من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
الباب السادس في ذكر بناء القلعة الّتي بحلب والقصور القديمة
اعلم أنّ القلعة الّتي قد قيل إنّ أوّل من بناها ميخائيل وقيل سَلُقوس الّذي بنى مدينة حلب وهي على جبل مشرف على المدينة وعليها سور وكان عليها قديماً بابان أحدهما دون الآخر من حديد وفي وسطها بئر قد حُفر يُنزَل فيه بمائة وخمسة وعشرين مرقاةً قد هُندمت تحت الأرض وجُرفت جروفاً وصُيّرت آزاجاً ينفذ بعضها إلى بعض إلى ذلك الماء وكان فيها دير للنصارى وكانت به امرأة قد سُدّت عليها الباب منذ سبع عشرة سنةً. ثمّ ينحدر السور من جانبَيْ هذه القلعة إلى المدينة.
وقيل لمّا ملك كسرى حلب وبنى سورها كما قدّمنا بنى في القلعة مواضع ولمّا فتح أبو عُبَيْدة مدينة حلب كانت قلعتها مرمَّمة الأسوار بسبب زلزلة كانت أصابتها قبل الفتوح فأخرجت أسوارها البلد وقلعتها ولم يكن ترميماً محكماً فنُقض بعض ذلك وبناه وكذلك لبني أميّة ولبني العبّاس فيها آثار. ولمّا استولى نقفور ملك الروم على حلب في إحدى وخمسين وثلاثمائة كما قدّمنا امتنعت القلعة عليه وكان جماعة من العلويّين والهاشميّين قد اعتصموا بها منه فحمتهم ولم يكن لها حينئذ سور عامر لأنّها كانت قد تهدّمت فكانوا يتّقون سهام العدوّ بالأكُفّ والبرذاع. وزحف نقفور عليها فأُلقي على ابن أخته حجر فمات فلمّا رأى نقفور ذلك طلب الصلح فصالحه من كان فيها.
ومن حينئذ اهتّم الملوك بعمارة القلعة وتحصينها فبنى سيف الدولة منها مواضع لمّا بنى سور حلب. ولمّا ولي ابنه سعد الدولة بنى شيئاً آخر وسكنها وذلك لمّا أتمّ ما بناه والده سيف الدولة من الأسوار وكذلك بنى بها بنو مرداس دوراً وجدّدوا سورها. وكذلك من بعدهم من الملوك إلى أن وليها عماد الدين آق سُنْقُر وولده عماد الدين زنكي فحصّناها وأثّرا بها آثاراً حسنةً. وبنى فيها طُغْدَكين برجاً من قبليّها ومخزناً للذخائر عليه اسمه مكتوب وبنى فيها نور الدين بن عماد الدين زنكي أبنيةً كثيرةً وعمل ميداناً وخضّره بالحشيش وسُمّي الميدان الأخضر. وكذلك بنى بها ولده الملك الصالح باشورةً كانت قديمةً فجدّدها وكتب عليها اسمه ولم تزل في زيادة عمارة إلى أن ملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب وأعطاها لأخيه الملك العادل سيف الدين أبي بكر فبنى بها برجاً وداراً لولده فلك الدين وتُعرَف الآن به.
ولمّا ملك الملك الظاهر غياث الدين غازي حصّنها وحسّنها وبنى بها مصنعاً كبيراً للماء والمخازن للغلاّت وهدم الباشورة الّتي كانت بها وسفّح وتلّ القلعة وبناه بالحجر الهرقليّ وأعلا بابها إلى مكانه الآن وكان الباب أوّلاً قريباً من أرض البلد متّصلاً بالباشورة فوقع في سنة ستّمائة وقُتل تحته خلق كثير ومن جملة من مات تحته الأستاذ ثابت بن شقويق الّذي بنى الحائط القبليّ بجامع حلب الّذي في المحراب الأصغر. وعمل الملك الظاهر لهذا الباب جسراً ممتدّاً منه إلى البلد وبنى على الباب برجَيْن لم يُبْنَ مثلهما قطّ وعمل للقلعة خمس دركاوات بآزاج معقودة وحنايا منضودة وجعل لها ثلاثة أبواب حديد ولكلّ باب منها إسباسلاّر ونقيب وبنى فيها أماكن يجلس بها الجند وأرباب الدولة وكان معلّقاً بها آلات الحرب وفتح في سور القلعة باباً يُسمّى باب الجبل شرقيّ باب القلعة وعمل له دركاه ولا يفتَح إلاّ له إذا نزل دار العدل. وهذا الأب وما قبله انتهت العمارة فيهما في إحدى عشرة وستّمائة.
وفي سنة عشرة وستّمائة في الرابع والعشرين من رمضان مُهّدت أرض الخندق الملاصق للقلعة فوُجد فيها تسع عشرة لبنةً ذهباً إبريزاً كان وزنها سبعة وتسعين رطلاً بالحلبيّ والرطل سبعمائة وعشرون درهماً وبنى فيها ساتورةً للماء محكمةً بدَرج إلى العين يمير بها سائر منازلها وبنى ممشى من شماليّ القلعة إلى باب أربعين وهو طريق بآزاج معقودة لا تُسلَك إلا في الضرورة وكأنّه باب سرّ وزاد في حفر خندق القلعة وأجرى فيه الماء الكثير وأحرق في شفير الخندق ممّا يلي البلد مغائر أعدّها لسكنى الأسارى يكون في كلّ مغارة مقدار خمسين بيتاً وأكثر وبنى فيها داراً تُعرَف بدار العزّ وكان في موضعها دار للملك العادل نور الدين محمود بن زنكي تُسمّى دار الذهب ودار تُعرَف بدار العواميد ودار الملك رضوان فحازت كلّ معنى غريب وفنّ عجيب. وفيها يقول الرشيد عبد الرحمان بن النابلسيّ من قصيدة مدحه بها في سنة تسع وثمانين وخمسمائة وأنشده إيّاها. فيها:
دارٌ حَكَتْ دارِينَ في طِيبٍ وَلاعِطْرٌ بِساحَتِها وَلا عَطَّارُ
رُفِعَتْ سَماءُ عِمادِها فَكَأَنَّهاقُطْبٌ عَلى فَلَكِ السُعُودِ تُدارُ
وَزَهَتْ رِياضُ نُقُشِها وبَنَفْسَجٌغَضٌّ وَوَرْدٌ يانِعٌ وَبَهارُ
نُورٌ مِنَ الأصْباغِ مُبْتَهِجٌ وَلانُورٌ وَأزْهارٌ وَلا إزْهارُ
ما أيْنَعَتْ مِنْها الصُخُورُ وَأَوْرَقَتْإلاّ وَفيها مِنْ نَداكَ بِحارُ
وَضَحَتْ مَحاسِنُها فَفي غَسَقِ الدُجىيُلفى لِصُبْحِ جَبِينِها إِسْفارُ
منها:
فَتَقَرُّ عَيْنُ الشَمْسِ أَنْ يَضْحَى لَهابِفِنائِها مُسْتَوْطَنٌ وَقَرارُ
تَرِبَتْ يَدٌ رَفَّت بِها خَيْلاً لَهافي غَيْرِ مُعْتَرَكِ الوَغَى إِحْضارُ
وَفَوارِساً شَبَّت لَظَى حَرْبٍ وَمادُعِيَتْ نَزالِ وَلَمْ يُشَنَّ مَغارُ
منها:
صُوَرٌ تَرَى لَيْثَ العَرِينِ تِجاهَهُمِنْها وَلا يَخْشَى سَطاهُ صُوارُ
سِلْمٌ إِلى الحَرْبِ القَدِيمِ فآنِسٌبِعَدُوّهِ مَنْ طالَ مِنْهُ نِفارُ
وَمُوَسِّدِينَ عَلى أَسِرَّةِ مُلْكِهِمْسُكْراً وَلا خَمْرٌ وَلا خَمّارُ
لا يَأتَلي شَدْوُ القِيانِ رَواجِعاًفِيهِ وَلا نَغْمٌ وَلا أَوْتارُ
هَذا يُعانِقُ عُودَهُ طَرَبَاً وَذادَأْباً يَقَبِّلُ ثَغْرَهُ المِزْمارُ
وهي طويلة جداً فإنّه خرج من هذا إلى ذكر البركة والفوّارة والرخام ثمّ إلى مدح الملك الظاهر فاقتصرتُ منها على ما يُعلَم منه حسن هذه الدار.
وبنى حولها بيوتاً وحجراً وحمّامات وبستاناً كبيراً في صدر إيوانها فيه أنواع الأزهار وأصناف الأشجار وبنى على بابها أزجاً يُسْلَك فيه إلى الدركاوات الّتي قدّمنا ذكرها وبنى على بابها أماكن لكتّاب الدرج وكتّاب الجيش.
ولمّا تزوّج في سنة تسع وستّمائة بضَيْفه خاتون ابنة عمّه الملك العادل الّتي حكمت في حلب بعد وفاته وأسكنها بها وقعت نار عقيب العرس فاحترقت وجميع ما كان فيها من الفرش والمصاغ والآلات والأواني واحترقت معها الزردخاناه وكان الحريق في حادي عشر جمادى الأولى من سنة تسع. قمّ جدّد عمارتها وسمّاها دار الشخوص لكثرة ما كان منها في زخرفتها سعتها أربعون ذراعاً في مثلها.
وفي أيام الملك العزيز محمّد بن الملك الظاهر الغازي وقعت من القلعة عشرة أبراج من أبدانها وذلك في سنة اثنتين وعشرين وستّمائة ووافق ذلك زمان البرد وكان تقدير ما وقع خمسمائة ذراع وهو المكان المجاور لدار العدل ووقع بعض الجسر الّذي بناه الملك الظاهر. فاهتمّ الأتابك شهاب الدين طُغْريل بعمارتها فجمع الصنّاع واستشارهم فأشارهم أن يبني من أسفل الخندق على الجبل ويُصعَد بالبناء فإنّها متى لم تُبنَ على ما وصفنا وقع ما يُبنى عاجلاً وطرأ فيها ما طرأ الآن وإن قصدها عدوّ لم يمنعه فرأى الأتابك أنّ ذلك يحتاج إلى مال كثير ومدّة طويلة فعدل عن هذا الرأي وقطع أشجار الزيتون والتوت وترك الأساس والتراب وبنى. ولهذا لمّا نزلتها التتر لم يتمكّنوا من أخذها إلاّ من هذا المكان لتمكّن النقّابين منه.
وفي سنة ثمان وعشرين بنى فيها الملك العزيز داراً إلى جانب الزردخاناه يستغرق وصفها الإطناب ويقصر عنه الإسهاب مساحتها ثلاثون ذراعاً في مثلها. ولما تسلم التتر القلعة في تاسع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وستمائة عمدوا إلى خراب سورها وأحرقوا ما كان بها من الذخائر وازردخاناه والمجانيق ولمّا هزم الملك المظفر التتر على عين جالوت وهرب من كان منهم في حلب ثمّ عادوا إليها مرةً ثانية بعد مقتل الملك المظفر فرأوا في القلعة برجاً قد بُني للحمام بأمر الملك المظفّر قُطُز فأنكروا عليهم " بناءه " وأخربوا القلعة خراباً شنيعاً وما فيها من الدور والخزائن ولم يبقوا فيها مكاناً للسكنى وذلك في المحرّم سنة تسع وخمسين وبقي الآن سور " القلعة " القديمة يقال فيه قفل خربة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع