من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
عسقلان
طولها خمس وستون درجة. وعرضها إحدى وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. طالعها الأسد صاحب ساعة بنائها المشتري.
قال البلاذري: " وكتب عُمر إلى معاوية يأمره بتتبع ما بقي من فلسطين، ففتح عسقلان صلحاً بعد كد. ويقال إن عمرو بن العاص كان قد فتحها، ثم نقض أهلها وأمدهم الرُّوم، ففتحها معاوية وأسكنها الروابط، ووكّل بها الحفظة ".
وقال أيضاً عمن حدثه من أهل عسقلان: إن الروم أخربتها وأجلت أهلها عنها في أيام ابن الزّبير فلمّا ولي عبد الملك بن مروان بناها وحصنها.
ولم تزل في يد من يلي فلسطين - إلى ما حكيناه - منذ فتحت إلى أن صارت في أيدي المصريين، فلما كانت أيام الآمر بأحكام الله كان بها من قبله والياً بشمس الخلافة، فراسل بغدوين ملك الفرنج، وهادنه وأهدى إليه وامتنع به من حكم المصريّين عليه.
فوصلت إلى الآمر الأخبار بذلك، فبعث عسكراً وقدّم عليه قائداً، وأوعز إليه أن يمر بعسقلان، ويظهر أنه يريد الغزاة، وكتب معه كتابا إلى " شمس الخلافة " يأمره فيه بالنهوض معه، وأوصى القائد بالقبض عليه إذا خرج إليه. فلما قارب عسقلان استدعاه فامتنع من الحضور وجاهر العصيان، وأخرج منْ كان معه من الجند المرتبين معه خوفاً منهم.
فلما بلغ الآمر ذلك خاف على عسقلان أن يأخذها الفرنج فأرسل إلى شمس الخلافة، وطيب قلبه، وأقطعه بلاداً بمصر حتى انقاد له، ثم إنه خاف ممن معه فيها، فأحضر جماعة من الأرمن، واتخذهم جنداً، فأنكروا عليه فعله، ووثبوا عليه فقتلوه، ونهبوا داره، وكتبوا إلى الآمر بذلك فبعث عليهم والياً، وذلك في أخر سنة أربع وخمسمائة.
واستمرت في أيدي أصحاب مصر إلى أن تغلب الفرنج على بلاد الساحل، فكانت آخر ما تغلبوا عليه. وسبب تأخرها أنها ليس لها ميناء يُرسي فيها المراكب، ولم تؤخذ حتى تكررت منازلة الفرنج لها مراراً عديدة.
وأول من نزل عليها كندفري، ثم أخوه بغدوين، ثم الونس، ثم فلك بن فلك، وقطعوا أشجارها وكرومها، ورتبوا في الحصون المجاورة لها خيلا، تغاديها وتراوحها الغارات، وعمروا بالقرب منها في سنة أربع وأربعين وخمسمائة
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع