تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

الباب الثاني في ذكر الطالع الذي بُنيت فيه ومن بناها

اخبرني الرئيس بهاء الدين أبو محتد الحسن بن إبراهيم ابن الخشاب الحلبي قال: نقلتُ من ظهر كتاب عتيق ما هذه صورته: رأيتُ في القنطرة التي على باب إنطاكية من مدينة حلب في سنة إحدى عشرة وأربعمائة للهجرة كتابةً باليونانيّة فسألتُ عنها فحكى لي أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الحسينيّ الحرّانيّ أيّده الله انّ أبا أسامة الخطيب بحلب حكى له أنّ أباه حدّثه أنّه حضر مع أبي الصقر القبيصيّ ومعهما يقرأ باليونانيّة فنسخوا هذه الكتابة. قال: وأنفذ إلي ّ نسختها في رقعة وهي: " بُنيت هذه المدينة والطالع العقرب والمشتري فيه وعطارد يليه ولله الحمد كثيراً بناها صاحب الموصل ". قال: ثمّ سيَر إليّ أبو محمّد الكتاب الذيّ نقل منه ما ذكره بعينه. قال: فشاهدتُ عليه المكتوب كما ذكره لي من غير زيادة ولا نقصان. قلتُ: وصاحب الموصل والله أعلم هو بلوكوس الّذي تُسمّيه اليونانيون سردنيبلوس.

قال كمال الدين بن العديم: قرأتُ في الكتاب الجامع للتأريخ المتضمن ذكر مبدأ الدول ومنشأ الممالك ومواليد الأنبياء وأوقات بناء المدن وذكر الحوادث المشهورة مماّ عُني بجمعه أبو نصر يحيى بن جرير الطيب التكريتيّ النصراني من عهد آدم إلى دولة بني مروان ونقلتُ ذلك من خطّه. قال: ذُكر أن في دولة الواصلة أنّ بلوكوس الموصليّ ملك خمس وأربعين سنةً وأوّل مُلكه في سنة ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسعة وثمانين لآدم عَم. قال: وفي سنة تسع وعشرين من مُلكه وهي سنة أربعة آلاف وثماني عشرة سنةً لآدم ملكت أطوسا المسمات سَميرَم مع بلوكوس أبيها. وبلوكوس هذا الّذي تسمّيه اليونانيّون سَرْدنيبلوس وهو الّذي بنى حلب.

وقال أبو الريحان أحمد بن محمد البيرونيّ في كتاب القانون المسعوديّ: بُنيت حلب في أيام بلقورس من ملوك نينوى وكان مُلكه لمضي ثلاثة آلاف وتسعمائة واثنين وستين سنةً لآدم عم ومدّة مقامه في الملك ثلاثون سنةً. وبلقورس هذا هو بلوكوس الّذي قدّمنا ذكره غير أنّ هذه الأسماء الأعجمية لا يكاد المسمّون لها يتَّفقون فيها على صورة واحدة لاختلاف ألسنتهم.

وممّا نقلتُه من تأريخه أيضا قال: وفي السنة الحادة والعشرين من ملك سلوقوس اليهود أن يقيموا في المدن الّتي بنى وأطرّهم إلى ذلك وقرّر عليهم الجزية الّتي أزالها شمعون بعد مائة وسبعين سنةً ووجد ذلك في بعض تواريخ القدماء. إنّ في السنة الأولى من تأريخ الإسكندر ملك سولوقوس على سوريا وبابل وهذا الرجل بنى سلوقية وأفامية والرُها وحلب ولاذقية.

ووجدتُ في بعض الكتب أنّ جميع عدد السنين مذ خلق الله ﷿ آدم عم إلى أول سنة من عدد اليونانيّين وتُعرف بسني الإسكندر خمسة آلاف ومائتان وإحدى وعشرون سنةً وهذا يدلّ على أنّ سلوقوس بني حلب مرّةً ثانيةً ولعلّها كانت خربت بعد بناء بلوكوس فجدّد بناءها سولوقوس فإنّ بين المدّتَين ما يزيد على ألف ومائتي سنة.

وسوريا يُطلق على الشام الأولى وهي حلب وأعمالها. وبناحية الأحصّ من بلد حلب مدينة خربة تُسمى سوريا وإليها يُنسَب اللسان والسوريانيّ والقلي السوريانيّ والقلي السوريانيّ وسنبيّن ذلك فيما يأتي إن شاء الله تع.

قال ابن العديم: ونقلتُ من خطّ إدريس بن حس الإدريسيّ ما ذكره أنّه نقله من تأريخ إنطاكية. قال صاحب تأريخ أنطاكية وهو أحد المسيحيّة السريانيّة: الّذي ملك بعد الإسكندر بطلميوس الأرنب وهو الّذي بنى أفامية وحلب واللاذقيّة والرُها. وبطلميوس الأرنب هو سلوقوس. لكن اليونانيّون كانوا يسمّون كلّ من ملك تلك الناحية بطليموس كما تسمّي الفرس كلّ من ملك عليهم كسرى وكما تسمّي الروم كلّ من ملكهم قيصر.

وقد قيل: إنّ حلب بناها حلب بن المهر بن حيص بن عمليق من بني جان بن مكنّف فسُمّيت باسمه.

فصل. وكانت حلب تُعرف بمدينة الأحبار عند الصابئة. وُجد في كتاب بابا الصابئي الحرّانيّ في المقالة الرابعة في ذكر خروج الحبشة وفسادهم في البلاد: وينزل على الفرات وتأمن مدينة الأحبار المسمّاة مابوغ هي حلب.

وقال في المقالة السادسة: وأنتِ ياموغ وهي حلب مدينة الأحبار يأتي رجل سلطان ويحلّ بك ويُعلي أسوارك ويجدّد أسواقك ويحوّز العين الّتي فيك وبعد قليل يُؤخّذ منك. ولَما شرع السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف في بناية الأسوار والأبرجة بمدينة حلب وعمّر اليوقَيْن اللذَيْن أنشأهما شرقيّ الجامع بحلب أحدهما نقل إليه الحريرّيين والآخر نقل إليه النّحاسين قال لي بهاء الدين أبو محمّد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشّاب الحلبيّ وهو من رؤساء حلب وكبرائها وأعيانها: إنّني خائف أن يكون هذا الملك الّذي يحلّ بها ويجدّد أسوارها ويعمّر أسواقها ويُخذ منها. فوقع الأمر كما ذكر في سنة ثمان وخمسين وستمائة.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأوّل أمر البلد وما اشتمل عليه بنيانه ظاهراً وباطناً

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.