تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ذكر فتحها وملوكها

قال البلاذري: " قدم أبو عبيدة على عمرو بن العاص وهو يحاصر إيليا في سنة عشرة، فطلب أهلها من أبي عبيدة الأمان والصلح على مثل ما صُولح عليه أهل مُدن الشام من أداء الجزية والخراج على أن يكون متوالي العقد لهم عمر بن الخطاب بنفسه. فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك. فسارع عمر ﵁، حتى نزل " بالجابية " من دمشق، ثم صار إلى إيليا فأنفذ صلح أهلها، وكتب لهم بذلك ". وذلك في سنة سبع عشرة.

ولم تزل بعدُ في الولاية على ما قررناه في غيرها من البلاد المضافة إلى الأجناد.

فلما صارت إلى المستنصر صاحب مصر خرج أتسز بن أوقى التركي فقصد أرض فلسطين فملك الرَّملة، وبيت المقدس من نوابه سنة ثلاث وستين وأربعمائة.

وبقيت في يده إلى أن خرج بدر المستنصري في سنة خمس وستين فاستعاد الرملة والقدس وولى فيهما من قبله. ثم عاد إلى مصر في سنة ست، فعاد أتسز إلى القدس فملكه في بقية السنة.

ولم يزال في يده إلى أن قصد مصر بعسكره، فكسر في رجب سنة تسع وستين وعاد منهزماً إلى دمشق. فجمع، وخرج إلى القدس وكان من فيه وثبوا على من عندهم من الأتراك من أصحابه، فقتلوا أكثرهم، والتجأ من بقي منهم إلى محراب داود فتحصنوا به. وأقاموا حتى وصل أتسز إلى القدس فراسلهم في الدخول في الطاعة فأبوا فنازلهم في شعبان؛ وأقام مدة يحاصرهم إلى أن فتح له القيم محراب داود، فدخل المدينة بالسيف، وقتل عامة أهلها واستمر القتل فيها ثلاثة أيام، ولم يبقى منهم إلاّ من استجار بالصخرة والمسجد الأقصى.

وبقي بيت المقدس في يده إلى خرج نصير الدولة الجيوشي، فاسترجع القدس وما كان قد استولى عليه من بلاد فلسطين والأردن، ونزل على دمشق فحاصرها وهو فيها فكتب إلى تاج الدولة صاحب حلب يستنجده، فلما سار إليه رحل نصير الدولة وقصد مصر، فلما قُتل تاج الولة أتسز سار إلى القدس فملكه فيما ملك. وذلك في سنة إحدى وسبعين.

ولم يزال " القدس " في أيدي نوابه، إلى أن أقطعه الأمير أرتق بن أكسب، وبقي في يده ولديه من بعد إيغازي وسكمان، إلى أن قصده الأفضل أمير الجيوش شاهنشاه ابن الجيوش بدر المستنصري من مصر في عسكر. فنزل عليها في شعبان سنة تسعين وأربعمائة، وحاصرها، وضايقها، ونصب عليها المجانيق فهدم بها ثلمةً من السور، وأشرف من فيها على الغلبة. فبعث سكمان إلى الأفضل يطلب منه الأمان له ولأخيه إيغازي ولأصحابهما، فأجابهما. وتسلم البلد وولي فيه من قبله وذلك في سنة إحدى وتسعين، وخرج سكمان وأخوه إلى دمشق.

وبقي " القدس " في أيدي المصريين إلى أن قصدها الفرنج في سنة اثنتين وتسعين، وحاصروها أشد حصار حتى ملكوه، في اليوم الثاني من شعبان من السنة عنوة، بعد إعطائهم الأمان لمن فيه، فأحرقوا - لعنهم الله - المصاحف، وأخربوا المساجد؛ وكان ملكهم كندفري.

وأقام فيه إلى أن مات وولّي أخوه بغدوين بعده، ودام مالكه إلى أن أصابه جرح على العرش فمات منه في التاسع من ذي الحجة، سنة إحدى عشرة وخمسمائة.

وتولاه بعده القمص بغدوين صاحب الرها بعهد من بغدوين الأول، فسار إليه، وملكه وسكنه، وبقي في يده إلى أن مات بالفالج بي نابلس وبيت المقدس ليلة الاثنين حادي عشري شهر رمضان سنة خمس وعشرين وخمسمائة.

وملك بعده، بعهدٍ منه، زوجُ ابنته فُلك بن فُلك، وبقي في يده إلى أن وقع عن فرسه، وهو يطارد أرنباً في أرض عكّا، فغاصت في صدره، وعجل الله بروحه إلى النار، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.

وولي بعده البلاد أكبر أولاده، وبقي حاكما على ما كان بيد أبيه من البلاد إلى أن مات في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.

وولي بعده أخوه هفري وهلك في سنة ثمانين. وتولّى بعده ولدٌ له صغير، وفوض تدبير دولته لقومص بن بارزان صاحب أطرابلس وكان ابن عمه.

وبقي في يده إلى أن قصده الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فنصب عليه المناجيق، وسلّط على سوره النقوب، ممَّا يلي " وادي جهنم " إلى أن تسلمه يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة ثمان وثمانين.

ومن الاتفاقات العجيبة والمصادفات الغريبة أن القاضي مُحي الدين بن الزكي مدح الملك الناصر صلاح الدين، لما فتح حلب بقصيدة، هنأه فيها، جاء منها: وفتحكم " حلباً " في النصف من صفرٍ مُبشر بفتوح " القدس " في رجبِ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسمُ الثاني منَ الكِتاب في ذكر ما هُو خارج عن دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.