تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

الباب الثامن في ذكر مسجدها الجامع وما بظاهرها من الجوامع

كان موضع الجامع بستاناً للكنيسة العظمى في أيام الروم وكانت هذه الكنيسة تُنسَب إلى قسطنطين باني القسطنطينية وسنذكر أمرها في ما يأتي عند ذكرنا للمدارس ولما فتح المسلمون حلب صالوا أهلها على موضع المسجد الجامع.

وأخبرني بهاء الدين أبو محمّد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشّاب الحلبيّ قال: أخبرني الشريف أبو جعفر الهاشميّ بسند يرفعه إلى أجداده من بني صالح أنّ الجهة الشمالية من الجامع كانت مقبرةً للكنيسة المذكورة.

وأخبر بهاء الدين أيضاً فيما حكاه عنه كمال الدين بن العديم في كتابه قال: قال الفضل بن الإكليلي الحلبي المنجّم إنّ المصنع الّذي في وسط المسجد الجامع لمّل بُني وجدوا في حفيره صورة أسد من الحجر وقد وُضع مستقبلاً بوجهه القبلة.

وقال كمال الدين: سمعتُ عن القاضي شمس الدين أبي عبد الله محمّد بن يوسف ابن الخضر قال: كان جامع حلب يضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفسيفساء.

وبلغني أن سليمان بن عبد الملك هو الذي بناه وتأنّق في بنائه ليضاهي به ما عمله أخوه الوليد في جامع دمشق. وقيل إنّه من بناء الوليد وإنه نفل إليه آلة كنيسة قورص وكانت هذه الكنيسة من عجائب الدنيا. ويقال إن ملك الروم بذل في ثلاثة أعمدة كانت فيها سبعين ألف دينار فلم يسمح الوليد لهم بها.

ويقال إن بني العبّاس نقلوا ما كان فيه من الرخام والآلات إلى جامع الأنبار لمّا نقضوا آثار بني أميّة من بلاد الشام وعفّوها ولم يزل على هذه الصفة إلى أن دخل نقفور حلب في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة فأحرقه. ولمّا عاد سيف الدولة إلى حلب رمّ بعض ما تهدّم من الجامع ولمّا مات سيف الدولة وتولى ولده أبو المعالي سعد الدولة شريف بنى فيه. وبنى فيه قرغويه مولى سيف الدولة قبّة الفوّارة في وسطه وطول عمودها سبعة أشبار. وفي هذه القبة جرن رخام أبيض في غاية الكبر والحسن يقال إنه كان مذبحاً لبعض الكنائس التي كانت بحلب وفي دور حافة الجرن مكتوب: " هذا ما أمر به قَرغوية غلام سيف الدولة بن حمدان في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ". وبنى فيه الجهة الشرقيّة القضاة بنوا عمّار الذين كانوا أصحاب أطرابلس الشام.

فلمّا كانت ليلة الأربعاء السابع والعشرين من شوّال سنة أربع وستّين وخمسمائة في أيام الملك العادل نور الدين محمد بت زنكي أحرقته الإسماعيلية وأحرقت الأسواق فبناه نور الدين واجتهد في عمارته فقطع له العمد الصفر من بُعادين ونقل إليه عمداً من قنّسرين لأنّ العمد الّتي كانت فيه تفطّرت من النار. وكان النصف القبليّ من الشرقيّة الّتي في قبليّ الجامع الآن الملاصقة لسوق البرّ عن يمين الداخل من الباب القبليّ سوقاً موقوفاً على الجامع ولم يكن المسجد على التربيع. فأحب نور الدين محمود أن يضيف ذلك إلى الجامع فاستفتى في ذلك الفقيه علاء الدين أبا الفتح عبد الرحمان بن محمود الغَزْنَويّ فأتاه بجوازه فنقض السوق وأضافه إلى الجامع واتّسع المسجد وحسن في مرآة العين وشاهدتُ الفتوى بخطّ الغزنويّ. ووقف عليه وقوفاً كثيرةً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأوّل أمر البلد وما اشتمل عليه بنيانه ظاهراً وباطناً

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.