تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ذكر استيلاء نور الدين على سنجار

لما ملك قطب الدين مودود الموصل، [بعد أخيه سيف الدين غازي] كان أخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام، وله حلب وحماة، فكاتبه جماعة من الأمراء، وطلبوه. ومن جملة من كاتبه المقدم عبد الملك، وكان حينئذ مستحفظا لسنجار فأرسل إليه يستدعيه، ليسلم إليه سنجار. فسار جريدةً في سبعين فأرسل من أمراء دولته. فوصل إلى ماكسين في نفر يسير قد سبق أصحابه. وكان يوما شديد المطر، فلم يعرفهم الذي كان يحفظ الباب، فأخبر الشحنة أن نفرا من التركمان المتجندة قد دخلوا البلد، فلم يستتم كلامه حتى دخل نور الدين الدار على الشحنة، فقام إليه، وقبل يده، ولحق به باقي أصحابه.

ثم سار إلى سنجار، فوصلها، وليس معه غير ركابي واحد وسلاح دار، ونزل بظاهر البلد، وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله. وكان المقدم حينئذ قد توجه إلى الموصل، فسيَّر خلفه من أعلمه بوصول نور الدين. فعاد إلى سنجار وسلمها إليه، فدخلها نور الدين وتسلمها. وأرسل إلى فخر الدين قرا أرسلان - صاحب الحصن - يستدعيه لمودة كانت بينهما، فوصل إليه في عسكره.

ولما سمع أتابك قطب الدين مودود وجمال الدين محمد الإصبهاني، الوزير، وزين الدين علي كوجك بذلك جمعوا عساكرهم وساروا نو سنجار، فوصلوا إلى تل يعفر وترددت الرسل بينهم، بعد أن كانوا عازمين على قصد سنجار فقال لهم جمال الدين: ليس من الرأي قتاله، فإننا نحن قد عظّمنا محلّه عند السلطان. وجعلنا أنفسنا دونه، وهو أيضا يعظمنا عند الفرنج. فإذا لقيناه، فإن هزمناه طمع السلطان فينا، ويقول: هذا الذي " كانوا " يعظمونه ويحتمون به أضعف منهم " وقد هزموه "، وإن هزمنا طمع الفرنج فيه، وتطرفوا إلى البلاد.

وبالجملة فهذا هو ولد أتابك الكبير وأشار بالصلح، ويسلم سنجار إلى أخيه قطب الدين ويتسلم مدينة حمص والرحبة بأرض الشام. فعاد الشام له، والجزيرة لأخيه واتفقا.

وعاد نور الدين " إلى " حلب، وأخذ معه ما كان ادخره أبوه أتابك الشهيد فيها من الجواهر، وكانت شيئا كثيرا جدا.

ولم تزل سنجار في يد قطب الدين إلى أن توفي في سنة خمس وستين وخمس مائة. وكان قد جعل ولي عهده عماد الدين زنكي ولده، فعدل عنه إلى ولده الصغير سيف الدين غازي.

وكان السبب في عدوله عن ولده الكبير أن وزيرا كان رجلا يدعى فخر الدين عبد المسيح، فحسّن له العدول عن ابنه عماد الدين زنكي، وتولية ابنه الصغير، فولى سيف الدين غازي، فسار ولده الكبير إلى عمه نور الدين وكان يبغض فخر الدين عبد المسيح.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجزيرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.