها كان الجياد مراكبي،ومنصرفي في السفن منحدرات
ولحمان مما أمسكته كلابناعلينا ومما صيد بالشبكات
وأين الصيد بالشبك والانحدار في السفن من حلوان إلى العراق؟ ولمحمد بن عاصم المصري فيه:
إن دير القصير هاج ادّكاريلهو أيامنا الحسان القصار
وزمانا مضى حميدا سريعا،وشبابا مثل الرداء المعار
ولو ان الديار تشكو اشتياقالشكت جفوتي وبعد مزاري
ولكادت تسير نحوي لما قدكنت فيها سيّرت من أشعاري
وكأني إذ زرته بعد هجرلم يكن من منازلي ودياري
إذ صعودي على الجياد إليه،وانحداري في المعتقات الجواري
بصقور إلى الدماء صواد،وكلاب على الوحوش ضوار
منزلا لست محصيا ما لقلبيولنفسي فيه من الأوطار
منزلا من علوّه كسماء،والمصابيح حوله كالدراري
وكأنّ الرهبان في الشعر الأسود سود الغربان في الأوكار
كم شربنا على التصاوير فيهبصغار محثوثة وكبار
صورة في مصوّر فيه ظلّتفتنة للقلوب والأبصار
أطربتنا بغير شدو فأغنتعن سماع العيدان والمزمار
لا وحسن العينين والشفة اللمياء منها وخدها الجلّنار
لا تخلّفت عن مزاري دهراهي منه ولو نأى بي مزاري
وقال كشاجم فيه أيضا:
ويوم على دير القصير تجاوبتنواقيسه لما تداعت أساقفه
جعلت ضحاه للطّراد وظهرهبمجلس لهو معلنات معازفه
وأغيد معتمّ العذار بجمّةأخالسه أثمارها وأخاطفه
أما تريان الروض كيف بكى الحياعليه فأضحت ضاحكات زخارفه
تسربل موشيّ البرود وأعلمتحواشيه من نوّاره ومطارفه
وناسب محمرّ الخدود بورده،وللصبّ منه منظر هو شاعفه
وقد نثر الوسميّ بالطلّ فوقهلآلئ كالدمع الذي أنا ذارفه
وأعرس فيه بالشقيق نهاره،فأشبع من صبغ العذارى ملاحفه
ولاحظه بالنرجس الغضّ أعينفواتر إيماض الجفون ضعائفه
يغار على الصّفر التي هي شكله،وللحمرة الفضل الذي هو عارفة
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع