من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
المرة الثانية
خربه " جرواش " ملك بابل. ويُحكى في سبب ذلك: أن ملكهم " هيرودس " أراد أن يتزوج بنت امرأةٍ له، فنهاه يحيى بن زكريا عن ذلك، فطلبت المرأة منه قتل يحيى. فأرسل إليه فأحضروه، ودعي بطشتٍ فذبحه فيه، وهو يقول: لا يحلّ لك.
وبقي دمه يغلي، فطرح عليه تراب حتى بلغ سور المدينة فلم يسكن، فسلط الله عليهم جرواش في جمع عظيم فحصرهم، فلم يظفر بهم، فأراد الرجوع فأتته أمراء من بني إسرائيل فقالت: بلغني أنك تريد العود، فقال: نعم، وقد طال المقام وقلت الميرة. فقالت: إن فتحت لك المدينة أتقتل من آمرك بقتله؟ قال: نعم. قالت: فتكف إذا أمرتك؟ قال: نعم. قالت: اقسم جندك أربعة أقسام ثم أرفعوا أيديكم إلى السماء وقولوا اللهم إنا نستفتحك على دم يحيى بن زكريا.
ففعلوا فخرب سور المدينة فدخلوها، فأمرتهم العجوز أن يقتلوا على دم يحيى ابن زكريا، حتى يسكن. فلم يزل يقتل حتى قتل سبعين ألفاً فسكن الدم. فأمرته بالكف فكف. وخرب البيت المقدَّس وأمر أن تلقى فيه بالجيف وعاد.
وكانت هذه المرة بعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء، ولم يزل خراباً إلى أن عمرته هيلاني أم قسطنطين. وحكى أصحاب تواريخ الروم: أن سبب عمارتها له أن والدها قسطنطين لما صار الملك إليه طوعت له نفسه أن يبني مدينة يجعلها مقر ملكة، ومركز سلطانه، فخرج من " رومية "، وسار إلى أرض بوزنطا فبنى فيها مدينة، وسماها " القسطنطينية " باسمه وصار يغير على بلاد برجان لما جاورهم، فكانت الحرب بينهم وبينه سجالا، نحواً من سنة، إلى أن كانت عليه. فقتل من أصحابه خلق كثير، وخاف البوار. فرأى في النوم كان رماحاً نزلت من السماء، فيها عذب وأعلام على رؤوسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس. وقيل له: خذ هذه الرماح وقاتل بها عدوّك تنصر.
فجعل يحارب بها في النوم، فرأى عدوه منهزماً بين يديه فاستيقظ من رقدته، ودعا بالرماح، وركب عليها صلباناً ورفعها على عسكره، وزحف على عدوّه فكسره.
وسار إلى بيعته وسأل عن تلك الصبان، وهل تعرفون ذلك في شيء من الآراء والملك، فقيل له أن بيت المقدس مجمع لهذا المذهب. فبعث إلى بيت المقدس وأحضر ثلاثمائة وثلاثة عشر أسقفاً فعرفوه دين النصرانية، فرجع إليه وترك اليونانية، وأمر رعيته بمتابعته على النصرانية.
ثم خرجت أمة هيلاني إلى الشام، وبنت الكنائس، وصارت إلى بيت المقدس فبنته، وعمرته، وزخرفته، وطلبت الخشبة التي صُلب عليها المسيح، بزعمهم، فحلتها بالذهب. واتخذت لوجودها عيداً وهو عيد الصليب.
هنا انتهى بنا القول في بناء البيت المقدس قبل ظهور ملَّة الاسلام. وسنذكر ما جدّده فيه خلفاءُ بني أمية، والعبيديون، أصحاب مصر عند ذكرنا لمزارات الشام - إن شاء الله تعالى -.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع