من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر ولاية أبي المعالي شريف ولد الأمير سيف الدولة
كان الأمير سيف الدولة قد عهد إليه قبل وفاته، فاستقلّ بملك حلب وميافارقين وغيرهما مما كان بيد والده. فرتب أمور حلب وأحوالها وسار إلى ميافارقين ليرتب أحوالها. وكان بها تقي غلام والده، فحدثته نفسه بالغدر بأبي المعالي فعلم به، فقبض عليه وصادره على ثلاثين ألف دينار، وحمل مقيدا إلى حصن كيفا فبقي فيه مدة. ثم أن الأمير أبا المعالي أراد المسير إلى الشام فاستحضر تقيا من حصن كيفا ورضي عنه، وخلع عليه، وسلم إليه ميافارقين وسار إلى الشام، وأقام بها، وتقي بميافارقين.
وأقامت جميلة أخت سيف الدولة " و " زوجة الأمير سيف الدولة بميافارقين.
وكان ناصر الدولة قد تغيرات أحواله، فقبض عليه ولده أبو تغلب باتفاق من إخوته أولاد ناصر الدولة وسير من الموصل إلى قلعة أردمشت.
ثم إن أبا تغلب الغضنفر خرج من الموصل بعد زواجه بابنة عمه سيف الدولة، ووصل آمد فكاتبه تقي ليسلم إليه ميافارقين لما كان في نفسه من سعد الدولة لما قبضه وصادره، فوصل أبو تغلب وتسلم ميافارقين في سنة ستين.
وفي سنة اثنتين وستين وثلاث مائة شرعت جميلة في عمل الخندق حول ميافارقين. وكان سيف الدولة شرع فيه أولا، عند وصول ملك الروم إلى ميافارقين ولم يتمه. فشرعت جميلة في إتمامه وغرمت عليه مالا عظيما. ويقال: إن ذلك المال أصله أن رجلا من التترابين كان ينقل التراب من ظاهر البلد من عند باب الهوة، من عند مسجد الدكة، فحفر يوما، فهوي به إلى هوة فوجد فيها مالا عظيما. فقصد جميلة - أخت الأمير سيف الدولة وزوجته - وأعلمهما بالمال، فسيرا من حمله، فكان شيئا كثيرا. فقالت: ما إلي هذا المال حاجة، فغرمته على الخندق.
وأما زوجة الأمير فأنفقت نصف المال الباقي على سور الربض، ولم يريا أن ينفردا بالمال، بل أنفقاه على مصالح البلد.
ولقي الناس من أخت الأمير وزوجته كل خير من المراعاة والإحسان، وحسن النظر في أمر الرعية ومصالح البلد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع