تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ذكر الصهريج الّذي في الصحن

حكى كمال الدين ابن العديم في تأريخه أنّ والده وعّمه أبا غانم قالا: كان بعض السلف من أهل حلب وأعيانها قال والدي من الأجداد وقال عّمي من الأقارب متولّياً أوقاف المسجد الجامع بحلب فجاءه إنسان لا يعرفه فطرق عليه الباب ليلاً ودفع إليه ألف دينار وقال: اصرف هذا في وجه بر ومعروف. فأخذها وأفكر في وجه برّ يصرف ذلك المال فيه فوقع له أن يصرفه في عمارة مصنع لخزن الماء من القناة فإن منابيع حلب ماؤها مالح وقد كان العدوّ يطرق مدينة حلب كثيراً فإن قطع منها ماء قناة حَيلان تضرر أهلها تضرراً عظيماً فرأى أن يعمل مصنعاً في صحن الجامع مدفوناً تحت أرضه وأن يوسعه بحيث أن يكون فيه ماء كثير فشرع في ذلك وحفر حفرةً عظيمةً واشترى الحجارة والكلس وعقد المصنع. وفرغ الذهب الّذي حمل إليه ولم يتمّ المصنع فضاق صدره وتقسّم فكرة الطريق الّذي يتوصل به إلى إتمام المصنع. فطرق عليه طارق في الليل فخرج إليه فوجد ذلك الإنسان بعينه فدفع إليه ألف دينار أخرى وقال: أتمم عملك بهذه. فأخذها وتمّم بها عمل ذلك المصنع فجاء في غاية السعة والركانة فيقال إنّه منذ عمل لم يُعرَف أنّه فرغ ماءه ويستعمل منه السقّاءون والناس.

قال: فجعل أهل حلب يطعنون على المولّي للوقف ويقولون: ضيع أموال الجامع. ويسعون فيه إلى صاحب حلب ويقولون: إنه أضاع مال الوقف وأنفق منه في عمارة مصنع جملةً وافرةً. فطالبه بحساب وقف الجامع فرفعه إليه فتأمل فلم يجد ذكر درهم واحداً مماّ غرم المصنع. فقال له صاحب حلب: الغرامة التي غرمتَ على هذا المصنع ما أرى لها ذكراً. فقال: والله ما غرمتُ من مال الجامع عليه شيئاً أصلاً وإنّما هذا ممّن قصد وجه الله تع بما فعل. وقصّ عليه القصَّة. وذكر غير والد الصاحب كمال الدين وغير عمّه أنّ صاحب الواقعة هو ابن الأيسر وأنّه كان يتولّى أوقاف المسجد الجامع يومئذ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأوّل أمر البلد وما اشتمل عليه بنيانه ظاهراً وباطناً

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.