من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر المنارة
أخبرني بهاء الدين أبو محمّد الحسن بن أبي الظاهر إبراهيم بن أبي البركات سعيد بن يحيى بن محمّد بن أحمد بن الحسن بن عيسى بن الخشّاب أنّ عنّ أبيه القاضي الإمام فخر الدين أبا الحسن محمّد بن يحيى أتمّ عمارة منارة المسجد الجامع بحلب في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
وحكى كمال الدين بن العديم في تأريخه قال: أنبأنا شيخنا العلاّمة أبو اليُمْن زيد بن الحسن الكنديّ عن أبي عبد الله محمّد بن عليّ العظيميّ قال في حوادث سنة اثنين وثمانين وأربعمائة: فيها أسّست منارة جامع حلب وعُمرت على يد القاضي أبي الحسن محمّد بن يحيى بن مجمّد بت الخشاب. وكان بحلب معبد للنار قديم العمارة وقد تحوّل إلى أن صار أتّون حمّام فاضطُرّ القاضي إلى أخذ حجارته لعمارة هذه المنارة. فوشى بعض حساد القاضي خبره إلى الأمير قسيم الدولة فاستحضره وقال: هدمت موضعاً وهولي وملكي. فقال: أيّها الأمير هذا معبد للنار وقد صار أتّوناً وقد أخذتُ حجارته عمّرتُ بها معاً للإسلام يذكَرُ الله عليها وحده لا شريك له وكتبتُ اسمك عليه وجعلتُ الثواب لك. فإن رسمتَ لي أن أغرم ثمنه لك " فعلتُ " ويكون الثواب لي. فأعجب الأمير كلامه واستصوب رأيه وقال: بل الثواب لي وافعل أنتَ ما تريد. وكتب ابن العديم في الحاشية أنّ الواشي أبو نصر بن النحّاس ناظر حلب.
وقرأت في تاريخ منتجب الدين يحيى بن أبي طيّ النجّار الحلبي قال: أُسست المنارة في زمان سابق بن محمود بن صالح على يد القاضي أبي الحسن ابن الخشّاب وكان الّذي عمّرها رجل من سَرْمين. وبلغ بأساسها الماء وعقد حجارتها بالكلاليب الحديد والرصاص وأتمها في أيّام قسيم الدولة آق سُنْقُر. وطول هذه المنارة إلى الدرابزين بذراع اليد سبعة وتسعون ذراعاً وعدد مراقيها مائه وستون درجةً.
وأخبرني زيت الدين عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحيم بن العجميّ الحليّ أنّ والده حكى له أنّه لمّا جاءت الزلزلة بمدينة حلب وهدمت أكثر دورها وأهلكت جماعةً من أهلها وكانت ليلة الاثنين ثامن عشر شوال سنة خمس وستين وخمسمائة حركت المنارة فدفعت هلالاً كان على رأسها مقدار ستمائة قدم وتشقّقت.
وهذا القاضي أبو الحسن كان جده القاضي عيسى الناقل إلى حلب من حصن الأكراد في أيّام سيف الدولة عليّ بن حمدان ولم يزل لأسلافه مكان عند الملوك المشارة إليهم في الدول ولم يتعلّق أحد منهم بولاية لأحد من ملوك حلب وكانت نفوسهم تأبى ذلك لشرفها وعزّتها. وهو الذي أنشأ مسجد جرن الأصفر وحمل إليه الجرن من مكان بعيد وبنى التربة الملاصقة لدور أهل بيته وهي من البناء العجيب لأنّها من الدور الهرقليّة وذلك في سنة ثمان وخمسمائة. ووقف عليها حقل الحمّام البيلونة وهذا موقف يصرف فيما رُتّب لها ومهما بقي يُصرَف في الفقراء من بيت بني الخشّاب. وكانت الفرنج تكثر قصد حلب فكان إبن الخشّاب أبو الحسن هذا يواسي ضعفاء المحاصرين بها ويقوم بهم من ماله وقُتل قريباً من داره ليلاً سنة تسع عشرة وقام بالرئاسة بعده ولده أبو الحسن يحيى فسدّ مكانه وشيّد أركانه.
ومن أخبار لما توجه الأتابك عماد الدين زنكي لحصار قلعة شَهَرزُور ترك بحلب رئيسها صفي الدين عليّ البالسيّ وأمره أن يأخذ من أهلها ما لاً يصرفه في رجال تقاتل معه فاجتمعوا وقصدوا القاضي أبا الحسن وشكوا إليه ما نزل بهم واستغاثوا به فركب إلى الجامع في يوم الجمعة واحضر الرئيس وأنكر عليه فقال: أنا أعطي نصف ما ُطلب منهم وأَنت وسائر كبراء حلب النصف الباقي. فكتب صفيّ الدين إلى عماد الدين يُرفه بمنع القاضي له من استخلاص ما أمره به فأسرّها في نفسه ولم يُبْديها له فيما بعد. فلمّا قدم حلب ثّم أراد الخروج منها إلى الموصل أستصحب معه القاضي أبا الحسن بن الخشّاب ولما وصل إلى الموصل أنزله في دار أعدها له وأمر كبراء دولته بالتردّد إليه وزوّجه أحد سراريه فولدت له القاضي أبا الفضل المنعوت فخر الدين. فأقام بها إلى أن قُتل الأتابك على قلعة جعبر فعاد إلى حلب وبالغ الملك العادل في إكرامه لّما قدمها وترجّل للسلام عليه فترجل له الملك العادل نور الدين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع